كلمة عن علي عبدالله صالح وانتفاضة ديسمبر

  

أروى أحمد الخطابي

د. أروى الخطابي تكتب: كلمة عن علي عبدالله صالح وانتفاضة ديسمبر


قرأت للتو مقالاً بديعاً للأستاذ عادل الأحمدي عن علي عبدالله صالح وعن الحروب ضد الحوثي. المقال أعتبره شخصياً وثيقة تاريخية. وتجربة علي عبدالله صالح بكل محمولاتها تحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث والتوثيق، هذا ما قلته يوم الأحد الماضي في حفل تأبين علي عبدالله صالح في برلين. وقلت يجب فعلا جمع الوثائق ودراستها وتحليلها ووضعها في سياقها.

“علي عبدالله صالح واحد منا”، هكذا قال عادل الأحمدي في مقاله، وهكذا قلت في كلمتي في برلين وهكذا قال نصر طه مصطفى في كتابه، علي عبدالله صالح ابن الأرض. ابن الفلاح اليمني الكادح.

له أخطاء، ما في ذلك شك أو ريب، ومَن مِن الناس لا يخطئ. أخطاؤه كبيرة، طبيعي، لأن مسؤوليته كبيرة فمن يحتل قمة الهرم السياسي في بلد كاليمن فلا بد أن تكون له أخطاء.

إن استعراضاً سريعاً لتاريخ اليمن المعاصر وقراءة أمينة للخريطة السياسية اليمنية يجد الإنسان نفسه في أخاديد عميقة من المشاكل السياسية والاقتصادية والعسكرية.

بلد حكم من قبل العثمانيين منذ 1871 الى 1918 شهد عهدهم حروبا لا تنتهي وخرجوا بعد هزيمة منكرة في الحرب العالمية الأولى تاركين وراءهم إماماً كهنوتياً متخلفاً جاهلاً أمياً بأصول الحضارة، أمعن في إفقار اليمنيين، انتزع من أيديهم أطفالهم تحت مسمى الرهائن، أرسل إليهم عسكره ليسلبوهم آخر حزمة علف وآخر بيضة وآخر تنكة تبن.

بالمقابل لم يبن الإمام مدرسةً أو يشق طريقاً أو يعمر مشفى واحداً بل خرب ما كان عمره الأتراك في صنعاء، وعمر “دار السعادة”!

حكم الإمام يحيى من 1918 الى 1948 منفرداً وحده لا شريك له حتى قتل على يد الثوار. لم تنجح الثورة وجاء أحمد ويا جناه، المرعب الباهوت، والذي استباح صنعاء وقتل الثوار وحكم بالنار والحديد من 1948 الى 1962 ولم يستكن الشعب حتى قتل وجاء ابنه في 1962 لم يبق سوى أسبوع وقامت ثورة 26 سبتمبر الخالدة المجيده العظيمة.

جاءت ثورة 26 سبتمبر واليمنيون في فقر مدقع وجهل فظيع وتخلف مريع. كل اليمنيين حرموا من التعليم وكلهم يعاني سوء التغذية وكلهم وضعهم مأساوي إلا من بعض العائلات الثرية. علي صالح ولد في هذا الجو من الحرمان. لم يختر أن يكون أمياً. فرضت عليه الأمية كما فرضت على الجميع. تربى في هذا الوضع شديد الحرمان. لم يتعلم مثل البقية وعندما تيسرت الفرصة التحق بالجيش. لا أحد يعرف إلى الآن كيف انخرط في الجيش ولا كيف كان مستواه ولا تدريبه. وصل بعد السبعينات إلى منصب قائد لواء تعز، وفي 1978 وصل الى سدة الحكم.

كلام كثير قيل ويقال عنه ولكن إلى الآن لا دليل تاريخي موثوق مطلقا يؤكد أنه اشترك في قتل الرئيس السابق الحمدي ومعظم ما قيل جاء في إطار المكايدات السياسية بل إن ما هو مؤكد هو ما ورد في مذاكرات عبدالله بن حسين الأحمر.

عموما، اعتلى علي صالح سدة الحكم شاباً صغيراً حاد الذكاء نشيطاً حركياً واسع الهمة ممتد العلاقات مع القبائل. اعتلى الحكم في فترة حرجة من تاريخ اليمن قُتل فيها ثلاثة رؤساء ونُفي رئيسان ورفض القاضي عبدالكريم العرشي تولي الحكم.

لم يكن سهلاً على شاب ريفي وعسكري متواضع التعليم أن يحكم في وضع سياسي واقتصادي هش في ظل وجود مراكز قوى متعددة الرؤوس عليه أن يجد طريقه لكي يوازن تلك القوى ما لم فإن مصيره هو مصير سابقيه.

كان علي صالح يدرك أنه لن يحكم إلا بدعم جهتين جهة داخلية وأخرى خارجية، أما الداخلية فهم المشايخ وعلى رأسهم مشائخ بيت الأحمر. أما الجهة الخارجية فهي السعودية. في نفس الوقت عليه أن يتعامل مع الجنوب والحزب الاشتراكي بطريقة ترضي حلفاءه في الداخل والخارج.

أكثر من 18 عاما من اللعب على التوازنات السياسية والاقتصادية حتى جاءت الوحدة في 1990 وهنا فصل آخر من الصراع لا يسعني الاستفاضة في الحديث عنه هنا. في هذا الصراع وما رافقه من حرب في الجنوب في 1994 تنامت القوى المتطرفة وفتحت اليمن على مصرعيها لمن هب ودب باسم الديمقراطية والحرية والحزبية. تأسست مئات الأحزاب والجمعيات والجماعات والمنظمات.. مئات الصحف وفيما بعد المواقع الالكترونية. ومواكبة لذلك الانتخابات المختلفة النيابية والرئاسية والمجالس المحلية. تجربة كانت غير مكتملة ولكنها تجربة لأول مرة ليس في اليمن فحسب ولكن في العالم العربي كله.

كان الصحفيون والكتاب والمؤلفون يكتبون دون أن يشعر أحد منهم بالخوف. كانت المقايل والمحافل والمجالس تعج بالحديث السياسي دون أن يخشى أحد على نفسه. صحيح أن شعار علي صالح يقول دعهم يقولوا ما يريدون وأفعل ما أريد، ولكن هذا لا يقلل مطلقا من أهمية جو الحرية والأمان في قول ما يريده الناس.

عموما، الجانب الأشد سوءاً لحكم صالح هو ترك التعليم للجماعات المتطرفة والتى فيما بعد هدمت الدولة برمتها. فانتشار الاخوان في مفاصل المؤسسة التعليمية فتح اليمن على مصرعيها ليس فقط للجماعات الإرهابية ولكن أيضا من الجماعات الدينية المنافسة فظهر السلفيون وظهر أيضا الشباب المؤمن الحوثي كما ظهرت القاعدة. وكما أحكم السلفيون سيطرتهم على مناطق في دماج وفتحت البلاد لمن يريد، كانت جامعة الإيمان تستقبل الإرهابيين من مختلف دول العالم، ظهر الحوثيون في نفس المرحلة بدعم ومساندة من إيران ومن العراقيين الذين وصلوا اليمن بعد حرب الخليج الثانية.

من هنا يبدأ الفصل الأخير للجمهورية الأولى في اليمن ويبدأ العد التنازلي. تأسيس الشباب المؤمن كان الذراع الأقوى لقصم ظهر اليمن وبدأت حروب اليمن الداخلية منذ 2004 ولم نصل الى 2011 حتى أصبحت اليمن دوليا وعالميا، دولة فاشلة.

هل علي صالح وحده المسؤول؟ يجب البحث في الوثائق بكل جد.

عناوين ذات صلة: