عادل وأيلول

د. ثابت الأحمدي يكتب عن: عادل وأيلول
اقترانُ الأدب بالصحافة ــ على الأقل في منطقتنا العربية ــ قديم، قدم الصحافة نفسها، إذ اشتغل الأدباء والشعراء؛ بل والمفكرون وكبار رجال الدين بالصحافة، مثل: رفاعة رافع الطهطاوي وقاسم أمين وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وطه حسين والرافعي والعقاد وزكي نجيب محمود. ذات الشأن أيضا في كل من سوريا ولبنان والعراق.
وفي اليمن كذلك، تأسست الصحافة العدنية قبل صحافة صنعاء، وكان رموزها أدباء ومثقفين وساسة، مثل محمد علي لقمان، وسعيد الجريك، وعبدالرحمن جرجرة، ومحمد علي باشراحيل، ومحمد سالم باسندوة، وغيرهم.
وحتى في صنعاء نفسها كان الرواد الأوائل من رجال الصحافة علماء وأدباء وخطباء ورجال دين كالمطاع والوريث والكبسي، من رجالات "الحكمة"، ثم الزبيري ونعمان وعبدالله حمران وعبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح وعمر الجاوي وعبدالله عبدالوهاب نعمان، وغيرهم، وصولا إلى سمير اليوسفي الذي مثل مدرسة صحفية نوعية وشاملة، لها الفضل في اكتشاف المئات من المواهب وتنميتها، أيضا نصر طه مصطفى السياسي والمثقف الذي جعل من وكالة الأنباء اليمنية سبأ مؤسسة ثقافية وفكرية إلى جانب كونها مؤسسة خبرية على غير عادة الوكالة سواء من قبله أم من بعده، مع الإشارة إلى أن عطاءه الفكري والثقافي قد تجلى في مجلة "نوافذ" سابقا، والتي كانت تصدر عن المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية أواخر تسعينيات القرن الماضي، فما بعدها.
وعلى الضفة الأخرى أيضا الصحفي والكاتب المتميز حميد شحرة، ومعه زميله علي الجرادي، اللذَين أسسا لصحافة أهلية جديدة، بمزاجٍ مختلف عما كان قبل ذلك؛ إذ أحدث ذينك الشابان نقلة نوعية في التحرير والإخراج والنشر على نحو غير مسبوق. وهذا راجع إلى عمق الثقافة وسعة الرؤية التي يمتلكها هؤلاء الأعلام الكبار، واللذين أضافا شيئا جديدا إلى المسرح الثقافي والفكري في اليمن، كما فعل الأستاذ خالد الرويشان في المجال الثقافي أيضا. تقريبا كان الصحفي المتميز عبدالله سعد واحدا من هؤلاء البارعين، غير أن تجربته لم يُكتب لها الانتشار، لمحدودية انتشار الصحيفة نفسها.
لقد كانت الصحافة في فتراتها السابقة تقدم مادة علمية وأدبية أكثر من تقديمها المادة الخبرية، وتخصصت بعض الصحف والمجلات في الأدب وبعضها في الفكر، وبعضها في الجوانب العلمية. بل لقد تنوعت إلى صحافة الطفل، وصحافة المرأة وصحافة الكاريكاتير، وغيرها.
وقد كان أنجح الأدباء هم أنجح الصحافيين في الوقت نفسه، لشمولية رؤيتهم، واتساع معارفهم، ولتقديمهم المادة النوعية للجمهور الذي يجيد اختيار كُتابه كما يجيد اختيار حاجياته الأخرى، فكان هذا التلازم الوثيق بين الأدب والفكر من جهة والصحافة من جهة أخرى؛ لأن من أجاد الفكرة أجاد تقديمها في الغالب، وقد رأينا أعلاما في الصحافة والإعلام لم يتخصصوا في دراسة الصحافة أو الإعلام في الجامعات أو الأكاديميات، إنما مارسوها هواية عن امتلاء في الفكر، فصقلت التجربة مواهبهم، ومن ثم أصبحوا رموزا وأعلاما يُضرب بهم المثل، سواء في اليمن أم خارج اليمن.
وأديبنا الصحفي عادل الأحمدي ليس بدعا من هؤلاء؛ بل حلقة في السلسلة الطويلة، وامتدادا لسابقيه، توفرت لديه موهبته وساعدته بعض الفرص على النجاح والتميز، فاشتهر صحفيًا أكثر من شهرته أديبا.
الشاعر عادل علي الأحمدي المولود في منطقة حبيش من محافظة إب، في العام 1976م، يرأس موقع نشوان الحميري للدراسات والإعلام، وموقع نشوان نيوز، وهو منصته النضالية وبيته الكبير وقلعته العتيدة التي يناور منها. حاصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من كلية التربية بجامعة صنعاء، في العام 2000م، وقبله على دبلوم المعلمين، نظام السنوات الثلاث، بمرتبة الثاني على مستوى الجمهورية في العام 94م.
عمل في مجال التربية والتعليم أولا، في دار الأيتام تحديدا، ثم في مجال الصحافة، سكرتيرا لمجلة نوافذ، ثم محرر صفحتي ما يسطرون في صحيفة الثقافية، وهو عضو نقابة الصحفيين اليمنيين وعضو الاتحاد الدولي للصحفيين. حاز على المركز الثاني لشعراء المدارس بأمانة العاصمة عام 1993م، كما حاز على درع جامعة صنعاء لإحرازه المركز الأول في النص المسرحي عام 1999م، وشارك في عدة مؤتمرات محلية وعربية ودولية، صدر له كتابه الشهير: الزهر والحجر في العام 2006م، وأيضا "الخيوط المنسية"، وله العديد من الدراسات الأدبية والتاريخية والسياسية.
في إذاعة دار المعلمين نظام الثلاث السنوات بعد الإعدادية، كان الفتى اليافع عادل ذو الجسم النحيل شاعرا تقدمه موهبته، وقد استهلت القصيدة بين يديه مكتملة، أو شبه مكتملة على الأقل على الرغم من البدايات الأولى، وضعف التجربة، لكنه تمكن من الإمساك بتلابيبها بقوة حتى انقادت له، وكان إذا صعد منصة الطابور الصباحي وألقى قصيدة خشع الحاضرون لقصيدته منصتين؛ بل مُصغين لها، طلابا ومعلمين، جميعهم يحدقون نحوه باندهاش، وما أن ينزل من المنصة حتى تتوالى كلمات الثناء والإطراء على هذا الإبداع من معلميه، بمن فيهم الأساتذة السودانيون والعراقيون، وأيضا إدارة المعهد.
في هذه البيئة، وفي معهد المعلمين، تشكلت خميرة الإبداع في صورتها الأولية، حتى توقدت متوهجة في أجلى ما تكون؛ لذا فقد ألقى قصيدة حفل التخرج في احتفائية مهيبة، حضرها وكيل وزارة التربية والتعليم آنذاك، والذي وجه أن تُدرجَ هذه القصيدة في مناهج نظام المعلمين بعد الثانوية. وهي قصيدة لا تقل إبداعا عن قصيدة "حُسن" التي تبنى الدكتور قائد غيلان أستاذ الأدب والنقد بجامعة صنعاء تدريسها لطلابه في الجامعة.
وفي دار الأيتام التي عمل فيها معلما عمل على تأليف الأناشيد المدرسية للطلاب الايتام، ثم الأوبريتات، وبعض القصائد، كما بدأت قراءته في النقد الأدبي ونظريات الأدب ومدارس الشعر. ومعلوم أن النظم الشعري الإنشادي يستدعي جرسا موسيقيا معينا، كما يقتضي لغة أدبية خاصة، كما هو الشأن في أدب الأطفال الذي يقتضي لغة خاصة، تستدعي جهدا أدبيا أكبر، ولا يتمكن منه إلا من جمع بين الثقافة والأدب وعلم النفس؛ لهذا يندر أدب الأطفال في بلادنا، لأن المشتغلين به قليلون، لصعوبته؛ أما نقاده فيكادون لا يوجدون.
وفي تلك الفترة دشن أول مقالة له في صحيفة الثورة، وتحديدا في العام 1994م، حول قصيدة النثر. ومن يومها مضى متأرجحا تارة بين المقالة السياسية وتارة بين الشعر حتى العام 2013م، والذي يقول عنه: انطفأ الشعرُ من جديد من أواخر ٢٠١٣م، لأن الأحداث المأساوية على مستوى الوطن كانت أقوى. إنه المثقف الأصيل المدرك لحقائق الصراع بين الشعب اليمني من جهة، وكهنة الإمامة الرسية من جهة أخرى، فينادي:
لا يسلمُ الشرف الرفيع من الأذى
حتى يعودَ إلى أصالته اليمنْ
حتى يعودَ الشعبُ سيّدَ أمرهِ
ويطيحَ بالسُّحتِ المعمّمِ والوثن
حتى نُسيّجَ بالمبادئ أرضنا
لا نرتضي زيفاً ولا نرضى وهنْ
الطارئون نُعيدهم لشتاتهم
ونعيدُ محراثَ الحضارة للزمنْ
ويعودُ أيلولٌ فناراً هادياً
ويرددُ الطلاب: "الله، الوطنْ.."
على أية حال.. وبعد هذه الطيافة الموجزة في عوالم الأديب والشاعر عادل الأحمدي، نقف مع واحدة من عيون قصائده الأيلولية، وما أبهى أيلول في فكر وإبداع الشاعر عادل الأحمدي، يقول:
أيلولُ لؤلؤةٌ وصنعاءُ المَحَارُ
والزيفُ زوبعةٌ سيلْحَقُها الشَّنارُ
وبِعيدِهِ تهفو لصنعاءَ الحنايا
ظمأى كما تهفو إلى الماءِ الجِرارُ
صنعاءُ أقدَرُ من جنازيرِ التراخي
إن راوَدَ المجموعَ للصبحِ اختصارُ
لا بدَّ آتيةٌ، ومِن غضبِ "الثلايا"
ياجُورها لهبٌ وأضلُعُها شَرارُ
يا آلَ قحطان وما في القلب صوتٌ
ينثالُ في شجَنٍ، ولا فيَّ اصطبارُ
أيلولُ سوسنةُ الوصولِ على براقٍ
ورهانُكم صنعا، و"نشوانٌ" فَنارُ
أيلولُ بسملةٌ لعهدٍ يحصبيٍّ
عِزٌّ وساريةٌ ومدرسةٌ ودارُ
وغداً حكايتُكم ستذكرها الأماسي
وبضوءِ وثْبَتِكم سيبتسمُ المَدارُ
أيلولُ لؤلؤةٌ وصنعاءُ مَحارٌ
وبِمُزنِ غيمتِها سينقشعُ الغبارُ




