قبائل العواذل في اليمن والموت الأحمر

قبائل العواذل في اليمن والموت الأحمر
قبائل العواذل في أبين جنوبي اليمن (أرشيف)

بلال الطيب يقتفي تاريخ قبائل العواذل في اليمن والموت الأحمر


بعد معارك شرسة استمرت لأكثر من ثلاثة أسابع، تمكن الأمير عبدالله بن أحمد الوزير من دخول مدينة البيضاء 5 نوفمبر 1923م، ولولا مُشاركة قبيلة مُراد تحت قيادة الشيخ ناصر بن مسعد القردعي (والد البطل الثائر علي القردعي) في تلك الحرب، مُساندين لحليفهم السلطان حسين أحمد الرصاص في حربه الثأرية؛ ما انتصر الإماميون، وما رفع الشيخ علي عبدالرب الحميقاني مُؤقتًا راية الاستسلام، وتأكيدًا لما ذهبنا إليه، خاطب الأخير ابن الوزير قائلًا:

قال الحميقاني صليب الراس
وقرن راسي من حديدي

لولا المُرادي ذي له الغلاس
ما كان قلت لك سيدي

كان القاضي الشاعر أحمد بن محمد الحضراني (والد الشاعر والمناضل إبراهيم الحضراني) من مُرافقي الأمير عبدالله الوزير في تلك الحملة، وقد وثقت أشعاره لأحداث مُهمة غفل عنها كثير من المُؤرخين، وسنستعين ببعضها أثناء تناولنا للأحداث الآتي ذكرها، وقد حدثت حينها بينه وبين السلطان حسين الرصاص مُساجلة شعرية، وحين قال الأخير:
حيا بكم يا ذي وجدتوا عندنا
يملأ لوجده واندهف هوش الحيود

ما اقول ذا شرعي ولا ذا شرعكم
ما الشافعي مع صف الزيود

رد عليه:
الله يحيي كل من حيا بنا
ما السيل يتوطأ على رأس الحيود

جيش الإمام الهاشمي حولنا
لو قال نودي بالشوامخ باتنود
صارت البيضاء جزءًا من لواء ذمار الكبير، وقد أخذ أمير ذلك اللواء عبدالله الوزير من الشيخ علي الحميقاني ومن المشايخ الذين ساندوه رهائن الطاعة، ثم جدد العزم على التوجه جنوبًا، وكانت بلاد آل عزان، والعواذل وجهته التالية، وجاء في رسالته التي بعثها للإمام يحيى، والمُؤرخة ب 25 جمادى الأولى 1342ه (2 يناير 1924م) تفاصيل تلك الحملة.
مذوقين أولًا
فور دخوله مدينة البيضاء، عزم الأمير عبدالله بن أحمد الوزير – كما جاء في رسالته للإمام يحيى – على توجيه قوات إمامية لإخضاع بلاد آل عزان، الواقعة جنوب شرق ذات المدينة؛ وذلك بعد أنْ رفض غالبية سكانها الدخول في طاعته، وبعد أنْ استعدوا بمُعاضدة من قبيلة العواذل المُجاورة للهجوم عليه، وإلى منطقة المسحرة أرسل بقريبه محمد بن علي الوزير ومعه مدفع وعدد من المُقاتلين، وعن نتيجة هذه المعركة قال ابن الوزير: «وقد اجتمع المُفسدون من آل عزان جميعًا إلى هنالك، نحو ألف وخمسمائة، فخذلوا، ونصر الله المُجاهدين نصرًا عظيمًا، وأخذوا نحو عشرة محلات في نحو ثلاث ساعات».

وإلى مَذوقين من دبان، وهي منطقة فاصلة بين آل عزان والعواذل العليا (الظاهر)، أرسل الأمير عبدالله الوزير في ذات الوقت بقوات إمامية تحت قيادة النقيب قايد بن راجح، وسليمان أفندي، والسلطان حسين الرصاص، ثم عززها بقوات أخرى تحت قيادة النقيب عبدالله بن سعيد الجبري، والنقيب صالح بن ناجي الرويشان، وعامل السوادية الشيخ أحمد قايد الجبري.

كان أبناء قبيلة العواذل (العواذل اليوم تنقسم إلى مديريتين: مُكيراس، ولودر) قد استعدوا للمُواجهة، وحشدوا – كما جاء في تلك الرسالة – نحو 2,000 مُقاتل، واستولوا على منطقة دبان، إلا أنَّهم تعرضوا لهزيمة ماحقة، وعن ذلك قال ابن الوزير: «ولم يبقى بعد ذلك غبار للعواذل، وتشتت شملهم من وقته، وباكروا في اليوم الثاني بالوساطة والكتب في طلب الأمان والصلاح وبذل الطاعة، وتعقب ذلك وصول السلاطين آل القاسم علي جميعًا، وتبعتهم مشايخ الظاهر، وتمت طاعتهم، وسلموا الرهائن المُختارة من مشايخ البلاد».

وعلى ذكر سلاطين آل قاسم بن علي بن حسين، وجب التذكير أنَّ حُكم السلطنة العوذلية آل لهؤلاء بعد أنْ انقلبوا على قريبهم السلطان منصور بن ديان، المُؤسس الفعلي لتلك السلطنة، وهم: جعبل، وأحمد، وصالح بن قاسم، ومن قصدهم الأمير عبدالله الوزير في رسالته هم أبناء هُؤلاء، وقيل أنَّ نسبهم يتصل بالسلطان الطاهري عامر بن عبدالوهاب.

اختار آل قاسم الشيخ أحمد بن صالح بن قاسم سُلطانًا عليهم، وقد كانت نهاية هذا السلطان قتيلًا على يد ابن عمه قاسم بن أحمد، الذي تولى الحكم من بعده، راسل الأخير الإنجليز طالبًا صداقتهم وحمايتهم 1906م، ووقع مع مقيمهم السياسي السير جيمس أ.بل مُعاهدة مُتصلة 19 سبتمبر 1914م، وحصل منهم على راتب شهري قدره 80 روبية؛ ودخل بسبب ذلك في صراع مع محمد وحسين ابني عمه جعبل، ودارت بينهم حروب وخطوب، ولقي مصرعه على يد الأخير، وذلك بعد انسحاب القوات الإمامية من العواذل كما سيأتي.

اجتاحت القوات الإمامية العواذل العليا (الظاهر) أثناء ذلك الصراع؛ وما ذكر مُفردة (سلاطين آل قاسم) في الأدبيات الإمامية التي وثقت لأحداث تلك الفترة إلا دليل على ذلك، واحتمال كبير أنَّ الأخوين محمد وحسين بن جعبل اشتركا في حكم السلطنة، ومن مفارقات القدر أن نهاية الأخير كانت قتيلًا، وذلك على يد مجموعة من أبناء المناطق الشمالية 1936م.
ولكي تتضح الصورة أكثر، وجب التذكير أنَّ أمر السلطنة كان – كما أفاد المُؤرخ نجيب أبو عز الدين – قد آل قبل تلك الحادثة بسبع سنوات للسلطان صالح بن حسين بن جعبل ذو السبع سنوات 1929م، فيما عُين عمه محمد بن جعبل وصيًا عليه، وللأخير ذكر في الأحداث الآتي ذكرها، بوصفه الاسم الأكثر حضورًا خلال تلك الحقبة.

وتأكيدًا لما سبق، أفاد عدد من المُؤرخين أنَّ القوات الإمامية تجاوزت مُكيراس، وعريب من العواذل العليا (الظاهر)، وصولًا إلى سفوح جبال الكور من العواذل السفلى (الكور)، وتجاوزت في الجهة الأخرى ردفان وصولًا إلى إمارة العلوي، والأميري، والمسبعي، وعن خُلاصة الجزئية الأولى قال عبدالله الوزير في رسالته: «وبذلك تم صلاح جميع بني أرض، والعواذل، وصلحت الآن جميع الأمور، واستقرت الأحوال».

كما كانت للقوات الإمامية حينها مُحاولة يتيمة لاحتلال يافع السفلى من جهة العواذل، وقد تصدى لها – كما أفاد المُؤرخ عبدالله الناخبي – آل الكسادي بِمُعاضدة من بني عصر، واستمرت تلك المعركة طوال الليل، ولم تشرق شمس اليوم التالي إلا والنجدات اليافعية تتابع من آل ذي ناخب، وآل يزيد، وآل سعد، وكلد، واليهري، وانتهت تلك المعركة بهزيمة الإماميين، ليغادروا المنطقة بعد أنْ تركوا ورائهم عددًا من القتلى والجرحى والأسرى، وكميات كبيرة من العتاد والأسلحة.

انتفاضة شرجان
لم يستقر لقوات الإمام يحيى في العواذل العليا (الظاهر) وما جاورها من مناطق قرار، ففي مطلع عام 1924م ثار أهل منطقة شرجان على الحامية الإمامية المُتمركزة هناك، وهذه المنطقة تقع شرق منطقة مُكيراس، وكانت الحصيلة 33 قتيلًا، هم إجمالي عساكر تلك الحامية؛ والسبب – كما أفاد المُؤرخ محمد زبارة – نقل رهائن القبيلة من مدينة البيضاء إلى ناحية السوادية، وتوارد الأخبار بأنَّ نقلهم كان إلى سجون شهارة.

لم يُرسل الأمير عبدالله الوزير بعساكر إمامية لإخماد ذلك التمرد؛ بل أرسل بمجاميع قبلية من البيضاء المُجاورة 12 يناير 1924م، وعلى دفعتين: 200 مُقاتل تحت قيادة السلطان حسين الرصاص، و200 مُقاتل تحت قيادة الشيخ علي الحميقاني، وعزز الأخير ب 14 جندي نظامي، وإكمالًا للمشهد قال المُؤرخ زبارة: «وكانت بينهم وبين البغاة معارك انجلت عن قتل كثير من البغاة، واستيلاء الأجناد الإمامية على كثير من قراهم وأموالهم، وعلى جميع بلادهم، والإحراق لخمسة وثلاثين محلًا من محلاتهم.. بعد أنْ كانوا قد تجمعوا ألوفًا مُؤلفة».

وهكذا اتحد السلطان حسين الرصاص وعمه (والد زوجته) الشيخ علي الحميقاني لمُحاربة قبيلة مجاورة لهم، تشاركهم المُعاناة والمصير، وتسببا في خلق حرب ثأرية لم يتعافى هما – حتى تلك اللحظة – من أثارها، وكان المُستفيد الأكبر من كل ذلك دولة الإمامة الكهنوتية، التي لم تحكم وتتحكم وتتوسع على مدى تاريخها إلا بخلق وتوسيع الخلافات بين اليمنيين، وديدنها بذلك ديدن كل المُحتلين على مر العصور.

وما يجدر ذكره أنَّ الإماميين استفادوا حينها من خلافٍ سابق حدث بين سلاطين الرصاص وسلاطين العواذل، يعود تاريخه إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث سيطر السلطان الرصاص بدعم عثماني على العواذل العليا (الظاهر)، وأجبر – كما أفاد المُؤرخ محمود السالمي – السلطان منصور بن ديان على النزوح جنوبًا، ولم يمض من الوقت الكثير حتى كانت للسلطان الرصاص مُحاولة أخرى للسيطرة على العواذل السفلى (الكور)، إلا أنَّ جبال الكور العالية حالت دون توسعاته.

وقبل أنْ أختم هذه الجزئية، وجب التذكير أنَّ السلطان حسين الرصاص، والشيخ علي الحميقاني لم يستمرا على ولائهما لدولة الإمامة الزيدية المُتوكلية؛ بل قاما بعدة انتفاضات تحررية، كلفت الإماميين الكثير، وتعرضا بسببها للحبس والتشريد.

اقرأ أيضاً على نشوان نيوز: المرأة الهمدانية التي هزمت الطاغية

انتفاضة عريب
أبناء قبيلة العواذل العليا (الظاهر) هم الآخرون لم يذعنوا لحكم الإمام يحيى، فيما لم يتوسع مُؤرخو الإمامة في ذكر انتفاضاتهم التحررية، واكتفى المُؤرخ زبارة في ذكر انتفاضة أهل شرجان (سبق أنْ نقلنا تفاصيلها)، ثم أتبع ذلك بذكر انتفاضة أهل عريب، وهي الانتفاضة التي حدثت نهاية ذات العام (ديسمبر 1924م)، وذلك بعد مُرور خمسة أشهر من مُغادرة الأمير عبدالله الوزير البيضاء، وتعيين عبدالله بن عبدالله إسحاق عاملًا على ذلك القضاء.

