تقرير: جرحى الحرب في اليمن عالقون بلا إعانات بين الموت والحياة

نشوان نيوز - متابعات

احتجاجات جرحى الحرب في تعز

تقرير: جرحى الحرب في اليمن عالقون بلا إعانات بين الموت والحياة وآلام منذ سنوات وأخرى لا تكمل الدواء


سلط تقرير نشره موقع قناة دويشته فيله الألمانية DW للصحفية صفية مهدي الضوء على معاناة جرحى الحرب في اليمن معتبراً أنهم عالقون بلا إعانات بين الموت والحياة:

شعرت بإصابة في وجهي وعند رؤية تدفق الدم اعتقدت بأنني سأموت في القريب العاجل؛ في تلك اللحظة شعرت بمأساة الحرب ومأساة الضحايا بشكلٍ رهيب”، يقول همدان الحقب، إعلامي يمني، أصيب برصاص قناص منذ شهور، ويرقد في أحد مستشفيات مصر، في انتظار من يموَل له عملية جراحية لانتزاع شظية في صدره، وهو واحد من عشرات آلاف اليمنيين الناجين من الموت، لكن نيران وشظايا الحرب اخترقت أجسادهم، ليبدأوا معركة مع آلامهم في البحث عن العلاج.
كان الحقب (32 عاماً)، متواجداً في البلدة التي ينحدر منها، بمنطقة “الجبارة”، في مدينة “دمت”، محافظة الضالع جنوبي البلاد، عندما حاصر مسلحو جماعة أنصار الله الحوثية، العام الماضي، المنطقة التي يتواجد فيها، وعلى الرغم من أن ذهابه إلى منطقة قرب المواجهات للتصوير والكتابة عن أحداثها، إلا أنه اضطر في ذلك اليوم، لحمل السلاح، وسعى للاحتماء إلى جانب آخرين، بإحدى التباب، وبعد أن تراجع صوت الرصاص، ذهب لإسعاف أحد زملائه، لكن قناصاً أسقطه جريحاً برصاصة في الوجه.

ويضيف لموقع DW عربية “كانت لحظة الموت والشعور بأهمية الحياة، فالإنسان يحيا مرة واحدة وهي غالية عليه أن لا يذهب بها إلى النهاية بنفسه، لكن الأوضاع هي التي فجرت هذه الحرب التي لا نريدها ولسنا في الأساس جزءاً منها”.

أسُعف الحقب لجراحة أولية بمستشفى المنطقة القريبة والذي استقبل العديد من الجرحى في الوقت نفسه، ولم يكن يتوفر فيه سرير واحد ، ويقول “لم اعرف بالشظية التي قرب القلب وشظايا الصدر والبطن الا في المستشفى شعرت بكتفي الايسر ثقيلا وحاولت أن أتحسس صدري فإذا بإصبعي دخلت إلى أن لمست عظم الصدر، نظرت إلى الإصابة والدم يتدفق فتأكدت أنني انتهيت واستسلمت للموت”.

وبوصفه إعلامياً وناشطاً سياسياً، ساهم ذلك بسرعة وصول خبر إصابته إلى الجهات الحكومية، والتي وجهت بنقله للعلاج في مصر ويقول: “سافرت من عدن وأجريت عملية زراعة للقناة العظيمة وإخراج شظيتين من العين وإعادة ترميم الأنف الذي تحطم بشكل شبه كامل”.

ويواصل إنه على الرغم من أن النتيجة كانت مُرضية “ما زلت أعاني من إصابة الفك وعندي شظية فيه، ولا استطيع الاكل بسلاسة ويؤلمني بين الحين والآخر ولا أجد مصدراً يمول عملية إجراء العملية أو انتزاع الشظية التي في صدري والتي تشكل خطراً إذا ما اقتربت من أحد الأوردة الدموية أو شرايين القلب”. ويشدد على أن “هذا وضع الكثير من الجرحى اليمنيين في القاهرة من المهملين والذين قطعوا جزءاً من العلاج ولم يكملوه.

جراح وآلام منذ سنوات

حال المصابين المدنيين في الحرب الدائرة باليمن منذ ما يقرب من خمس سنوات، لا يختلف عن العسكريين، صدام الزامكي جندي في القوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً، يلخص مأساته بـ “فقدت المستقبل”، ويعاني قسوة جروح ناتجة عن إصابته بعدة رصاصات في الرأس والبطن وإحدى قدميه، أثناء معارك عدن، منتصف العام 2015، لكنه لم يتمكن من إكمال العلاج.

ويقول لـDW عربية إن إصابة البطن، تسببت بتقطيع الأمعاء والقولون، حيث جرت إعادة ربطها بأحد مستشفيات أطباء بلا حدود بعدن، قبل أن ينتقل لعلاجها في السودان، ولكن حالته تدهورت مجدداً، بعد عودته، لتؤثر في شبكة عضلات البطن، كما عالج رأسه في الهند بـ”عظم صناعي”، ليضطر مرة ثالثة وبعد عام كامل من المعاناة للسفر إلى مصر لعلاج البطن، حيث بقي لشهرين عن طريق تمويل الحكومة، غير أنه أضطر للعودة قبل انتهاء العلاج بسبب توقف التمويل، في حين أبلغه الأطباء أن إصابته المستعصية في قدمه تتطلب العلاج في ألمانيا، وهو ما لم يتمكن من توفير تكاليفه.

كان من المقرر أن يعود الزامكي لاستكمال العلاج في الهند، بعد ستة أشهر، لكن التحالف الذي تقوده السعودية، والذي مول سفره إليها، رفض تقديم تكاليف استمرار علاجه، والأمر ذاته، بالنسبة للسودان، التي جرى فيها تركيب جهاز في قلبه لوقف التجلط ولم يتم إبعاده حتى اليوم، ويقول إن حالته تدهورت أكثر، وإنه ما يزال حتى اليوم، يعاني من البطن إلى القدم.

تفضيل الموت على الألم
معاناة الجرحى لا تتوقف عند مناطق سيطرة الحكومة، إذ أن عصام يحيى، 20 عاماً الذي شارك إلى جانب القوات الموالية للحوثيين وأصيب في معارك شرق صنعاء، يرى بعد عام من إصابته أن الموت أو “الشهادة” كما يطلق عليها، كان بالنسبة إليه، أهون من البقاء على قيد الحياة مع معاناة جراحه وعجزه.

أصيب الجعدي بشظية قطعت إحدى قدميه وشظايا أخرى إحداها في العمود الفقري، نقل على إثرها للعلاج في المستشفى العسكري بصنعاء، وبينما كانت حالته الصحية تتطلب العلاج خارج البلاد، لم يكن الأمر ممكناً بالنسبة إليه، بسبب الحصار المفروض من التحالف على مناطق سيطرة الجماعة.

أزمة على امتداد البلاد
يتلقى الجرحى في مناطق سيطرة الحوثيين العلاج في مستشفيات صنعاء، بإمكانيات وقدرة استيعابية محدودة، في حين أن الحالات الخطرة، والتي تتطلب العلاج في مستشفيات خارجية، تعثرت خلال السنوات الماضية بعد قيام التحالف بإغلاق مطار صنعاء، قبل أن تعلن السعودية في ديسمبر/كانون الأول المنصرم، السماح بتسيير رحلات طبية محدودة للمرضى، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية.

في المقابل، فإن وضع الجرحى بالنسبة للحكومة التي فقدت السيطرة على العاصمة المركزية، ليس أفضل حالاً، وتحولت قضية علاجهم، إلى أزمة مستفحلة وصلت إلى اعتصامات وتظاهرات في أكثر من مدينة، بما فيها تعز ومأرب وعدن، حيث يطالب مصابون بنفقات علاجهم وآخرون باستكمال العلاج، كانوا قد بدأوه في مرحلة سابقة.

آلاف الجرحى وعالقون في مصر والهند
ويكشف أمين عام رابطة جرحى مدينة تعز نشوان الحيدري في حديث مع ” DW عربية”، عن تسجيل أكثر من 22 ألف جريح أصيبوا في المحافظة ذاتها منذ سنوات، بينهم ثمانية آلاف جريح بحاجة للعلاج والتدخل الجراحي في مستشفيات خارج البلاد.

ويضيف: “لدينا ما يقارب من 600 إلى 700 جريح مبتور الأطراف من طرف إلى أربعة أطراف، ولدينا 272 جريحاً معاقاً و223 جريح عيون، منهم من فقد عين ومنهم من فقد عينيين.”.

وفي حين كانت تعز، ساحة لاحتجاجات متفرقة للجرحى خلال الشهور الماضية، يفيد الحيدري أن اللجنة الطبية الحكومية المعنية بمتابعة ملف الجرحى، لم تقدم خلال العام 2019 أي مبالغ مالية، عدا نحو 228 مليون ريال يمني تساوي ما يقرب من نصف مليون دولار أمريكي، كانت بحساب اللجنة من سنوات سابقة.

ويضيف أن رئيس الحكومة الحالي معين عبدالملك وجه بصرف 500 مليون ريال لعلاج تعز، لكن الجهات المالية الحكومية في عدن، عرقلت تسليم المبلغ، ويقول إن علاج الجرحى العالقين في كلٍ من مصر والهند، يتطلب نحو 800 ألف دولار، ويلمح لإهمال حكومي للجرحى في المحافظة ويقول: “جرحى مأرب خلال العام 2019 صُرف لهم ما يقارب 28 مليون دولار بينما جرحى تعز لم يصرف لهم”.

توقف الدعم السعودي والإماراتي

وحتى بالنسبة للمدن، التي ابتعدت عنها الحرب بنسبة أو بأخرى، ما تزال أزمة الجرحى حية، حيث يفيد لـDW، رئيس جمعية جرحى عدنن، ناصر أبوزكي، أن المعاناة مستمرة في المدينة ومحيطها من المحافظات الجنوبية، على الرغم من توقف المواجهات ببعض مناطقها منذ سنوات.

ويقول “لعب مركز الملك سلمان (السعودي) والهلال الاحمر الاماراتي دوراً مهماً في علاج الجرحى حتى نهاية 2016، ولكن للأسف تم التلاعب بعلاج الجرحى وتحول الملف الى شبه سمسرة من قبل المندوبين بالخارج”، ويشير إلى أن بعض الحالات، كان المقرر لها عودة، لاستكمال العلاج في الخارج، لاستخراج صفائح لا يمكن استخراجها الا بنفس الدولة، لكنهم لم يجدوا أي طريق للعودة.

ويضيف “هذا ما دفع الجرحى الى القيام باعتصامات سلمية امام مقر قياده معسكر التحالف وامام مقر قصر المعاشيق الذي كانت تتواجد فيه الحكومة حينها”، وينوه إلى كل من الحكومة والتحالف أبلغ الجرحى أن المسؤول هو الآخر.

الجدير بالذكر، أن DW عربية، تواصلت مع اللجنة الطبية العليا الحكومية المسؤولة عن متابعة ملف الجرحى كما تواصلت مع الجهات الحكومية الموالية للحوثيين في صنعاء، للحصول على إحصائيات شاملة بشأن الجرحى، إلا أنها لم تحصل على رد.