عن طارق عزيز

  معن البياري

ربما كان في ظن طارق عزيز، يوم سلّم نفسه للمحتل الأميركي، غداة سقوط بغداد، أن خياره هذا سيتيح له صيغةً خاصة من التعامل معه، ومع حالته، وهو غير المتورط أساساً في أي جريمة، وجريرتُه أنه كان من أعلام نظام صدام حسين، وصامتاً، بالطبع، عن كل جرائم المذكور، ومنها غزو الكويت الذي اعتبره عزيز خطأً، في مقابلةٍ لافتة، أجرتها معه “الغارديان” قبل أربعة أعوام، في محبسه الذي خرج منه، الأسبوع الماضي، متوفياً، وأعلن فيها ندمه على تسليم نفسه.

ولا مجازفة في الزعم أن في سيرة هذا السياسي العراقي درامية بالغة، وتيسر مطالعتها شحنة عاطفية تجاهه، مع حيرة في أمره، حيث كان على نباهةٍ بيّنة، واقتدار دبلوماسي خاص، وكفاءة شخصية جذابة، ومثقفاً منظّراً في طورٍ في حياته، ويمكن حسبانه صحافياً (زميلاً) في شبابه، وفي الوقت نفسه، اختار الاقتران بنظام صدّام الأحمق، واستحق لقب القفاز الناعم لهذا النظام، والوجه السياسي الأقدر له. بل ثبت على موقفه ذاك، حتى وهو في ظروف سجنه الشنيعة، وحالته الصحية السيئة، وضعف ذاكرته، وتردّي حالته البدنية والنفسية.

وفي أثناء هذا كله، نقلت عنه “الغارديان” قوله لها إن “صدام قائد وبانٍ، وسيُظهر التاريخ أنه خدم الوطن”، وكرر الأوصاف نفسها في مقابلةٍ تمكنت قناة العربية لاحقاً من إجرائها معه وتسريبها وبثها، زاد عليها أن الرئيس الراحل كان كارهاً لإسرائيل وإيران.

لعلها قيمة الوفاء التي تستحق الاحترام، ولعلها قيمة الثبات على القناعة الفكرية بالتزام سياسي وأيدولوجي، ومع كل الإدانة الواجبة لهذا الموقف الذي يعمى عن فظاعاتٍ مشهودةٍ ارتكبها البعث ونظام صدام في العراق، فإن المرء لا يملك غير احترام طارق عزيز، وهو يمتنع، بأخلاقية ومناقبية، عن إشهار أي “أخطاء” كانت لدى صدام، طالما أنه في السجن، وإنه يقول ما يريد بشأنها عندما يصير حرّاً، فـ “الحكمة جزء من الحرية”، على ما سمعت منه الصحيفة البريطانية. لم يُرد السجانون في العراق حرية لهذا الرجل، ولم يستجيبوا لحملات غير قليلة نشطت من أجل إنقاذ حياته والإفراج عنه، وقيل إن الفاتيكان قام بمحاولة في هذا الخصوص. لم يتّصفوا ولو بنزر من الفروسية، وآثروا الانتقام والتشفي، وهذه من “شمائل” حكام العراق الطائفيين السارقين، منذ احتلال إبريل/نيسان 2003.

ونظنه أصاب كثيراً طارق عزيز، لمّا وصف هؤلاء، من محبسه، بأنهم ذئاب، ورفض التوسل إليهم، ولا إلى الأميركيين، أن يُصدروا عفواً عنه، ويخرج من السجن. وفي وسع المرء أن يكون سيئ الطوية، فيخمن أن هؤلاء خافوا، ولو شيئا ما، من طارق عزيز، إذا ما أتيحت له المنابر ليقدم شهاداته، وما يعرف عنهم وعن غيرهم.

ولا تزيّد في القول إن خسارةً جسيمة صارت في وفاة (أو اغتيال؟) هذا الرجل قبل أن يُشهر شهادته على زمنٍ عاصف كان من شهوده، وفي ملفات عويصة وكثيرة، في تاريخ العراق والمنطقة العربية، وهو “رجل ذكي يعمل عند رجل صعب”، على ما وصفه جورج بوش (الأب)، لمّا شاهد التصوير المسجل لمحادثات (أو مفاوضات) طارق عزيز وجيمس بيكر، في فندق في جنيف، قبل أيام من العدوان الأميركي على العراق في 1991.

ثمّة ما يسوّغ الشعور الخاص الذي محضناه طارق عزيز من بين رفاقه الحمقى والرديئين (هل ننسى علي المجيد وطه ياسين رمضان مثلا) في حكم العراق تحت مظلة البعث وصدام. لم يكن مثل أولئك، ولا مثل ورثتهم الذين قال مرّة إنه يعرف كثيرين منهم، وبينهم أصدقاء له (!).

كان الرجل نشازاً في الطاقم السابق، فحاز، وهو في قفص المحاكمة البائسة، وتالياً مع تواتر الأخبار السيئة عن حالته الذهنية والبدنية، شحنات عاطفية حانية عليه منا، نحن المناهضين لصدام ومغامراته المدمرة، وإن ارتضى عزيز أن يكون الوجه الرائق في ماكينة سلطة مستبدة غاشمة مجنونة. رحمه الله.