بتكليف من عامل قضاء البيضاء عبدالله إسحاق، توجه – كما أفاد المُؤرخ زبارة – عدد من العساكر لإحضار ابن أحمد صالح جعيل، ولم يحدد ذات المؤرخ هوية ذلك الشخص، وهل هو من سلاطين آل قاسم بن علي، أم من مشايخ الظاهر (العواذل العليا)، والاحتمال الأخير هو الأرجح، خاصة وأنَّ أهل أحمد بن صالح هذا، سكنوا – كما أفاد المُؤرخ حمزة لقمان – في منطقة عريب، والأخيرة تقع شمال السلطنة العوذلية، وجنوب شرق منطقة مُكيراس.

وقد كان مصير بعض أولئك العساكر القتل على يد أبناء تلك المنطقة، فيما التجأ من نجا منهم إلى بيوت الرماح، فدارت الحرب هناك، وكانت الحصيلة كما أفاد المُؤرخ زبارة 15 قتيلًا، و14 جريحًا من القوات الإمامية، و30 قتيلًا من أهل عريب.

دفعت تلك الحادثة القاضي الشاعر أحمد الحضراني للاستنجاد بالإمام يحيى، وأرسل له بقصيدة شعرية طويلة، حفزه من خلالها، وحفز أنصار الإمامة بشكل عام على نُصرة العامل عبدالله إسحاق، وحذرهم جميعًا من التساهل مع قبائل العواذل، وغيرهم، ومن تلك القصيدة نقتطف:
كأني بفخر الآل خير غضنفر
على خده يا سيد العرب يلطم

يقول أما منكم ملب لغارة
يغص بها كور البغاة ويكظم

وشنوا على القوم اللئام بغارة
فهل منكم جيش خميس عرمرم

يدك بها شرجان من بعد عريب
ويجلي مكيراس وكور ويهدم

فإن يك منكم غارة فوشيكة
وإن يك صرمًا ما لها الصيد تحكم

رويدكم البيضاء لا تتركونها
ولا تحزنوها اليوم فالأمر أعظم

وبيضاء وكم لا تنشبن مخالب ال
عواذل منها فاسمعوا القول وافهموا

بني هاشم ما أقبح السلم والدنى
أخوكم عُبيد الله بالشرق يهضم

إذا ما تركتموه فريسة آكل
فلا خير في الدنيا ولا خير فيكم

توالى بعد ذلك إرسال الإمدادات الإمامية إلى تلك الجهة، واستمرت المُواجهات بين الجانبين مدة، وقد تولى القاضي أحمد الحضراني قيادة إحدى المجاميع، وحدثت أثناء تلك المُواجهات – كما أفاد المؤرخ علي محمد عبده – مُساجلة شعرية بينه وبين السلطان أحمد بن جعبل العوذلي، وهذا الأخير لم أجد اسمه ضمن قائمة سلاطين آل القاسم، والمقصود – كما أعتقد – السلطان محمد بن جعبل بن قاسم، أخ السلطان حسين بن جعبل، والوصي فيما بعد – وكما سبق أنْ ذكرنا – على السلطان الصغير صالح بن حسين بن جعبل، ويؤكد ذلك ذكر اسمه في إحدى قصائد الشاعر الحضراني الآتي نقلها.

وبالعودة إلى المساجلة الشعرية، فقد قال الشاعر أحمد الحضراني حينها:
يالكور لا تشمخ علينا
لا بد ما تندي الرهينة
والعوذلي كما تشرد
هذي السنة ثاني سنينه
فما كان من السلطان محمد بن جعبل إلا أنْ رد عليه قائلًا:
يالقاضي أحمد بن محمد
الكور ما يندي رهينة

ما عنده إلا الموت الأحمر
والبندري تسمع رطينة

الاستعانة بالإنجليز
بعد أنْ أحكمت سيطرتها على العواذل العليا (الظاهر)، تقدمت القوات الإمامية عبر المُرتفعات الشرقية جنوبًا صوب العواذل السفلى (الكور)، وما أنْ تجاوزت منطقة دمامة، حتى قامت – كما أفاد المُؤرخ لبيد الجابري – بإشعال النيران في عددٍ من المواقع المحيطة؛ الأمر الذي أثار الرعب في نفوس أبناء قبائل العوذل، وظنت أنَّها تواجه قوة جبارة، وتخلت تبعًا لذلك عن خيار المقاومة، والتجأ سلطانها قاسم بن أحمد إلى قبائل آل جعرة في دثينة، واستقر في قرية الخشي تحديدًا.

