مبادرة “الفقراء الجدد” في اليمن

  محمد عبده العبسي

وحده الموت مزدهر في اليمن في هذه الأيام. ومَن نجا من الموت ولم يقتل في إحدى الغارات اليومية المكثفة لطيران تحالف “عاصفة الحزم” على العديد من المدن، وبخاصة العاصمة صنعاء وعمران وحجة وصعدة، فقد يُقتل جراء القصف المدفعي الذي تتعرّض له، بشكل شبه يومي، مدينتا تعز وعدن، وسط اليمن وجنوبه، من قبل الحوثيين والتحالف المحلي اللذين وثبا على السلطة مطلع العام الجاري.

وبين هذا وذاك، وبين الموت الآتي من السماء أو من الأرض، هناك أيضاً يمنيون يموتون من الجوع، أو بسبب إغلاق مراكز غسيل الكلى لانعدام وسائل تشغيل الآلات، أو لعدم قدرة بعض العائلات على نقل مريض أو ولاّدة، إلى المستشفى بسبب معارك الشوارع. وقد سجلت منظمات حقوقية العديد من هذه الحالات في مدينتي تعز وعدن خاصة.

يعيش اليمنيون من دون كهرباء عمومية ولا مياه. وتتزايد يوماً بعد يوم المعاناة الإنسانية بعد مضي أربعة أشهر على بدء العمليات العسكرية والمواجهات المسلحة، وتزايد حالات النزوح الداخلي، وانعدام الاحتياجات الأساسية لمعظم الناس، بما فيها المواد الغذائية، أو ارتفاع أسعارها في السوق السوداء، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأوضاع المعيشية على نحو كارثي.

منظمة الأمم المتحدة لرعاية الأطفال (يونيسيف) قالت في تقارير سابقة إن “ما يزيد عن نصف السكان بحاجة إلى مساعدات إنسانية تتمثل بالعلاج أو المياه أو الغذاء أو الحماية أو جميعها”. ومع تردي الأوضاع المعيشية، تم إشهار العديد من المبادرات الشبابية والإنسانية بهدف الإغاثة ومساعدة المحتاجين وضحايا الحرب ونازحيها.

أبرزها مبادرة “الفقراء الجدد” التي أعلن عنها عدد من المتطوعين والعاملين في مجال الإغاثة. وهم يقولون إن “هناك الملايين من اليمنيين عصفت بهم الحرب وجعلتهم تحت خط الفقر، وأعدادهم في ازدياد مع اتساع رقعة الحرب الجارية، وقد قدرت الأمم المتحدة أن ما يربو عن أربعة ملايين يمني باتوا بحاجة ملحة للمساعدات الإنسانية، علاوة على 16 مليوناً كانوا بحاجة لمساعدات إنسانية نهاية 2014. إنه انحدار خطير ومؤشر إلى كارثة إنسانية أن يكون أكثر من 80 في المئة من السكان بحاجة لمساعدات إنسانية”.

ولفتوا إلى أن المساعدات ينبغي أن تستهدف شريحة العمال باليومية الذين تتجاوزهم أعدادهم مليوني عامل. “أتت الأزمة على أولئك الذين يعلمون بالأجر اليومي أو ضمن وظائف مؤقتة، أو كباعة متجولين، أو عمال بناء أو النازحين، إذ أقعدتهم في البيوت بلا أي مصدر دخل. وأصبحوا فقراء فوق ملايين الفقراء. الإعلام يسلط الضوء على المعارك والأطراف المتصارعة وتطورات الأحداث، وقليلاً ما يركز على الأبعاد الإنسانية لما يجري”.

من خلال المبادرات الطوعية التي أطلقها شباب وشابات لمساعدة المتضررين من الحرب، أتضح أن هناك من لم يتقاضَ راتبه، ومن دمّر بيته ومحل عمله، ونماذج كثيرة من مستوري الحال الذين باتوا بحاجة ماسة ولا يمكنهم الوقوف في طوابير النازحين لتلقي المساعدات، إما لعدم تمكنهم من الوصول لها سواء لكونهم في مناطق نائية أو بسبب احتدام المعارك، ومن هنا بدأت فكرة مساعدة هؤلاء الذين أطلق عليهم “الفقراء الجدد”.

وأعرب المبادرون عن سعادتهم بالتفاعل المجتمعي المشجع: “الشعار الذي تبنيناه كان بمنتهى البساطة وهو “العطاء لا يُفقِر أحداً”. وهذه المبادرة بدأت من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ثم بدأت تكبر تدريجياً: “نجمع تبرعات ونساهم شخصياً لدعم الأسر في عدن وتعز والضالع ضمن مبادرات واسعة، ثم طبقنا الفكرة في القرى، خصوصاً أن العديد من الأسر نزحت من المدن المتضررة إلى القرية، وهي مناطق بعيدة عن الإعلام والمنظمات.

وهكذا نأمل أن تكبر المبادرة وأن ينطلق كل الشباب والشابات وميسورو الحال بالعمل، كل في محيطه، وأن تتسع دائرة التكافل والتضامن والتعاون، بحيث ننتصر مرتين، بالتكافل وبتجسيد المسؤولية الشخصية والاجتماعية”.