الإرهاب الطائفي .. المعالم والآثار

  محمد عزان

(1) الطائفة في اللغة: كلما يَحُفّ بشيء كأنه يطوف ويلتف حوله، سواء كان شخصاً أو أفكرا أو غَرَضاً. وعلى هذا يكون الملتفون حول رأي ديني، أو برنامج حزبي، أو إطار اجتماعي «طائفة». والمذهب هو الذهاب في منهج «فكري» يقضي بالعمل في ضوء أصول وقواعد معينة يخلص إليها شخص أو جماعة.

(2) وهذا المقدار في الطائفة والمذهب ليس مذموماً في ذاته، لا شرعاً ولا عقلاً، بيد أنها إذا وُضعت طائفة في مقابل أخرى، ومذهب في مقابل آخر، وتحول الانتماء إلى عصبية، بحيث يدعي كل طرف التفرد بالحق، ويرى أن له خصوصية تجعله متفردا بالحقيقة، فإن تلك الحالة توصف بـ«الطائفية» أو «المذهبية».

(3) تتسم الطائفية والمذهبية بالمبالغة في الانتصار لما تتحرك وتدور حوله، وتجزم بأن ما عداه ليس على شيء، ودون مراجعة لموقف أو تمحيص لفكرة، وتأخذ في التأليب على الطوائف والمذاهب الأخرى، وتجعل دورها في الحياة العمل على إلحاق الأذى بها، بل وسحقها فكراً وذكراً ووجودا إن أمكن ذلك.

(4) تصبح «الطائفية والمذهبية» كارثة حينما تَحْتل الصَّدارة في قيادة العطاء الفكري، فتصبح العقل المدبر لكيفية التعامل مع الناس، وخلفية الفتاوى الدينية، ومصدر القرارات السياسة؛ لأنها تحول دون رؤية الآخر والاعتراف بوجوده، فضلاً عن القبول بشراكته، والتفكير في احترامه ومراعاة حقوقه.

(5) خطورة النزاع «الطائفي المذهبي» لا تُقارن بخطورة أي نزاع «قبلي أو سياسي»، لأن من يقفون على ضفتيه يحركهم مزيجٌ من: «العصبية، والعاطفة، والجهل المركب»، وذلك المزيج لا تقيده القِيَم ولا الأعراف ولا القوانين، ولا يحصره مكان ولا زمان، ولا يراعي قرابة أو صحابة أو شراكة في دين أو وطن، ولا يتراجع أمام مقدس أو شريف.

(6) من أهم أسباب نشوء الطائفية، وتأجيج لهبها: سيطرة الجانب العاطفي الذي يتحول بالتدرج إلى عصبية رعناء تتغلب على الجانب الفكري، فتصبح عواطـف الانتماء التي تنشأ في ظـل المـوروث المذهبي والاجتماعي، هي المنتجة للمواقف والمتحكمة في الأفكار، وذلك ما يُشوش رؤية الحقيقة، ويرجح ما يسبق إلى العاطفة على ما يقضي به العقل والدليل، ويحوِّل الحوار البَنَّاء إلى جَدَل عقيم.

(6) ليس من السهل التغلب على بلاء الطائفية والمذهبية لأنه عصبية تنشأ مع الإنسان من وقت مبـكر، ويغلب على تربيته وسلوكه، ويتحكم في نمط تفكيره؛ لذلك نجد المصابين بذلك الداء لا ينظرون إلى الأشياء إلا من خلال مسلماتهم وإن كانت قائمة على مجرد دعاوى وفرضيات مبنية على أصول منهارة وقواعد خَرِبة.
هذا توصيف لحالة العصبية وآثارها، وفي الجمعة القادمة – إن شاء الله – نكتب عن معالجاتها. ونستغفر الله لنا ولكم فاستغفروه..

* حديث الجمعة: مقال أسبوعي يلخص مضمون خطبتي التي منعتني لجان الحوثيين من إلقائها في منبري المعتاد في صنعاء.