اقرأ أيضاً: الأميرة نور العفيف – ثائرة من يافع

واصلت القوات الإمامية بعد ذلك تقدمها، وسيطرت على مدينة زارة العاصمة الإدارية للسلطنة العوذلية، والواقعة شمال غرب مدينة لودر، فيما صمد السلطان محمد بن جعبل فيها لبعض الوقت، وتوجه بعد هزيمته صوب دثينة (مودية)، ثم عدن مُستنجدًا بالإنجليز، وإليه أرسل الشاعر الإمامي أحمد الحضراني بقصيدة شعرية مُتشفيًا، جاء فيها:
يوم الربوع قال ابن حضران
طليت الأخشام الزبينة

بقدم غيلاني وخولان
أهل التراتيب الزكينة

وانا عمود الجيش لابان
تلحق وراي كم من قرينة

قادم على كوري وسلطان
وارض العوالق لا دثينة

جاهم ظهر والرعد حنان
كل ذي يسمع حنينه

سقوا بسيلة لا بدبان
بالبندري شغل المكينة

قد قلت يا سلطان محمد
الكور ما يندي رهينة

واليوم بأيدينا مطاوع
ومن عصانا با نهينه

هذا صدر من حصن زارة
ذي شامخة فوق المدينة

خذناه يا سلطان عليكم
تحجر لنا كم من حسينه

تعاضد أبناء قبائل العواذل، ودثينة، وآل فضل على مقاومة الزحف الإمامي، وبما أنَّ الشيء بالشيء يُذكر؛ فثمة جُزئية مهمة ومَنسية من تاريخ أبناء تلك القبائل النضالي، وحين قادت آل فضل قبل 264 عامًا تمردًا عاصفًا ضد الدولة القاسمية 1071ه / 1661م، بقيادة الشيخ حيدرة بن فضل الفضلي، وذلك بعد مرور خمس سنوات من سيطرة قوات المُتوكل إسماعيل بن القاسم عليها، ساندتها العواذل بقيادة الشيخ علي الهيثمي، إلا أنَّ هذا الساند سريعًا ما خارت قواه، ورفع راية استسلامه، وحبس في سجن كوكبان.

وفي الجانب الآخر صمد الشيخ حيدرة الفضلي لعدة أشهر؛ الأمر الذي جعل الأمير أحمد بن الحسن يتوجه بقوات كثيرة إلى تلك الجهة 16 أبريل 1661م، وهي الحملة التي تفرَّد المُؤرخ الإمامي أحمد حنش بذكر تفاصيلها، وقال إنَّ الشيخ الفضلي تحصن في إحدى الجبال المنيعة، وأضاف مُتحدثًا عن بطولة ذلك الثائر: «وكان – أي الفضلي – يتغزَّى ليلًا، ويتخفى نَهارًا في مَواضع من الجبل، وكان يتخطف ما طَفَّ، ومن وجد للنهب والقتل كذلك، وكان في زمان شدة.. فاستعمل الجند الصبر والإبلاء الحسن، مع قلة الماء، وعدم معرفتهم بمواضعه، فكان قد تلف منهم من تلف..».

وبعد حَديثه عن كرامات سيده الأمير، والمُتمثلة بنزول المطر بغير أوانه! أكمل المُؤرخ حنش ذلك المشهد بقوله إنَّ القوات الإمامية اقتحمت بعد جهد جهيد ذرى ذلك الجبل العتيد، واستولت على موضعه المسمى (الحريبين)، وأضاف مُشنعًا على بطل تلك المُقاومة: «ثم أنَّه – يقصد الشيخ الفضلي – هرب، وترك حشمه وجميع رعيته، قبحه الله، فواجهوا رعاياه، ولم يبق إلا هو هاربًا طريدًا في جَماعة من أصحابه، وبلغ من خبره أنَّه دخل بلاد العوالق، وقيل أنَّ العمودي – يقصد شيخ وادي دوعن عبدالله العمودي – قبضه بعد ذلك.. هذا إلى ثاني عشر شهر شوال سنة إحدى وسبعين وألف».

ثم ناقض المُؤرخ حنش نفسه، وقال أنَّ شيخ العوالق هو من سَلَّم الشيخ الفضلي للأمير أحمد بن الحسن المُرابط حينها في منطقة دثينة (مودية)، وذلك بعد أنَّ كان رفض رجلٌ يُقال له الهبَّاع ذلك، لافتًا أنَّ الشيخ الأسير احتال على آسريه، وتوجه إلى عدن، وهناك تم القبض عليه مرة أخرى، وأكمل ذات المُؤرخ ذلك المشهد بقوله: «وفي آخر يوم عرفه وصل جعفر المذكور – يقصد جعفر بن عبدالله الكثيري أحد ثوار حضرموت – والفضلي أسارى إلى صنعاء.. فأما جعفر فمطلق وراكب على فرسه، ومعه من أصحابه قياس من عشرة أنفار، وأما الفضلي فتحت الحفظ والإهانة، واتفق جمع كبير، ورسم – أي حُبس – به فيما بين البابين في القصر، والعين عليه».

أغفل المُؤرخ حنش ذكر مصير الشيخ حيدرة الفضلي، وهل تم الإفراج عنه أم لقي حتفه في سجون الإمامة؟ في حين أورد اسم صديقه الشيخ علي الهيثمي ضمن حَوادث مُتصلة، وقال أنَّ الأخير سيطر بالحيلة ولبعض الوقت على حصن دثينة يونيو 1668م، وقتل خمسة عساكر مع قائدهم، وأنَّ الدائرة دارت بعد ذلك عليه، ولقي مصرعه على يد بعض العساكر المُختبئين في أحد مدافن الحبوب، وذلك بعد أن التقوه فجأة وجهًا لوجه، وهو على غير أهبة، وبلا سلاح. وكان الشيخ علي الهيثمي قد مَكث في سجن كوكبان لأكثر من سبع سنوات، وقام – كما أفاد المُؤرخ عبدالله الحبشي – بتمرده ذاك بعد الإفراج عنه بمدة.

في حين أورد المُؤرخ يحيى بن الحسين رواية متصلة ومُختلفة، ليس فيها ذكر للشيخ الهيثمي ولا لحادثة مقتله، حيث قال أنَّ الأمير الحسين بن الحسن أرسل من رداع بقوات محدودة، وأنَّ تلك القوات أجبرت الثوار على مغادرة الحصن، وتمكنت من قتل أحدهم، وقد يكون هذا الواحد هو الشيخ الهيثمي نفسه.

وبالعودة إلى موضوعنا، فقد حظي ثوار هذه القبائل – هذه المرة – بمُساندة الطائرات الإنجليزية التي قامت بأول طلعاتها في التاسع من يوليو 1925م، وعن هذا التدخل قال المُؤرخ إريك ماكرو: «استخدمت طائرتان من عدن في محاولة لإجبار القوات اليمنية على الانسحاب من أراضي العوذلي»، وأضاف في نقله لحواث شهر أكتوبر من ذات العام: «قامت الطائرات من مطار الشقري في محاولة أخرى لاستعادة ما فقد من أراضي العوذلي».

من جهته قال المُؤرخ لبيد الجابري أنَّ الإنجليز أرسلوا بادئ الأمر بطائرة استطلاع، ثم قاموا بعرض الصور التي تم التقاطها على السلطان محمد بن جعبل، وأنَّ الأخير حدد لهم المواقع التي تتواجد فيها القوات الإمامية، وكتب لهم تنازلًا عن الحصون التي سَتُدمر أثناء تلك العملية العسكرية.

نال القاضي أحمد الحضراني من هجمات الثوار المسنودين بالطائرات الإنجليزية الكثير، ليتمكن في نهاية ذات العام، وأثناء مُرابطته فوق جبل الكور، من إسقاط إحدى تلك الطائرات، وقتل طيارها، وقد خلَّد تلك الحادثة بعدة قصائد، منها هذه الأبيات التي استنجد بها بعامل البيضاء عبدالله اسحاق، حيث خاطبه قائلًا:
ما لي أراك عن القدوم معوقا
إني أرى التعويق عنه عارا

لم أكترث في الكور ليلة قهقرت
قوم هناك وولت الأدبارا

ووقفت بعد الكل شهرًا كاملًا
لا أختشي طار ولا طيارا

حتى أتى الأمر الشريف مُخبرًا
بالرفع يا ابن الأكرمين مرارا

وإليكها يا ابن الكرام عريضة
من هزبري قد عدا مغيارا

تاريخها وافي ينادي أرخوا
القاضي أحمد نزل الطيارا
لم يُفصح الشاعر أحمد الحضراني عن طبيعة الأمر الإمامي إليه بالرفع، وهل المقصود به الرفع بيوميات الحوادث، أم المقصود به ارتفاع القوات الإمامية من تلك المناطق، واحتمال كبير أنَّ الجزئية الأخيرة هي المقصد، ويؤكد ذلك قول المُؤرخ إريك ماكرو: «وفي سنة 1926م استولى الإمام على جزء من أراضي العوذلي السفلى، ولكنه اضطر للتخلي عنها بعد القيام بعمليات جوية ضده، وأدت هذه العمليات ببريطانيا إلى أخذ زمام المبادرة».

