تجرثُم مراكز القوى داخل الحركة الحوثية: البيت المسكون بـ «عفاريت المصالح»

  

أمين الوائلي

أمين الوائلي يكتب: تجرثُم مراكز القوى داخل الحركة الحوثية: البيت المسكون بـ «عفاريت المصالح»


بعد خمسة أعوام طرأ ودخل الكثير في عقل الحركة الأيديولوجية البدائية وأجهزتها العضوية كنتيجة مباشرة لمدخلات غير مسبوقة ولا عهد للجماعة المغلقة بها.
وكان من الحتمي أن يُحدث هذا الانفتاح الفجائي وغير المرتَّب؛ صدمات حقيقية وتغيرات عميقة، في المكون البنيوي، كما في العقيدة الخاصة، وفي جداول أولويات واهتمامات الأفراد.
ويتعلق الأمر الجوهري هنا بالأفراد وشخوصهم في مكون القيادة العليا، والذين سريعاً ما يتحولون إلى مركزيات -صغيرة وخاصة ضمن مساحة مركز يتمدد ويتجرثم ذاتياً، ولم يعد واحداً بحال من الأحول- تكبر وتُكاثِر مصالحها وتحالفاتها وصراعاتها أيضاً مع مجاوريها المركزيين.
هنا؛ يبدأ الذاتي عمله ضداً من الجماعي المغلق، وتبدأ المصلحة تكتسب وتوسِّع من فاعليتها كقوة محركة تكتسب قوة العقيدة الصاعدة مزاحمة أو خصماً من رصيد وفاعلية العقيدة الأيديولوجية للمكون الحركي.
يبدو هذا بالغ الأثر من منظور خاص إلى جماعة كالحوثيين؛ متشبّعة بعقيدة الدم والثأر والقتال والخروج ومقارعة المجتمع والنظام -أي نظام، وفجأة تجد نفسها تملك مؤسسات دولة بحالها، ولا تملك خبرة كافية للتعامل مع واحدة من أصغر مؤسساتها التنفيذية، فيما راحت تتدرع بمسئولين وكفاءات سابقة وتنصب نفسها مشرفة عليها ومتحكمة بها، فكان الفشل حليفها ولم تعدم الغُنم والتفيد المادي كيفما تأتّى.
التجليات مشهودة بكثرة، بالنظر المجرد إلى مجريات عاصفة وظواهر طارئة برزت سراعاً إلى السطح المجتمعي، في واقع لا يحتكم إلى منطق سيرورة لانعدام منطق الدولة والأمة والمؤسسات والسلطات المدنية والرقابية وحكم القانون.
وما جلبته أوضاع مرتبكة منفلتة كهذه؛ من امتيازات هائلة، بيد أفراد جماعة محدودة العدد والجاهزية التنظيمية والإدارية، وفقيرة الخبرة والممارسة في التعاطي مع مسئوليات من يقفز فجأة إلى كرسي السلطة الفارغ ومراكز قيادة بلد بكل ما لها وعليها.
نشأت مراكز قوى ومصالح وسلطات، عن تجرثم حتمي في حقل تجربة غير مستقر وفوضوية تماماً؛ من التنعم بميزات الانفراد بالقرار والسلطة والمال العام وتجارة السوق السوداء، وما تدره جميعها من ثروات ومكاسب سهلة.
وكما هو متوقع؛ تراكمت الأرباح والأرصدة والمقتنيات الثمينة، لدى طابور طويل من القيادات في الصفين الأول والثاني بدرجة رئيسية. وشملت آخرين راحوا يتناسلون كالجرذان في المستويات الدنيا والقاعدية، كمشرفين صغار تحت إمرة مشرفين أعلى وهكذا.
حدث كل ذلك على مقتضى الفلتان والعبث وقانون الغاب، بعيداً عن أي رقابة أو مسئوليات محتكمة لمرجعية مؤسسية أو قانونية ومهنية من أي نوع.

