الجارودية والزيدية والحوثية.. مقارنة تحسم الجدل

عبدالله اسماعيل يكتب: الجارودية والزيدية والحوثية.. مقارنة تحسم الجدل
لتحرير الخلاف لا بدّ من تعريف دقيق لكل من الجارودية والزيدية ومقارنتهما ببعضهما في العقائد والأصول، ومن ثم مقارنة الخطاب والسلوك الحوثي بهما، وحين نفعل ذلك سنصل الى الحقيقة مجردة دون جدل او اجتهاد.
أولاً: ما الجارودية؟
الجارودية فرقةٌ تُنسب إلى أبي الجارود زياد بن المنذر الهمداني الكوفي (ت نحو 150هـ). وتقوم عقيدتها على أربعة أركان:
الركن الأول: النصّ على إمامة عليّ، فالنبيّ صلى الله عليه وسلم عندهم نصّ على إمامة عليٍ وأن من خالف هذا النصّ فقد ضلّ وكفر.
الركن الثاني: حصر الإمامة في البطنين، فالإمامة بعد عليٍ والحسن والحسين لا تخرج عن ذرّيتهما، ولا تصحّ إلا لمن كان من نسل الحسن أو الحسين، مع شرط الدعوة والخروج بالسيف.
الركن الثالث: تكفير مخالفي النصّ، يرون أن الأمّة ضلّت بتقديم أبي بكر وعمر وعثمان على عليّ، وأن من قدّم غيره عليه فهو ظالمٌ كافرٌ فاسق، وذهبوا إلى تكفير عامة الصحابة لتركهم نصرة علي بن أبي طالب والبيعة لغيره
الركن الرابع: مركزية العترة، فالمرجعية العلمية والدينية محصورةٌ في أهل البيت، الإمام صاحب إلهام عند النوازل.
الركن الخامس: العلم اللدني، فيعتقدون أن الأئمة يُلقى العلم في نفوسهم فطريا دون حاجة إلى التعلم
تلك هي الجارودية بأركانها لنتذكرها لنذهب الى لننظر في الهادوية.
ثانيا ما الزيدية الهادوية في اليمن؟
الزيدية الهادوية هي المذهب الذي أسّسه يحيى بن الحسين الرسي في صعدة سنة 284هـ، وقد سمى نفسه الهادي إلى الحق،، وعليه قامت دويلات الإمامة الزيدية في اليمن، وبه حكم أئمتها في مساحات محدودة زمانا ومكانا.
ولنتعرف على عقائد الزيدية سنسرد بعض نصوص كتب مؤسِّسها وأئمتها، وهي نصوص على سبيل المثال لا الحصر:
أولها: في النصّ على علي، وتكفير مخالفه، يقول الهادي يحيى الرسي:
«فمن أنكر أن يكون عليا أولى الناس بمقام رسول الله، فهو عند جميع المسلمين كافرا» (الأحكام 1/36–38).
ويقول في نفس الكتاب:
ولاية أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب، واجبة على جميع المسلمين، فرض من الله رب العالمين، ولا ينجوا أحد من عذاب الرحمن ولا يكتب له اسم الايمان حتى يؤمن بولاية علي بأيقن الأيقان" مقدمة كتاب الأحكام ج1 ص 24
ثانيها: في الموقف الصحابة، يقول يحيى الرسي:
«خالف أبو بكر رسولَ الله وفعل بغير فعله، وصوّبه عمرُ وجميع أصحابه... فأحلّوا ما حرّموا، وشهدوا على أنفسهم جميعاً بالخطأ والضلالة» (المنتخب، ص83).
ويقول أحمد بن سليمان:
«من تقدّم على أمير المؤمنين عليّ، أو قُدِّم عليه أحدٌ بعد النبي، فقد ظلمه وجحد حقه، وهو كافرٌ فاسقٌ ظالم» (مجموع حميدان، ص319).
ثالثها: في حصر الإمامة في البطنين والتكفير على مخالفتها، ومركزية العترة، فقد أجمع كل كهنة الزيدية على ذلك ومنه قول يحيى الرسي مؤسس الزيدية الهادوية الجارودية في اليمن في كتاب الأحكام:
"وجب عليه أن يعرف أولي الأمر من ذريتهم الذين أُمِرَ الخلق بطاعتهم؛ فَيَعلم أن الأمر والنهي والحكمة والإمامة من بعدهما في ذريتهم دون غيرهما لا تجوز إلا فيهم ولا ترد إلا إليهم" الأحكام ج 1 ص 30
ويقول عبدالله بن حمزة:
«من لم يقل بإمامة وَلَد عليٍّ من فاطمة فهو كافر، وإن أظهر الإسلام كلَّه» (العيون، ج2 ص87).
رابعها: في تكفير عموم المخالفين، يقول عبدالله بن حمزة أيضاً:
«لم يختلف أحدٌ من أئمتنا من الزيدية والمعتزلة أنّ المجبِّرة كفارٌ ودارُهم دارُ حربٍ قطعاً» (المجموع المنصوري، ج2 قسم1 ص72).
ويقول القاسم بن علي العياني إن جمهور المسلمين الشاهدين بالخلافة لأبي بكر «سامريّة أمّة محمد، لا فرق بينهم وبين سامرية أمة موسى».
خامسها: العلم اللدني، أقرت الزيدية الهادوية ما قررته الجارودية من أن علم مكتسب من الله دون تعليم والى الإمام يرجع الأمر والحكمة، وأنه محط التأويل كما كان الرسول محط التنزيل، ولا يفهم القرآن الا عبر أئمتهم، واعتسفوا تفسير الآية الكريمة " فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا"
واطلب منك الآن أن تضع العقيدتين جنبا إلى جنب، ألن يظهر لك ببساطة أنهما مذهب واحد:
فما تقرّره الجارودية هو أصل ما تقرره الزيدية الهادوية، وما تعتبره الجارودية شروطا للإسلام تعتبره الزيدية الهادوية أيضا، وما تفرضه الجارودية من مركزية للعترة وحكر الحكم في البطنين ووجوب طاعة الإمام هو من صميم الزيدية الهادوية، وأن من يريد التفريق بينهما يحرث في بحر ويرسم على الرمال، وقد اوردنا نصا قطعيا يؤكد تلك الحقيقة ويحسمها وهو نص الكاهن عبدالله بن حمزة حيث يقول:
«الزيدية على الحقيقة هم الجارودية، ولا يُعلم في الأئمة بعد زيد بن علي مَن ليس بجاروديّ، وأتباعهم كذلك» (مجموع حميدان، ص52).
فالتطابق إقرار منهم أولا، واستنتاج منطقي من قراءة عقيدتهم، فهو يؤكد بلا مجال للتشكيك أنه لا توجد زيدية نقيّة وجارودية دخيلة، بل زيدية هادوية جارودية واحدة، هي المذهب الذي حكم أجزاء من اليمن، وتسبب في الحروب والخراب لعقود.
ثالثا: الحوثية الفرعُ الذي أعلن ما حاولوا إخفاءه
إذا ثبت أن الهادوية جارودية في أصولها، فالحوثية ليست انحرافاً عنها، بل استئنافٌ لها حين امتلكت القوة فأعلنت عقيدتها بلا تقية. ولننظر في خطاب الحوثي وسلوكه، ركناً بركن:
هل يخالف الحوثي الزيدية الهادوية الجارودية في مركزية الولاية والنص على علي؟
هل يخالف الحوثي المذهب في تأصيل مسالة الاصطفاء بالنسب وحكر الحكم في البطنين؟
هل تكفير الحوثي للمخالف وتكفير الخلفاء والصحابة، الا المنتجبين، جاء به من رأسه أم من بطون كتب الزيدية الهادوية الجارودية؟
الا يكرس الحوثي وخطابه وخطباءه وملازم الصريع ومجاميع بدر الدين والمؤيدي، رفع الامام الى مقام الرسول وانه هو المخول بالتأويل والتفسير، وأنه قرين القرآن ويحيط به أكثر من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؟
هل ابتكر الحوثي عقيدة، أم أعاد إنتاج العقيدة الهادوية الجارودية، وسلك سلوك الكهنة من أجداده أحد عشر قرنا، لكنه رفع عنها غطاء التقية حين استولى على السلاح؟
وإجابة تلك الأسئلة بإنصاف وعلم وبحث واطلاع ستقود الى خلاصة واحدة:
من أبي الجارود في الكوفة، إلى يحيى الرسي مؤسِّس الإمامة في صعدة، ومن بعده العياني وابن حمزة وابن سليمان وسائر الكهنة، وصولا إلى بدر الدين وحسين وعبدالملك الحوثي، خيطٌ عقديٌّ واحدٌ لا ينقطع: النصُّ، والبطنان، والولاية، وتكفير الصحابة واستباحة المخالف.
فلا بَراءة للفرعِ من أصله، والحوثيةُ فرعٌ كامل الدلالة على أصله، ومواجهتها لا تكون بتبرئة جذرها، بل بتفكيك الفكرة الأمّ: الاصطفاء السلالي الذي يجعل النسب فوق المواطنة، والإمام فوق الإنسان، وبتجريم الأساس النظري الذي يعيد انتاج الإمامة السلالية كلما تخلص اليمنيون منها، لتكون هذه المعركة، آخر المعارك، وهذه المأساة نهاية المآسي، وتنكسر حلقات العنف والدماء حتى لا تعود من جديد بحامل سلالي كهنوتي آخر.




