تقرير أم استراتيجية كهنوتية للتعليم في اليمن تكمل الكارثة؟

تقرير أم استراتيجية كهنوتية للتعليم في اليمن تكمل الكارثة؟
د. ثابت الأحمدي وحرب الإمامة الصامتة على التعليم في اليمن

عن تقرير حوثي أقرب إلى استراتيجية كهنوتية في التعليم تكمل الكارثة في اليمن – د. ثابت الأحمدي


اطلعتُ – في قراءةٍ سريعة – على “تقرير تجميعي” كما وسم نفسه، صدر مؤخرًا عن وزارة التربية والتعليم “الحوثية”، ضمن أنشطة الجماعة المكثفة في تجريف الدولة وصبغها بهويتها الطائفية الخاصة، والحقيقة أني وجدت كوارث مروعة بين ثنايا هذه المادة، لا يقتصر خطرُها على اليمن فحسب؛ بل على المنطقة كاملة، ما لم نتدارك هذه الكوارث عاجلا. وعقب القراءة خرجتُ بالملاحظات التالية:

أولا: هذه المادة التي تقع في 140 صفحة، والتي سمّت نفسها “تقرير تجميعي” إلى الاستراتيجية الكهنوتية الإمامية أقرب منه إلى التقرير المعروف؛ مشتملة في ختامها على “مصفوفة عمل”، مرفق بها، على الأرجح سيتم تنفيذها من قبل الكيان الإمامي مستقبلا.

ثانيا: التقرير/ الاستراتيجية، تبدو من عمل لجنة، بمساندة فريق عمل، استقصت الاستراتيجيات التعليمية السابقة، والتي لم ترضَ عنها، فعمدت – من ثَمّ – إلى تغييرها بهذه الاستراتيجية الكهنوتية.

ثالثا: التقرير/ الاستراتيجية دعت إلى تغيير قانون وزارة التربية والتعليم الصادر في العام 1992م، واعتماد قانون جديد، منطلق مما أسمته:

1- “القناعة التامة لدى القيادة بضرورة التغيير لما هو موجود، وتطوير ما يمكن تطويره، وفق الرؤية القرآنية الشاملة، من خلال ملازم السيد الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي”.

2- “الحاجة الماسة لإعادة النظر في جوانب العملية التعليمية”.

3- “الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة، مارس 2019م التي صدرت من المجلس السياسي الأعلى، وتبنتها الحكومة”.

4- “ملازم الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي في طرح الموجهات العامة للمشروع القرآني”.

5- “الولاية”، ومنها “الولاية للإمام علي، ثم ولاية من أمرنا الله بتوليه من أعلام الهدى”.

6- “الحاجة إلى تنمية الروح الجهادية في نفوس أبناء المجتمع”.

رابعا: وضعت هذه الاستراتيجية عدة أهداف، بعضها متظاهر بالروح الوطنية اليمنية، فيما البعض الآخر يشير إلى النقيض من ذلك، على النحو التالي:

1- “بناء مناهج يمنية وفق ثوابت قرآنية، تبين المرتكزات أساسية للمنهج القرآني والقيادة الحقة”.

2- “ربط المتعلم بالموروث التاريخي المنسجم مع هويته الإيمانية اليمانية الجامعة”.

3- “تأهيل وبناء المعلم وفق ضوابط إيمانية”.

4- “ترسيخ التولي لله ورسوله والإمام علي وأعلام الهدى ومحبتهم واتباعهم والارتباط بهم”.

5- “التركيز على خطورة التكفيريين وثقافتهم ودورها الهدام والتخريبي”.

خامسا: الاستراتيجية دعوة صريحة للطائفية والمذهبية، واللتين لا ينتج عنهما إلا الصراعات السياسية، نلمح ذلك من خلال هذا النص المقتبس بحرفيته: “نركز على الهوية اليمنية في الجانب الفكري والثقافي “زيدية وشافعية”… “ونلحظ أن يكون من ضمن اللجنة شوافع”. وبصرف النظر عن عدم اتساق لفظة “نلحظ” هنا مع سياق الكلام؛ لكن المقصود واضح. إنه التأسيس لطائفية ومذهبية جديدة، يتم غرسها في مناهج التعليم العام والجامعي، فما جدوى المذهبية اليوم أساسا؟ ولماذا المذهبية من أساسها؟ علما أنهم لن ينتقوا من الفقه الشافعي إلا ما يتوافق مع الفقه الهادوي الجارودي، فقط. أو قل مع النظرية الخمينية الإيرانية المعاصرة، لا أكثر. وهي سياسية تربوية عقيمة، لا علاقة لها بالتفكير الناقد، ولا بالتعليم المعاصر، في عصر “اللاتمدرس” وفقا لمصطلح التربوي العالمي الشهير “باولو فريري”، الذي وصم تعليم دول العالم الثالث بـ “التعليم البنكي”. أي نقل المعلومات القديمة بنظام الحشو إلى أدمغة الجيل الجديد.

سادسا: الاستراتيجية جعلت من ملازم حسين الحوثي مرجعية أولية؛ بل وحيدة لفلسفة العملية التربوية في اليمن، نلحظ ذلك من خلال هذا النص: “أن يبدأ الاختصاصيون في القراءة والتحليل للملازم، بحيث يتم الخروج برؤية تربوية واضحة، وفق مرتكزات إيمانية”. ويا لهول الكارثة أن تكون ملازم الصريع حسين الحوثي مرجعية ومنطلقا في البناء المعرفي والفلسفة التربوية الجامعة لأجيال اليمن!

وتضيف التوصيات ما نصه: “الاستقاء من ملازم الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي في طرح الموجهات العامة للمشروع القرآني”. و “إعداد مناهج تعليمية وفق رؤية قرآنية شاملة ومتكاملة”. وقد عرفنا خلال السنوات السابقة رؤيتهم القرآنية..!

سابعا: ركزت الاستراتيجية على مصطلح “الهوية الإيمانية”، والمقصود بها هنا لا شك “الهوية الحوثية الخمينية”، وكأن اليمن شعب لقيط، ولد للتو، ويريدون ربطه بالخمينية الإيرانية المعاصرة، عبر وكيلها المعتمد “الحوثي”، وليس شعبا حضاريا أصيلا، يزيد عمره الحضاري عن خمسة آلاف عام.

أخيرًا.. أكرر هنا أننا أمام كارثة مستقبلية خطيرة، من خلال صناعة “جيل الحرب الطائفي” الذي يستمد أفكاره وثقافته من نظرية ثيوقراطية عتيقة، تنتمي إلى القرن الثالث الهجري، ولا علاقة لها بالقرن الواحد والعشرين.