“مراكز القوى”
ومن المنطلق، يشار إلى النتيجة المتوقعة بكثرة: المركز القيادي في أعلى هرم الجماعة -التي نشأت على العنف وعقيدة الدم والقتال- لم يعد ذلك الذي كانت عليه الأمور قبل هذا الوقت، بقوة فاعلية ما شهدته الأعوام الستة من تغيرات عاصفة على المستويين المحلي والخاص، ضربت عميقاً في البنية الداخلية لمركز القيادة والتوجيه والقرار، وذلك بالرغم عن كل ما تبديه الحركة والجماعة المسيطرة من تماسك واستتباب في واجهة المشهد.
يتعمق صراع مراكز قوى جديدة داخل مركز قيادة بدائي من ناحيتين، بيولوجية وتنظيمية. وهو -الصراع الناشب- لم يعد خفياً في الواقع ولا خافياً عن الخبرة والمشاهدة اليومية.
ويستنزف هذا في حقيقة الأمر فاعلية وحدة القرار والقيادة، كما يستنزف مقدرات التحصن الذاتي لجماعة، في وجه مغريات كثيرة وخطيرة يتيحها السلم المخادع وأخطر على الحركة من مخاطر الحرب والاستنفار المستمر قبل هذه اللحظة.
لم يعد الشاب المهووس، حديث السن والخبرة والتجربة والمأخوذ بخديعة هيلمان الزعامة السهلة، هو المرجعية في كل شيء أو حتى في الأهم من الأشياء؛ تلك المتعلقة بتخلق مراكز قيادية تتنازع وتتسابق إلى مراكمة امتيازات السلطة والقرار والمصالح والعلاقات وحتى التحالفات. بينما ينزوي عبدالملك الحوثي قصياً متخفياً مشغولاً بأمور سلامته الشخصية (تحت إلحاح هواجس القائد الضرورة!).
رؤوس كثيرة ومراكز قيادية أطيحت ولوحقت واختفت أو أخفيت فجأة دونما تفسير عملي معلن.
في الواقع يعرف العامة، أكثر من النخب المنعزلة والقصية أو التي أقصت نفسها بنفسها بعيداً عن حقل يوميات اليمنيين؛ أن الحوثة والمتحوثين يتداولون الآن خصومات مميتة؛ وصلت إلى القتل والبطش والاغتيال.
وفي حالات، وصلت على الأقل، إلى تدبير حوادث وتلفيق وشايات واتهامات كانت كافية لاقتياد المعنيين إلى السجون وانتزاع كل ما يملكونه وما صاروا يمتلكونه بفضل مكانتهم من الحركة الحوثية التي تميزت عن سواها بسرعة وكثرة إنتاج اللصوص والهبّارين والقياديين المنتفخة كروشهم على امتداد المدن والمديريات.

الانشقاقات
الانشقاقات عن الجسم التنفيذي، أو المسمى الحكومي، ليست إلا واحدة من تعبيرات خجولة عن انقسامات عميقة تتسرّب بالشروخ والتصدعات إلى الجذر النهائي للمستويات القيادية العليا.
لم تحدث حتى الآن حالة انشقاق لقيادي عقدي من منسوبي الدائرة السلالية الممسكين بالقرار والقيادة.
لكن هؤلاء، ولا شك، كان لهم دور بدرجة أو بأخرى في حدوث انشقاقات وحالات خروج أو هروب؛ إما بطريقة مباشرة بالتضييق والتهميش والمصادرة والامتهان وسلب صلاحيات وغيرها من الممارسات التسلطية. وإما بالتأثير غير المباشر وترسيخ فكرة الهرب وجعلها ممكنة، نكاية بقيادات منافسة تتبنى هؤلاء، أو للنيل منها وزيادة في إحراجها.
وفي الواقع حدثت وتحدث انشقاقات أخطر وأسوأ، وضمن دائرة السلالة والحلقة العنصرية الضيقة في المستويات القيادية العليا، في صنعاء خاصة وصعدة بالضرورة.
لكن هؤلاء يكتفون بالعودة إلى البيوت والاعتكاف الاختياري والانطواء واعتزال العمل والمشاركة، تعبيراً عن موقف نهائي طافح.
وهذه الحالات كثيرة بالفعل، بحيث أخليت مراكز قيادية في مؤسسات وجهات وظيفية مختلفة من شاغليها الذين آثروا الانسحاب، على سبيل الاحتجاج الأيسر والأسهل والأرخص كلفة!
زائداً أن هناك اعتبارات كثيرة، نتفهم ويتفهم كثرٌ طبيعتها الخاصة، تكبِّل هؤلاء عن المضي قُدماً وتصعيد مظاهر الرفض والاحتجاج العلني حد الانشقاق والخروج من صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين.
كل ذلك يحدث، ويحدث ما هو أكثر، في كواليس الصراعات البينية الناشبة الآن، في بيت الحوثيين المسكون بعفاريت مصالح وثارات ومنازعات، لن تدوم لوقت طويل طي الجدران، وسوف تصل وتخرج إلى العلن.

… يتبع.
*عن موقع الساحل الغربي

عناوين ذات صلة: