القصف الأمريكي والمراكز الصيفية وكسرة الخبز المفقودة في اليمن

لقطة شاشة من الغارة الأمريكية في الحديدة
لقطة شاشة من الغارة الأمريكية في الحديدة

مصطفى غليس يكتب عن: القصف الأمريكي والمراكز الصيفية وكسرة الخبز المفقودة في اليمن 


هل ثمّة رابط بين المراكز الصيفية والقصف الأمريكي الذي يستهدف الحوثيين، ويبدو أنه ما يزال في بواكيره الأولى، وبين كسرة الخبز المفقودة في اليمن؟ ربما. لكن المسألة تحتاج إلى بعض التفصيل وشيء من التوضيح، ولتكن البداية من القصف الأمريكي الضاري والدلائل الأولية لنتائجه وربطها بعقيدة الحوثي وعُرفه.

منذ بدأ القصف الأمريكي على الحوثي، وهو يتباهى بسلامة قادته، ويستميت إعلامه في إنكار خسائره، فهل القيادات الحوثية محصّنة بالفعل أم أن عكس ذلك هو ما حصل ويحصل الآن؟ ليس من الصعب الوصول إلى إجابة وافية، فالفيديو الذي نشره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "كفى ووفّى" كما يقول المثل اليمني، وربما العربي.

لقد شهدنا مجزرة كبيرة لحشد غفير من الحوثيين المسلحين التقطتها عدسة الطائرة الأمريكية القاصفة. لا يُعلَم التوقيت الحقيقي للضربة، لكن الحوثي لم يُعلِن عنها إطلاقًا رغم فداحة الأمر، ولم تظهر النتيجة التي حاول إخفاءها إلا قبل عشر ساعات من كتابة هذا المقال، عندما نشرها الرئيس الأمريكي، فماذا يعني الصمت الحوثي؟

من المؤكد أن الحوثي لم يبتلع لسانه، لكنه والكيان المتطرف الذي يقوده يُثبِت أنه لا يرى في مَن يقاتلون معه أو تحت أمره - بغضّ النظر عن دوافعهم الحقيقية وظروفهم التي قادتهم للحرب بجانبه - سوى مجرد عبيد، وفي أحسن الأحوال "تروس" صغيرة تدور في آلته الحربية بخلفيتها العقدية والعنصرية التي لا تعترف بالإنسان كقيمة، بل كأداة يمكن حرقها واستبدالها في أية لحظة.

آخر الشواهد على ذلك، الضربة الأمريكية التي استهدفت تجمعًا كبيرًا لمسلحين حوثيين، والتي كشف عنها ترامب في فيديو نشره على حساباته الرسمية في منصات التواصل. الفيديو أظهر لحظة استهداف الطائرة للحشد، وأرفقه بتعليق ساخر قال فيه: "اجتمع هؤلاء الحوثيون لتلقّي تعليمات بالهجوم. عفوًا، لن يكون هناك هجوم من قِبل هؤلاء الحوثيين!"

تفيد المعلومات القادمة من واشنطن، وإن لم تكن من مصادر رسمية، أن الضربات الأمريكية أسفرت حتى الآن عن مقتل 252 عنصرًا حوثيًا، وهو رقم ثقيل لا يمكن تجاهله، ومع ذلك لم يصدر عن الحوثي أي بيان يعترف بكل هؤلاء القتلى أو يترحم عليهم أو حتى يذكرهم ببيان نعي أو بخبر صحفي في قصاصة جريدة أو زاوية موقع إلكتروني مغمور. بالعكس، خرجت أبواق الحوثيين لتُكذّب التصريحات الأمريكية، وكأن هؤلاء الضحايا مجرد قرابين رُميت على مذبح بقاء القيادات الحوثية آمنة ومحصّنة في كهوفها.

لماذا هذا التجاهل والاستهانة إذًا؟ هناك إجابة واحدة نجدها في صفحات التاريخ وشواهده، وهي في حقيقة الأمر جزء من العقيدة الحربية الحوثية المتوارثة من الأئمة الذين حكموا اليمن، وأسّسوا دويلاتهم على جماجم اليمنيين، وسقوا دويلاتهم بدماء اليمنيين لا بدمائهم التي يعتقدون أنها مقدسة، وهم أبعد ما يكونون عن الحقيقة أو التقديس أو الاصطفاء أو الطهارة، إن لم يكن عكس ذلك تمامًا.

في عُرف الحوثي، "الحجر من القاع، والدم من رأس القبيلي". هذا المثل الشعبي ليس مجرد كلمات عابرة، بل له قصة تاريخية ينبغي أن يعرفها جيل اليوم وينقلها لمن يليه. تعود القصة إلى ما بين عام 1816 و1835م، حين كانت اليمن تعيش حالة من الانقسام، حيث كان هناك أكثر من إمام - وفي صنعاء تحديدًا - يتنازعون على الحكم، وطرفا هذه الواقعة المهدي عبد الله بن أحمد بن علي الرسي، والهادي أحمد بن علي السراجي.

دارت بين الطرفين معارك طاحنة استمرت لأعوام، وراح ضحيتها الكثير من الرجال والأموال، حتى أدركا أنه لا فائدة من استمرار الحرب، وأن الوحدة هي الطريق الوحيد لبقاء سلطتهما. فأرسل كلٌّ منهما وفدًا للترتيب للقاء، وكان اللافت أن هذه الوفود لم تضم أي قبيلي، بل كانت من بيوت الهاشميين مثل آل الشامي وآل شرف الدين وغيرهم.

وحين اجتمع الإمامان، قيل إن الهادي كان غاضبًا لما خلّفته الحرب من دمار وقتل، فاقترب منه المهدي وهو يضحك وسأله: "هل هُدم بيتك أو بيتي في هذه الحرب؟ هل قُتل أولادك أو أولادي؟" فأجابه الهادي: "لا". عندها قال المهدي جملته الشهيرة التي اختزلت فلسفة حكم الأئمة واحتقارهم للناس: "الحجر من القاع، والدم من رأس القبيلي".

هذه المقولة لخّصت بوقاحة كيف يرى السلاليون أنفسهم سادة – بمنأى عن الدماء والدمار – بينما يُدفع باليمنيين ليكونوا وقودًا لصراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لأنهم مجرد عبيد. واليوم، يعيد عبدالملك الحوثي إنتاج هذه العقلية نفسها، فلا فرق بين المهدي بالأمس وبينه، و"سلامة رأس عبدالملك" وبني عمومته هي المصلحة العليا التي يجب أن تُحمى، ولو على حساب مئات الأرواح البريئة، بينما لا أحد من أبناء السلالة يُرسل أولاده للجبهات أو يُقتل في المعارك، ووحدهم أبناء اليمنيين يُزجّ بهم في الموت، ولا عزاء لهم، بل يُنسَون وكأنهم لم يكونوا.

هل سيبقى أبناء القبائل حجارة تُنتزع من القاع، ودماء تُسفك ليبقى "السيّد" آمنًا في كهفه؟ أم آن الأوان لكسر هذه الدائرة التي عمرها قرون؟ لا أدري فعلاً. ما أدريه حقًّا وأعلمه علم اليقين، ويعلمه غيري من اليمنيين بقدر علمي وربما أكثر مني، أن الحوثي يمضي على نهج أسلافه، وأنه منذ أن طفا شرّه على اليمن متمردًا على الدولة في 2004، ظل يتعامل مع بعض عناصره من أبناء القبائل في حال استلامهم لمناصب في قيادة الميليشيا كسلع قابلة لانتهاء صلاحيتها حين يصل شخص من السلالة، ويتعامل مع العناصر ذات الرتب الأدنى كـ"فائض بشري"، يُدفع بكثير منهم إلى الجبهات بلا تدريب ولا تجهيز، ولا حتى اهتمام بتوثيق أسمائهم بعد موتهم، فلا أرقام تحفظ هوياتهم، وكل ما يعود لذويهم في النهاية صورة معلّقة على سيارة "شاص"، وصندوق خشبي فارغ يُرمى في مقبرة مسيّجة بالخُضرة الزائفة دون أي اعتراف بالفضل، وكأنه لم يكن يومًا.

هذه الحقائق المؤلمة التي أطرحها اليوم لا تقف عند الضربة الأمريكية الأخيرة، فالقادم منها سيكون أشد قسوة وضراوة، وفقًا لمقتضيات الضرورة الدولية ومتغيراتها، فقد استدعى الحوثي الحرب إلى اليمن مجددًا، تحت ذرائع واهية وبكلمة حق أُريد بها باطل، لأن منهجه قائم على التكاثر في ظل الحرب واستعداء الآخر، أكان يمنيًا أو أجنبيًا، وهنا وجب التنبيه من جسامة الأخطار القادمة وفداحة نتائجها، فها هو الحوثي يستعد مجددًا لتدشين المراكز الصيفية، تلك التي يزعم أنها للتعليم والتحفيظ، بينما هي في الحقيقة مجرد حاضنات لصناعة الإرهاب وتغذية آلة الموت بالدماء الصغيرة.

بكل محبة وخوف على أولادنا وإخوتنا، فكل يمني هو شقيقي، أوجّه هنا تحذيرًا شديدًا لأولياء الأمور: لا تسلّموا أبناءكم لهذا المصير المظلم. فالمراكز الحوثية ليست أماكن علم ومعرفة وعلوم دين، بل معسكرات استغلال قذر وغسل أدمغة، تُحوّل أطفالكم إلى مشاريع موت ودمار.

نسألكم الله أن تتنبهوا، فالحوثي يريد تحويل فلذات أكبادكم إلى دروع بشرية في مواجهة العالم الذي يستعديه بشروره عن قصد، مستغلًّا أشرف قضية عرفها العصر الحديث، ليحصد بكم وأبنائكم ثمرة تطرفه العقائدي وقبحه العنصري. إنه يريدكم وقودًا لحربه الطائفية التي لا تخدم سوى أوهامه السلالية وعقيدته المنحرفة.

عليكم أن تعلموا أن مَن يلتحق بالمراكز الصيفية هذه، لن ينال شرفًا ولا بطولة، بل عارًا وخزيًا لا يُمحى. فما جدوى الموت من أجل عصابة جعلت منك جائعًا تستجدي لقمة العيش وتكدح بكل جهدك وقواك وطاقتك ولا تجدها؟

ما بالكم تسترخصون أنفسكم من أجل عصابة زعيمها مختبئ في كهف، ولا يرى فيكم سوى حشرات لا تستحق حتى أن تنعم بكسرة خبز؟ أليس الحوثي وجماعته الغازية من نهبوا الدولة وسرقوا من اليمنيين كل شيء... الرواتب، وعائدات التجارة من جمارك وضرائب، والمساعدات الإنسانية، وحتى لقمة الضعفاء، ثم افتتحوا أسواقًا سوداء ليبيعوا لكم ما سرقوه منكم؟

لن أتحدث عن الكرامة المهدورة في زمن الحوثي، فتلك حكاية أخرى، وتفاصيلها أكبر وأعمق من أن تُروى، وأوجاعها أصعب من أن تُشفى.

إياك أعني أخي المواطن... ما فائدة أن تُضحّي بنفسك وولدك من أجل عصابة لا تذكرك حتى بالاسم، ولا تبكيك، ولا تعترف بك حين تُقتل؟ ما معنى أن تموت ليبقى "السيد" في مكانه آمنًا، يُصدر الأوامر من فوق، وكذلك سلالته وحاشيته، ويترك أبناء القبائل يحترقون في الأسفل؟

احمِ أبناءك، وارفض إرسالهم إلى المراكز الحوثية، وقل "لا" لمن يريد تحويلهم إلى أدوات في حرب قذرة لا ناقة لكم فيها ولا جمل.

إخوتي يا إخوتي، لا سوّد الله لكم وجهًا... استيقظوا، فالحوثي لا يحترمكم، لا يحبكم، ولا يراكم ندًّا أو شريكًا، بل مجرد عبيد وعدد يُستهلك ثم يُرمى. فهل بعد كل هذه الأدلة، ما زال بينكم من يُفكّر في الالتحاق بهم؟