تعز.. اليمن المحاصرة

السفير محمد صالح طريق يكتب: تعز.. اليمن المحاصرة
ليست تعز مجرد مدينة يمنية أنهكتها الحروب وأحاطت بها المحن وليست بقعة جغرافية تتكئ على سفوح جبل صبر بل هي وطنٌ من المعاني والقيم وذاكرةٌ تختزن تاريخ اليمن ونضالاته، وروحٌ وطنية ظلت حاضرة في كل منعطف من منعطفات الحرية والاستقلال وبناء الدولة. تعز ليست مدينة محاصرة فحسب بل هي اليمن الذي يُحاصَر في كرامته، واليمن الذي يقاوم في إرادته، واليمن الذي يرفض أن يُختزل تاريخه وحضارته ومستقبله في مشاريع العنف والهيمنة والاستبداد.
إن الحديث عن تعز هو حديث عن اليمن كله؛ عن تاريخه وعلمه وأدبه وثوراته، وعن الإنسان اليمني الذي آمن بأن الحرية حق، وأن الكرامة لا تُوهب وأن الأوطان لا تُبنى إلا بإرادة أبنائها وتضحياتهم.
منذ قرون، كانت تعز مركزاً من مراكز الحضارة اليمنية، وعاصمةً للعلم والمعرفة والعمران، وبلغت أوج ازدهارها في عهد الدولة الرسولية، حين احتضنت المدارس ودور العلم، وشهدت نهضة علمية وأدبية وعمرانية تركت شواهدها في جامع المظفر والمدرسة الأشرفية وقلعة القاهرة وغيرها من المعالم التي لا تزال شاهدة على عظمة المدينة وعمق جذورها الحضارية.
ولم تكن تعز في تاريخها مدينة تتلقى الحضارة، بل كانت تصنعها وتمنحها امتداداً في سائر أرجاء اليمن. فمن جبالها وسهولها وقراها خرج العلماء والمعلمون والأدباء والمفكرون والإداريون ورجال الاقتصاد، وأسهم أبناؤها في بناء مؤسسات الدولة، ونشر التعليم، وتطوير الحياة العامة، وفي تأسيس المشاريع الاقتصادية والتجارية التي امتد أثرها من اليمن إلى محيطه العربي والعالمي.
لقد كانت تعز على الدوام مخزون اليمن البشري والفكري، ورافداً لا ينضب للكفاءات والعقول والخبرات. وإذا كانت الأمم تقاس بما تنتجه من معرفة وبما تقدمه من رجال ومؤسسات، فإن لتعز في سجل اليمن صفحات مضيئة لا يستطيع أحد تجاوزها أو إنكارها.
وفي تاريخ النضال الوطني، لم تكن تعز على هامش الثورات، بل كانت في قلب حركتها الفكرية والسياسية. فمن أرضها خرج الأستاذ أحمد محمد النعمان، أحد أبرز رواد حركة الأحرار اليمنيين، الذي أدرك مبكراً أن تحرير الإنسان يبدأ بتحرير عقله، وأن المدرسة هي الخطوة الأولى في مواجهة الاستبداد. ومنها خرج الشاعر والمناضل عبدالله عبدالوهاب نعمان، «الفضول»، صاحب كلمات النشيد الوطني الذي يجمع اليمنيين على معاني الوحدة والسيادة والحرية.
ومن أبنائها برز القائد الجمهوري عبدالرقيب عبدالوهاب، أحد رموز الدفاع عن الجمهورية، كما أسهم أبناؤها في مسيرة النضال من أجل الاستقلال الوطني، وكان عبدالفتاح إسماعيل واحداً من الشخصيات البارزة في تاريخ الثورة ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن.
ولم تكن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، ولا ثورة الرابع عشر من أكتوبر، بعيدتين عن وجدان تعز ورجالها. فقد أسهم أبناؤها في الإعداد والنضال والدفاع عن النظام الجمهوري، وفي دعم حركة التحرر الوطني وصولاً إلى استقلال الجنوب في الثلاثين من نوفمبر 1967م. وكانت تعز، بحكم موقعها وروابطها التاريخية والإنسانية مع عدن، جسراً وطنياً يصل بين مسارات النضال في شمال اليمن وجنوبه.
وحين جاءت التحولات الوطنية اللاحقة ظلت تعز حاضرة في مسيرة بناء الدولة وفي الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية. مؤكداً أن نزعة التحرر لدى هذه المدينة ليست حادثة عابرة في تاريخها، بل امتداد طبيعي لذاكرتها الوطنية.
أما في ميدان الثقافة والأدب، فقد كانت تعز ولا تزال منارة للوعي والجمال. ففيها امتزج الشعر بالغناء والفكر بالتنوير والوطن بالكلمة الصادقة. ومن تراثها الإبداعي خرجت ألحان وأصوات خالدة وفي مقدمتها صوت الفنان الكبير أيوب طارش، الذي حمل وجدان اليمنيين في أغانيه الوطنية والإنسانية، حتى أصبحت تلك الأعمال جزءاً من الذاكرة العاطفية والثقافية للشعب اليمني.
تلك هي تعز المدينة التي صنعت الوعي قبل أن تحمل السلاح وأنجبت المعلم قبل المقاتل، وآمنت بالدولة قبل أن تتحول معارك الدفاع عنها إلى ضرورة فرضتها ظروف التاريخ.
واليوم، تواجه هذه المدينة العريقة واحدة من أقسى المحن في تاريخها الحديث، بعدما تعرضت للحصار والحرب والقصف وإغلاق الطرق، وما رافق ذلك من معاناة إنسانية امتدت لسنوات طويلة، وتفاقمت مع تصاعد المواجهات الأخيرة.
إن ما تتعرض له تعز على أيدي المليشيات الحوثية ليس مجرد صراع على مدينة أو مواقع عسكرية، بل هو، في جوهره، صراع على مستقبل الدولة اليمنية، وعلى حق الإنسان اليمني في أن يعيش حراً كريماً تحت سلطة القانون، بعيداً عن هيمنة السلاح ومشاريع فرض الحكم بالقوة.
لقد دفع أبناء تعز ثمناً باهظاً دفاعاً عن مدينتهم وعن الجمهورية. سالت دماء الأبرياء، وفقدت الأسر أبناءها، وتضررت المدارس والمستشفيات والطرق، وضاقت سبل العيش، ومع ذلك لم تفقد تعز إيمانها بالحياة، ولم تتخلَّ عن قيمها المدنية، ولم تسمح لمعاناتها أن تمحو تاريخها أو تنال من اعتزازها بكرامتها.
ومن فوق جبل صبر، وفي أحياء المدينة وقراها، يواصل أبناؤها كتابة ملحمة من الصمود الإنساني والوطني. يقف الجندي مدافعاً عن أرضه والمعلم متمسكاً برسالته، والطبيب مؤدياً واجبه، والأم اليمنية تواجه قسوة الحياة بصبر يوازي صلابة الجبال.
إن هؤلاء جميعاً هم أبطال تعز الحقيقيون أولئك الذين يصونون الحياة في زمن الحرب، ويحافظون على الأمل حين تتكاثر أسباب اليأس.
وتعز، وهي تخوض محنتها لا تدافع عن نفسها وحدها؛ إنها تدافع عن الجمهورية اليمنية وعن كرامة الوطن، وعن حق الأجيال القادمة في دولة عادلة وآمنة تتسع لجميع أبنائها.
ومن هنا، فإن معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي ليست قضية محافظة أو منطقة أو فئة، بل قضية وطنية تتصل بمستقبل اليمن ووحدته وسيادته واستقراره وبقدرته على استعادة دوره الطبيعي في محيطه العربي والإقليمي.
وفي هذا السياق جاء إعلان فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي والقائد الأعلى للقوات المسلحة، انطلاق عملية «فجر اليمن» في الخامس من أكتوبر 2026م بوصفها خطوة لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، وإعادة الاعتبار لسلطة القانون والمؤسسات الدستورية.
إن عملية «فجر اليمن»، كما أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ماضية نحو أهدافها المعلنة، ولا رجعة عن مسؤولية استعادة الدولة وإنهاء سيطرة المليشيات المسلحة على مقدرات البلاد. ولن تكتمل هذه المهمة الوطنية إلا بإنهاء المشروع المسلح الذي صادر مؤسسات الدولة، وإعادة السلاح وقرار الحرب والسلم إلى سلطة المؤسسات الشرعية، وبما يضمن أمن المواطنين وحقوقهم وكرامتهم.
إن اليمن لا يمكن أن يبقى رهينة لهذه الجائحة السياسية والعسكرية التي مزقت نسيجه الاجتماعي، وأضعفت مؤسساته، وأثقلت كاهل شعبه بالحروب والنزوح والفقر والمعاناة. ولا يمكن أن يستعيد عافيته ما دامت هناك جماعة مسلحة تضع نفسها فوق الدولة، وتفرض إرادتها بقوة السلاح، وتغلق أمام المواطنين أبواب الحياة والسلام.
وفي هذه المرحلة المصيرية، يكتسب الدعم الأخوي الذي تقدمه المملكة العربية السعودية لليمن أهمية استراتيجية كبرى في مساندة مؤسسات الدولة، ودعم أمن اليمن واستقراره والتخفيف من معاناة شعبه، ومواجهة التحديات التي تهدد المنطقة وأمن البحر الأحمر وباب المندب.
غير أن الغاية الأسمى لأي جهد وطني يجب أن تظل استعادة السلام العادل والدائم، وحماية المدنيين وفتح الطرق، وإنهاء الحصار، وإعادة الخدمات وترميم ما دمرته الحرب وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية إلى مختلف المدن والمحافظات اليمنية.
إن تحرير الأرض يكتمل بتحرير الإنسان من الخوف والحاجة، وتستقيم معاني النصر حين تتحول إلى أمن وعدالة ومدارس ومستشفيات ومؤسسات تحمي المواطنين وتصون حقوقهم.
ولتعز في هذه المعادلة الوطنية، مكانة لا يمكن تجاوزها. فهي ليست مجرد جبهة من جبهات الجمهورية بل رمز من رموزها التاريخية، ومخزون من مخازين قوتها الحضارية والبشرية، ومدينة أسهمت في صناعة الوعي الوطني حين كان الجهل أداة للاستبداد، وفي صناعة الثورة حين كانت الحرية حلماً بعيد المنال.
إن من واجب اليمنيين جميعاً ومن مسؤولية مؤسسات الدولة والقوى الوطنية والأشقاء والأصدقاء ألا تُترك تعز وحيدة في محنتها وأن تكون استعادة حقوقها وفتح طرقها ورفع الحصار عنها وإعادة إعمارها أولوية وطنية وإنسانية.
فليس من الإنصاف أن تبقى المدينة التي قدمت لليمن هذا الإرث العظيم من العلم والثقافة والرجال والتضحيات تدفع وحدها فاتورة الحرب أو أن تتحول معاناتها إلى خبر عابر في نشرات الأخبار.
تعز تستحق الحياة، لأنها منحت اليمن الكثير من أسباب الحياة. وتستحق الوفاء، لأنها لم تتخلَّ يوماً عن واجبها تجاه وطنها.
وستبقى تعز مهما اشتدت المحن، مدينة العلم والحرية والجمهورية المدينة التي لا تُقاس عظمتها بارتفاع جبالها، بل بسمو مواقفها، ولا بما أصابها من جراح، بل بما تحتفظ به من إرادة وقدرة على النهوض.
ستبقى تعز الحالمة التي لا تستسلم للألم، والعصية على محاولات الإخضاع، والمؤمنة بأن المستقبل لا تصنعه قوى الاستبداد، وإنما تصنعه الشعوب التي تتمسك بحقها في الحياة والحرية والكرامة.
إن حصار تعز جرح في ضمير اليمن، ورفعه مسؤولية وطنية، وإنصافها وفاءٌ لتاريخ الجمهورية ومستقبلها.
وإذا كان جبل صبر عنواناً لشموخها فإن أبناءها هم عنوان بقائها، وإذا كانت تعز قد علمت اليمنيين عبر تاريخهم كيف يحلمون بالحرية، فإنها تعلمهم اليوم كيف يصونون كرامتهم في أحلك الظروف.
ستبقى تعز يمنية الهوى والهوية جمهورية الانتماء عظيمة بتاريخها ورجالها، عصية على الانكسار؛ وسيظل صمودها شاهداً على أن إرادة الشعوب أبقى من الحصار وأن اليمن الذي أنجب الثوار وصنع الاستقلال قادر على استعادة دولته وصناعة مستقبله.
فليست تعز وحدها المحاصرة.. إنه اليمن الذي ينتظر رفع الحصار عن كرامته واستعادة دولته وميلاد فجره الجديد.



