نالت جائزة أفضل صوت في العالم: أغنية اقله إيه شعرية النص وتآلف اللحن

نالت جائزة أفضل صوت في العالم: أغنية اقله إيه شعرية النص وتآلف اللحن
الفنان الكبير الراحل أبو بكر سالم - اقوله إيه (يوتيوب)

خالد لحمدي يكتب عن أغنية أقله إيه التي حاز على إثرها أبو بكر سالم جائزة أفضل صوت في العالم.. شعرية النص وتآلف اللحن


ثمّة قصائد وألحان قام بتأليفها الشاعر والملّحن العظيم حسين أبوبكر المحضار وشدا بها العبقري أبوبكر سالم بلفقيه وأبدع فيها وتميّز بها عن غيره من المطربين الآخرين، حيث كان الوحيد بينهم بل المتألق بهذه الأغنيات لما يملك من قدرات عالية كصوت وإحساس عال بالكلمة واللحن، فيعطي الأغنية جل مشاعره وأحاسيسه بصدق وروعة عاليين كهذه الأغاني المحضارية التي اشتهرت بصوته واشتهر بها منذ زمن قريب بعيد..

باشل حبك معي، يا رسولي، يا زارعين العنب، إلى طيبه، و..أقله ايه.. هذه الأغنية العذبة ذات القيمة الجمالية السامية في العشق والإخلاص في الحب والوفاء للمعشوق، وإن كان قاسيا قلبه لا يعير من يحبه أي اهتمام.

وكم هو إحساس رائع حين يتساءل المحضار بفجاعة وتألم لقسوة قلب من أحبّه، الذي وصل به الحد من القسوة في أنّه لا يرغب حتى في سماع صوته وأحاديثه والتخاطب معه وعدم رؤيته أو حتى النظر إليه.

أي محبوب هذا الذي وصل به الغرور والكبرياء إلى هذه الدرجة من التعالي واللا مبالاة..؟

أقوله إيه لو قال مالي نفس تهواك
مالي أذن تسمعك مالي عين تتمنى تراك
أقوله إيه لو قال ما حبـّك ولا باك
ما نفرح بقربك ولا بالريح لاهب من حماك
أقوله حبني بالغصب .. لالا
أثور أعلن عليه الحرب .. لالا
أقوله إيه ما حيلتي الا أسامح وأصبر
خاف عاده يرد عقله عليه
أقوله ايه

لقد أثبت الشاعر هنا أن الحب سمو ورقي لا يضاهيه شيء، فالعاشق حين يهوى بكل قواه وكيانه وانفعالاته وأحاسيسه لا يميز شيئاً ولا يرى في حبيبه إلاّ كل جميل وحسن، وإن كان لا يعامله مثلما هو يرغب ويتعامل معه.. ولأن الحب عادة يأتي بالرضا لا بالشدّة والقوة، ومهما يكن قلب ذلك المعشوق صلباً وجماداً إلا أنه يرى فيه ما لا يراه الآخرون، فيسامح ويغفر ويصبر إلى أن يترك غيّه ويعود إلى رشده وتلك عادة العُشّاق المعذبين الصادقين.

ويدهشنا حين يعود متسائلاً: لماذا يعامله حبيبه بهذا التعنّد والكبرياء؟ وكم هو مدهش حين يقبل كل ما صدر من ذلك المحبوب أكان خيرا أو شرا، حياة أو موتا كل ذلك لا يفرق معه شيئاً ولا يغيّر نظرته لذلك الحبيب المتعالي ، بل يزيده قوة وإيماناً وصبراً.

ترى ذا تيه من صاحبي والا تهنتاك
يعاملنا بلاذ نب يتحكم علي مثل الملاك
وكل ما كان مقبول منه ورد وأشواك
منه خير أو شــر منه عافية والا هــلاك
علي بعد ذا شيء ذنب .. لالا
قصر عزمي وفات الركب .. لالا
طريق التيه ما حيلتي مدري بخلي
إذا نا ماسلكته يبي يسلكه ليه
أقله ايه

ويتساءل أيضاً بتوجّس ودهشة حين يرى من يحبه يذهب عنه بعيدا وتأخذه المطامع وكثرة الإغراءات التي تحاول أن تستميله تجاهها، وهو لا يدري أن كل تلك أوهام ووقيعة به قد تأخذه ويلقى حتفه ولا يعود ثانية، وتلك عادة الواشين الذين لا يهدؤون إلا في تفريق القلوب العاشقة، ويستميتون حقداً ورغبة في أخذ وانتزاع أشياء لم تكن من حقوقهم وليس لهم فيها شيئ.

فهل بعد كل ذلك أن يجاري حبيبه ويتعامل معه مثل الآخرين بكذب وافتراء وزيف وخداع..؟ تلك ليس صفاته، ومن يحب لا يكذب أبداً.. فالصدق من طبائع القلوب البيضاء الوالهة وهو بلا شك سيوصله إلى مبتغاه وإن طال الدرب وامتد طويلاً.

أسوّي ايه لو شفت ذا يغريه أو ذاك
ذا يطرح له الشمس في كفيه وذا نجم السماك
ينصبو له كما الوعل في الوديان لشباك
هذا من هنا قيم يتحيل وهذا من هناك
أعامل مثلهم بالنصب .. لالا
واغريه بالكلام الكذب ..لالا
اسوّي ايه ما حيلتي إلا أصارح وأصـدق
خـاف بالصدق أتوصـل إليه
أقله ايه

تلك عادات المنافقين وذوي الحسد والبغضاء حين تمتلىء قلوبهم كرهاً وبغضاً، فيستميتوا في إشعال الفتن والحرائق حين يرون عاشقين متحابين، ذلك لا يفرحهم بل يشعل في قلوبهم نيران الغيرة التي لا تنطفئ.

تريده ليه قالــوا لي العذال ذولاك
قالوا ليه تبقى معه دايم وهـو ما هو معاك
تريده ليه فك منك الغدار والفاك
با تلقى مثيله وهو ما بايلاقي حد كماك
نصدقهم ونعصي القلب .. لالا
ونمشي فوق هذا الدرب .. لالا
وذلاّ ايه ماحيلتي إلا اطالب بقلبي
لأن قلبي مكانـه فـي يديـه
أقله ايه

لا أعتقد أننا سنستمع يوماً لمثل هذه الكلمات والوصف البليغ والقوة في اللفظ والمفردات..! لذلك أتساءل بحب ودهشة: كيف ستكون حياتنا إذ لم يظهر بيننا شاعر مثل المحضار..؟ كيف سنغني للحب ونعرف لذته الذي أخذنا المحضار إليه بعذوبة وارتقاء..؟ وقد ألهب عواطفنا وأشعل فينا جذوة الحب صوت الفنان أبوبكر سالم بلفقيه حين غنّى هذه الأغنية الخالدة.

فقد أسمعنا مالم نسمعه من قبل..ّ هاجمنا بدفء ورقة وتسلّل صوته إلى أرواحنا دون شعور منّا، فحاصرنا بسيل من الأسئلة الحيرى. فلم نسمع قبل ذلك بشاعر يتألم ويشكو حبيبه مع اعترافه بأن الحب لا يأتي بالعنف والقوة بل بالرضا والمهاودة:

أقله حبني بالغصب .. لالا
أثور أعلن عليه الحرب .. لالا

لا أعرف لماذا تشعرني هذه الأغنية حين أسمعها وكأن المحضار وبلفقيه عاشا تجربة واحدة.. كأن بلفقيه كان حاضراً مع المحضار يعيش اللحظة التي ولدت خلالها هذه الأغنية. فعندما أسمعه يغني يقف الكون عن حركته ودورانه.

يقف العُشّاق صفاً واحداً وهم صامتون لا يتكلمون.
يعانق الريح الأشجار ويحتضنها برعشة ولهفة.

ذلك ليس سهلاً الانغماس داخل الروح وتبيان المعاني الدافئة بداخلها، ذلك يقتل الأشياء التي نحبّها ونعشقها. حيث إن أرواحنا ودواخلنا تذوب وتنصهر لحظة الإحساس بالكلمة الرائعة والنغمة الجميلة المتآلفة والمكتملة. فهذه الكلمات وهذا اللحن يكسر الأحزان والمآسي التي تعترضنا كل يوم، يحرّك فينا أنبل المعاني، ويخترق شغاف القلب ويشعرنا بالسمو، ويحاصرنا بكل الألوان الرائعة، فنبقى نحلم بالحب ومتاهاته، بالآتي كنهر من الرومانسية والحب والفرح.. بمتعة لا تضاهى تزرع البهجة والنور فينا وبها نعلو ونرتقي.

رابط الأغنية:

– مجلة “المكلا” 2018

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية