مراد: قبيلة أذلت الفرس ومرغت أنف الإمامة (2-2)

  

بلال الطيب

بلال الطيب يكتب حول مراد: قبيلة أذلت الفرس ومرغت أنف الإمامة (2-2)


تناولنا في الجزء الأول قصة إسهام قبيلة مراد بقيادة الفارس قيس بن مكشوح المرادي في مقاومة الوجود الفارسي في اليمن، ودور مراد الحاسم في إسقاط امبراطورية بني ساسان وإنهاء دولة الفرس، عن طريق مشاركتهم الفاعلة في موقعة القادسية.

وفي هذا الجزء نتطرق إلى دور مراد في محاربة الإمامة على مدى التاريخ، مرورا بقصة المناضل الشهيد علي بن ناصر القردعي وصولا إلى الصمود الراهن الذي كان من أبرز رموزه اللواء الشهيد عبدالرب الشدادي.

الثائر العظيم

صحيح أنَّ الإمامين عبدالله بن حمزة، وأحمد بن الحسين غزوا مأرب في القرن السابع الهجري، إلا أنَّ سيطرتهما عليها كانت مُتقطعة، وظلت مأرب تقريبًا شبه مُستقلة، ولم يتحقق للأئمة السلاليين السيطرة عليها إلا في عهد الإمام يحيى حميد الدين

كلف الإمام يحيى «أمير ذمار» عبدالله بن علي الوزير باجتياحها، لتتحقق للأخير السيطرة على معظم مناطقها «1931م».

رضخ معظم أعيانها للأمر الواقع، وسلموا رهائن الطاعة، وذلك بعد أنْ اتخذ الإمام يحيى سياسة الملاينة لاستقطابهم، فيما قاومت قبيلتا مراد وعبيدة تلك القوات لعامين.

رفض الشيخ علي بن معيلي من قبيلة عبيدة، والشيخان علي بن حسين البحري، وعلي بن ناصر القردعي من قبيلة مراد الدخول في حضيرة الدولة الإمامية، وقاوموا توغلها مُتفرقين، ولمدة عامين، لتلقي القوات الإمامية في النهاية القبض عليهم، وأطلق عليهم الإمام اسم «الخوارج»، وضاعف عليهم وعلى قبائلهم الزكاة، وأجبرهم على تقديم رهائن الطاعة أسوة بغيرهم.

كغيرهِ من الأحرارِ الصادقين، ناهض الشيخ علي القردعي – ثائر مُراد العظيم – حُكم الإمامة المـُهين، وتصدر وكثيرٌ من أبناء قبيلته «مراد» قوات الإمام يحيى، ليتمكن الإماميون بعد عامين من الصمود، من أسره، وذلك في منطقة «الجوبة»، اجتاحته حينها نوبات قاتمة من اليأس؛ فقال مُتألمـــًا:

يا العافـيـة ودعـتش الله
والـموت حـيا به مـياتي

من حكم يحيى هو وقومه
قد موتي أفضل من حياتي

ليس من عادة الثائر الحقيقي أنْ يَستسلم لليأس، ولكنها لحظة يتيمة في مسار حياة ثائرنا، لها ما يُبررها؛ خاصة وأنَّ زوال حكم الإمامة كان حينها ضَربًا من المـُحال.

كان القردعي مُحبًا للحياة، مُصرًا على البقاء، داعيًا للثورة؛ بدليل أنَّه نجح بعد ثلاث سنوات من المـُـعاناة، وبعد مُحاولة فاشلة انكسرت فيها قدمه، نجح في الهرب من سجن «القلعة» المـُوحش «1936م»، وما أنْ رأى جبال بلاده، حتى راعه صُمودها، وخاطبها مُتحسرًا:

يا ذي الشوامخ ذي بديتي
ماشي على الشارد مَلامة

قولي ليحيى بن محمد
بـا نلتقي يـوم القيـامة

ولو شي معي سبعين رامي
لادخل ليحيى في مقامَه

رغم أنَّه سُجن ظُلمًا، ورغم أنَّ سجانه أقسم أنَّه لن يُفرج عنه إلا إلى «خُزيمة»، ثمة تضارب نفسي صارخ عاشه الثائر القردعي؛ فهو لم يحب بتاتًا أنْ يُوصم بالهارب، وما استدراكه المـُحفز لبني قومه للوقوف معه، إلا لتلافي ذلك الشعور المـَرير، واليد الواحدة – كما قيل – لا تُصفق، ولا ثورة حقيقية إلا بثوار حقيقيين، وهو ما تحقق بعد مضي «12» عامًا في ثورة 1948.

صحيح أنَّ تلك الثورة المـُسماة بـ «الدستورية» لم يُكتب لها النجاح، إلا أنَّها حطمت جدار الخوف، وهزَّت عرش الإمامة، ومَهدت لزوالها، وتحقق بذلك حدس ثائرنا القردعي القائل:

حُكم الإمامة برى حالي وسم الفؤاد
لابد ما نبلغ المقصد ونيل المراد

بعد هروبه من السجن، جعل الشيخ القردعي من بيحان محطة مُؤقتة للبقاء، ومن هناك أرسل لصديقه القاضي محمد عبدالله الشامي «حاكم البيضاء» بقصيدة طويلة – طالبه فيها بمراجعة الإمام الطاغية، والعمل على إنهاء الظلم والفساد، وهو كما بدأ قصيدته بحمد خالقه الذي نجاه من العذاب المـُـهين، ختمها بالدعاء والتمني بزوال السجن والسجانين، نقتطف منها:

فك العمر يا مودي غائب الحجاج
يالله بثورة قريبة يابا لافراج

بالصبر وغيري صبر قلبي وهو راجي
يتحمل الميل والعوجا قفا ماهاج

من ذل دولة يسويّ في الثاج
وتعجب الخصم ذي اتعود على الكرباج

الإمامة في الشمال، والإنجليز في الجنوب، وبين هذا وذاك – يَمم الثائر القردعي خُطاه صوب العاصمة صنعاء، مُطبعًا علاقته مع الإمام يحيى، ليس حبًا في الأخير؛ بل لأنَّ الواجب الوطني المـُـناهض للمحتل الأجنبي حتم عليه ذلك، خاصةً وأنَّ الإنجليز قاموا – حينها – بالتوسع في المحميات الجنوبية، في مُخالفة صريحة لاتفاقية «11 فبراير 1934م» – الموقعة بينهم ومملكة الإمام.

لم تكن شبوة ضمن قائمة المـَحميات الجنوبية، وبتكليف من الإمام يحيى سيطر الشيخ القردعي بمجاميع من قبيلته عليها «1937م»، ليتعرض بعد عامين لانتكاسة صادمة، حاصرته القوات الإنجليزية بقيادة الجنرال هاملتون «12 يونيو 1939م»، فانسحب شمالًا، وذلك بعد أنْ يأس من وصول الإمدادات، وبعد أنْ خاض معارك بطولية شاركت فيها الطائرات، أيقن حينها أنَّ الإنجليز والإمام مُتفقين، فأنشد:

لا جيت باشكي على حد ما درينا من
قد خاب ظني في اخواني وصدقاني

قدهم على شور من صنعاء إلى لندن
متآمرين كلهم سيّد ونصراني

اتقسمو الارض كلا منّهم وثّن
في اْرض اليمن كدّروا عاقل وسلطاني

بعد تلك الخيبات، التقت طموحات الثائر القردعي بأهداف الأحرار الدستوريين، واختير بعناية فائقة من قبل الأخيرين لتولي المـُـهمة الصعبة، مهمة إسكات رأس الأفعى، ولكي يُشعل الصِراع بين الأفاعي الصغيرة – من تَدّعي أحقيتها في الحكم والولاية؛ أصر بذكاء على أخذ فتوى من علماء «الزيدية» تُجيز له ذلك، وأنْ يسانده في مُهمته تلك أفرادٌ من غير قبيلته، وهو ما كان.

لم يكن الثائر القردعي بحاجةٍ لتلك الفتوى، كيف لا؟ وهو من سُجن ظُلمًا، وتَعرض أكثر من مرة للتآمر والخُذلان، كيف لا؟ والآلاف من بني وطنه قضوا نحبهم في مجاعاتٍ وحروبٍ عبثية، وهي تفاصيل مُؤلمة كان يدركها جيدًا؛ بدليل مُخاطبته لجثة الإمام الصريع قائلًا:

هنت اليمن والقبايل كل فجاسي
عشنا النكد وانت لا ترثى ولا ترحم

وحط راسك براس المعدن القاسي
اسقيتنا المـُر وانت اتجرع العلقم

سوا تذكرت وانك للخبر ناسي
من يَظلم الناس والله هكذا يُظلم

صدق ما وعد، وصمد حتى استشهد، عنوان عَريض يُلخص نهاية الشيخ القردعي، ذلك الثائر الاستثنائي، والبطل المِغوار، سَطَّر على سفوح جبل «نُقم» آخر ملاحمه البطولية، وما أنْ سقطت صنعاء «13 مارس 1948م»، وحلَّ فيها الدمار والخراب، حتى أنهى تِطوافه الشاق، وآثر الانسحاب، لتحُول مجاميع إمامية قبلية بينه وبين الجنوب، قاومها حتى آخر رصاصة، وفي «شعسان» لفظ آخر أنفاسه، وإلى السماء حلَّقت روحة، وظلت كنجمة مُشعة تُلهم السائرين.

الجمهورية الثانية

لم تتوقف الحركات التحررية ضد حُكم الإمامة في مأرب الرفض، وقد قامت قبائل صرواح في العام «1957م» بتمرد مسلح ضد حكم الإمام أحمد حميد الدين، إلا أنَّه فشل، وبعد ثورة «26 سبتمبر 1962م» ظلت سيطرة النظام الجمهوري على مأرب مُتقطعة، ولم تتحقق السيطرة الجمهورية عليها إلا نهاية العام «1968م».

بعد «46» عامًا من عودة مأرب لأحضان الجمهورية، عادت «الإمامة الزيدية» لتُكشر عن أنيابها من جديد، وبدأت جحافلها المـُـتوحشة قفزاتها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وبحلول العام «2015م» وصل الحوثيون إلى تخوم عاصمة «إقليم سبأ»، ودارت مُواجهات شرسة استمرت لعدة أسابيع، تمكن فيها المأربيون – رغم قلة عددهم – من الدفاع عن عاصمتهم، وعن جمهوريتهم، بعد أنْ اختاروا بعناية فائقة أماكن المواجهة بعيدًا عن المناطق المأهولة بالسكان، وهي من عُرفت بـ «المطارح».

في الوقت التي سقط فيه المدن اليمنية تباعًا، كانت تلك «المطارح» حائط الصد المنيع الذي حمى مأرب والجمهورية من السقوط، تداعى إليها المأربيون، وسطروا فيها ملاحمهم البطولية، وأجبروا الحوثيين على المغادرة، ولم ينتصف ذلك العام إلا ومشارف المدينة السبئية مُحررة، ليتوافد إليها اليمنيون الجمهوريون المناوئون للحوثي من كل حدب وصوب، باذلين أرواحهم في تحرير ما تبقى من أرض، مُساهمين في نهضة المدينة اقتصاديًا وعمرانيًا، مُشهرين ميلاد جمهوريتهم الثانية، مُجددين العزم على القضاء على الحكم الإمامي الكهنوتي، وطي صفحته إلى الأبد.

. صحيفة 26 سبتمبر

 

عناوين ذات صلة: