الجمعة 2 أكتوبر 2026

تعز.. قبلة الجمهورية التي لا تنكسر

تعز.. قبلة الجمهورية التي لا تنكسر

ليس من المبالغة أن يقال إن تعز ليست محافظةً في خريطة اليمن فحسب، بل هي إحدى خرائط اليمن الكبرى: خريطة الوعي، والتعليم، والمدينة، والثورة، والمواطنة. وفي كل مرة ظن فيها خصوم الجمهورية أن هذه المدينة قد أُنهكت، خرجت تعز من تحت الركام لتقول إن الجمهورية ليست جبهةً عسكرية وحسب، بل مزاج شعب وذاكرة وطن وحق تاريخي لا تسقطه المدافع.

اليوم، بينما تتصاعد المواجهات في جبهات تعز، ويحاول الحوثيون توسيع الضغط على مداخل المدينة وغربها، ينبغي أن يفهم اليمنيون والحكومة والمجتمع الدولي أن ما يجري ليس فصلًا محليًا منفصلًا عن مستقبل البلاد. إن تعز هي العقدة التي تتقاطع عندها الجغرافيا مع السياسة، والذاكرة مع الحاضر، والبحر مع الجبل، والمشروع الجمهوري مع مشروع الجماعة المسلحة. ولهذا فإن الدفاع عن تعز ليس إسنادًا لمحافظة وحسب؛ إنه دفاع عن المعنى الذي قامت عليه الدولة اليمنية الحديثة

قبل أن تكون تعز ميدانًا للمواجهات، كانت ميدانًا للأفكار. احتضنت التعليم، والصحافة، والحركة الوطنية، والطلاب، والضباط، وكل الذين رفضوا أن يبقى اليمن أسيرًا لعزلة سياسية واجتماعية طويلة. فتعز كانت منطلقًا للإعداد والحشد والتجنيد لثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، شمالًا وجنوبًا، وظلت منطلقًا لمواجهة الإمامة في نسختها الحوثية المعاصرة

هذه المكانة لا تحتاج إلى أسطرة زائفة؛ يكفي أن نتأمل موقع تعز في التاريخ الوطني كي ندرك أنها لم تكن يومًا مدينةً محايدة أمام الظلم. كانت ملجأً للثوار، وممرًا للأفكار، ومكانًا اجتمعت فيه إرادة اليمنيين على أن الإمامة ليست قدرًا، وأن الاستعمار ليس نهاية التاريخ، وأن الإنسان اليمني قادر على صناعة دولة تتجاوز الانغلاق والسلالة والامتياز الموروث.

ومن تعز اتصلت حلقات النضال اليمني ببعضها. لم تكن ثورة سبتمبر مشروع شمالٍ معزولًا، ولا كانت ثورة أكتوبر قضية جنوبية منفصلة عن الوعي الوطني العام. كان بين الثورتين طريق من الرجال والأفكار والمواقف، وكانت تعز واحدة من أهم مساحات هذا الاتصال. لذلك تبدو مقاومة الحوثي اليوم، في الوعي التعزي، امتدادًا طبيعيًا لمعركة أقدم: معركة إخراج اليمن من حكم الامتياز إلى فضاء المواطنة

من الحي إلى الجبهة

حين تمدد الحوثيون في اليمن عام 2014 وبدا أن مؤسسات الدولة تتراجع أمام قوة السلاح، لم تنتظر تعز تشكيلًا مثاليًا ولا قرارًا خارجيًا كي تدافع عن نفسها. بدأت المقاومة من الإمكانات المتاحة، من الأحياء والبيوت والشوارع، ومن رجال حملوا أسلحتهم الشخصية لأنهم أدركوا أن ترك المدينة وحيدة يعني تسليمها إلى مشروع لا يعترف بحقها في الاختلاف.

فبدايات المقاومة للإرهاب الحوثي من مربعات صغيرة في حارة الروضة وما حولها، فهي والتي تحولت فيها الأحياء الصغيرة بلا إمكانيات تذكر إلى خطوط دفاع أولى.

ولا ينبغي أن نقرأ تلك البداية باعتبارها تفصيلًا عسكريًا، بل باعتبارها معنى سياسيًا: حين غابت الدولة أو عجزت عن حماية المجال العام، لم تستسلم المدينة. بدأت من نطاق ضيق، ثم اتسعت. بدأت ببنادق شخصية، ثم صارت مقاومةً منظمة، ثم التحمت بالجيش الوطني والقوى الجمهورية. وبين البداية والنهاية مسار طويل من التضحيات، يثبت أن المقاومة لم تكن طارئًا على تعز، بل كانت استجابة مجتمع رأى أن السلاح الحوثي يريد مصادرة مدينته وذاكرتها ومستقبلها.

لقد قاومت تعز لأنها تعرف أن سقوط المدينة لا يعني تبدل نقاط السيطرة فقط. يعني أن مشروعًا كاملًا يريد إخضاعها: جامعاتها، وأحيائها، وطبقتها الوسطى، ونساءها، ومدارسها، وحق أبنائها في أن يكونوا مواطنين لا رعايا. ولذلك بقيت المقاومة، رغم الاختلالات والخذلان وطول الحرب، فعلًا اجتماعيًا وسياسيًا قبل أن تكون فعلًا ميدانيًا.

تعز هي العمود الفقري للمشروع الجمهوري

تعز ليست «القبلة» لأن أبناءها أفضل من أبناء بقية المحافظات، بل لأنها صارت، بفعل تاريخها وتضحياتها، مركزًا لمعنى يتجاوز حدودها. فيها اجتمعت عناصر الجمهورية: المدينة المفتوحة، والوعي المدني، والجامعة، والسوق، والقرية التي ترفدها بالرجال، والذاكرة التي تربط سبتمبر بأكتوبر، والمقاومة التي رفضت أن يتحول الانقلاب إلى قدر.

ومن هنا، فإن قولنا إن تعز هي العمود الفقري للجمهورية لا يعني تحميلها وحدها عبء الدفاع عن اليمن. بل يعني أن على الجمهورية كلها أن تتحمل مسؤوليتها تجاه تعز. لا يجوز أن تبقى المدينة عنوانًا للصمود بينما تتعامل معها الحكومة باعتبارها جبهة منسية. ولا يجوز أن يُطلب من المقاتلين أن يثبتوا كل يوم ثم تترك أسرهم أمام المرض والحاجة، أو يُطلب من المدنيين الصبر من دون طرق آمنة وماء وخدمات.

المطلوب من الحكومة والشرعية واضح في مستواه الوطني العام: قرار سياسي لا يتردد في اعتبار تعز أولوية، إسناد مؤسسي مستمر للقوات المسلحة

لن تنكسر تعز، لكن لا تختبروا صبرها

قد يفرض الحوثي حصارًا، وقد يقصف حيًا، وقد يحقق تقدمًا مؤقتًا، وقد يحاول قطع طريق أو استنزاف جبهة. لكنه لن يستطيع أن يكسر مدينة تشكلت ذاكرتها من مقاومة الاستبداد، ولا أن يمحو من أبنائها معنى سبتمبر وأكتوبر، ولا أن يحول الخوف إلى ولاء دائم.

تعز أسطورة لأنها لم تعتمد على الأسطورة. بقيت لأنها دفعت الثمن، ولأن مجتمعها قاوم، ولأن أبناءها عرفوا أن التراجع أمام مشروع السلالة لا يجلب السلام بل يوسع دائرة الإخضاع. غير أن صمودها ليس رخصةً لإهمالها. لا ينبغي للحكومة أن تراهن على قدرة المدينة على التحمل إلى ما لا نهاية. المدن الصامدة تحتاج إلى قرار، والجيش الوطني يحتاج إلى إسناد، والمدنيون يحتاجون إلى ماء ودواء وطريق آمن، والجمهورية تحتاج إلى ترجمة خطابها في مؤسسات تعمل.

يا حكومتنا الرشيدة، تعز ليست ملفًا من ملفات الحرب؛ تعز هي سؤال الدولة. إن تركها وحيدة يرسل رسالة إلى كل يمني بأن الجمهورية تتذكر مدنها في الخطب وتنسى تضحياتها في الموازنات. أما الوقوف معها سياسيًا ومؤسسيًا وإنسانيًا، فيعني أن الدولة فهمت أن معركة اليمن لا تُدار برد الفعل، وأن حماية القلب الجمهوري شرط لاستعادة البلاد كلها.

ويا أبناء تعز، إنكم لا تدافعون عن مدينة فقط. أنتم تحرسون ذاكرة وطن، وتحمون حق اليمني في أن يعيش مواطنًا لا تابعًا، وتثبتون أن السلاح مهما علا لا يستطيع أن يلغي مجتمعًا آمن بالحرية. لا تجعلوا الخلافات الصغيرة تسرق منكم وحدتكم، ولا تسمحوا للتخوين أن يفسد صفكم، ولا تمنحوا الحوثي ما عجز عن انتزاعه بالنار.

تعز لن تنكسر؛ لأن كل ما فيه وحتى الحجر والشجر سيحارب مليشيات الإرهاب وكهنة الكهوف ، بل كذلك لأن الإنسان فيها لم يتخلَّ عن حقه. ولأن المدينة التي احتضنت الثوار، وفتحت الطريق أمام سبتمبر وأكتوبر، وبدأت مقاومتها من مربعاتها وأحيائها، لا يمكن أن تقبل أن يعود اليمن إلى حكم الكهف. ستبقى تعز منارة الجمهورية، لا بإقصاء أحد، بل بإصرارها على دولة يتساوى فيها اليمنيون.

إن انكسرت تعز، لا سمح الله، فلن يكون ذلك سقوط جبهة فحسب، بل ضربة لمعنى الجمهورية. ولهذا يجب ألا تُترك لتقاتل وحدها. أما إذا صمدت، واستعيدت ثقة الناس بالدولة، وتحول إسنادها إلى سياسة وطنية شاملة، فستكون تعز كما كانت دائمًا: شرارةً لا تنطفئ، وقبلةً يتجه إليها اليمن حين يبحث عن طريقه إلى الحرية.

المجد لتعز، والرحمة لشهدائها، والسلام لمدنييها، والتحية لجيشها ومقاومتها، والنصر لليمن الجمهوري.