معارك كثيرة
وهكذا، وبمساعدة سرب من الطائرات الإنجليزية، تمكن أبناء قبائل العواذل، ودثينة، وآل فضل من إخراج القوات الإمامية من العواذل السفلى (الكور)، بعد أنْ خاضوا معها معارك كثيرة، غنموا خلالها كثيرًا من الأسلحة، واسترجعوا كثيرًا من المنهوبات، وتخليدًا لتلك المعارك كتب الشاعر العوذلي علي محمد الخضر المُلقب ب (بن رامي) قصيدة شعرية ألقاها أمام السلطان محمد بن جعبل، نقتطف منها:
حيا بسلطان العصيب الجاسرة
سلطان زارة أمر حمران العيون

دي سا عدن زارة وسا زارة عدن
وامطار من عريب يكلم شمبيون

جا من عدن دي صان ملحا وامبدن
وامنار قدها تلهف اسبال امعيون

واتعوذب الشيطان وامزيدي هدن
حمّا بصرهم في امثورة يلعبون

كانت بذلك العواذل السفلى من أوائل المحميات الجنوبية تَحررًا، فيما ظل مصير قرينتها (العواذل العليا) متذبذبًا؛ فهناك من قال أنَّ القوات الإمامية ظلت مسيطرة عليها كاملة، وهناك من قال أنَّها ظلت مسيطرة على أجزائها الشمالية فقط، والقول الأخير هو الأرجح؛ بدليل مُعاودة القوات الإمامية فيما بعد السيطرة على 64 قرية من قرى العواذل العليا (الظاهر)، وأخذ حوالي 40 رهينة أكتوبر 1931م.

كانت العلاقة حينها بين السلطات الإمامية والإنجليز شبه هادئة؛ بل أنَّ الأخيرين أرسلوا طبيبًا خاصًا لمُعالجة السيف أحمد يحيى حميد الدين 8 مايو 1932م، بناءً على طلب الأخير، وتعزيزًا لتلك التهدئة توجه المستر ريجينالد شامبيون (السكرتير الثاني للمعتمد البريطاني في عدن السير برنارد رايلي) جوًا إلى لودر 2 ديسمبر 1933م، وحث السلطان العوذلي – لم يذكر المُؤرخ إريك ماكرو اسمه، واحتمال أنَّه السلطان محمد بن جعبل – على ضرورة المحافظة على علاقاته السلمية مع الإمام يحيى، مطمنًا أياه أنَّ الأخير سيسحب قواته من هضبة الظاهر (العواذل العليا) سلمًا.

وقد أثمرت تلك التهدئة بتوقيع مُعاهدة صنعاء في بداية العام التالي 11 فبراير 1934م، وهي المعاهدة التي لم يتم التصديق عليها إلا بعد مرور سبعة أشهر، وذلك بعد أنْ انسحبت القوات الإمامية من قرى العواذل العليا، وغيرها، وبعد أنْ تم الإفراج عن جميع الرهائن والأسرى، وفتح طريق التجارة بين المناطق الشمالية ومحمية عدن.

وكان قد توجه إلى لودر قبل توقيع تلك الاتفاقية بأسبوعين النقيب باسل سيجر 17 يناير 1934م، الموظف في مكتب إدارة المُستعمرات، وكان مكوثه في تلك الجهة لمدة ثلاثة أشهر، منتدبًا من قبل السلطات الإنجليزية للإشراف على انسحاب القوات الإمامية من العواذل العليا (الظاهر)، وهو ما كان.

بأسلوبه التقليدي المُذل حكم الإمام يحيى المحميات الجنوبية، عض غالبية من ناصروه من سلاطين ومشايخ تلك المحميات أصابع الندم، وغير السلطان محمد جعبل توجه كثيرون صوب الإنجليز طالبين المُساندة، ولسان حالهم يجسده قول الشاعر عبدالله البردوني:
وبرغمي يُصبح الغازي أخي
بعدما اضحى أخي أعدى الأعادي

صحيفة 26 سبتمبر