بن بريك محافظاً لحضرموت… تحرير المكلا أبرز التحديات

  

يترقب أهالي محافظة حضرموت لمعرفة ما إذا كانت مسارعة الحكومة الشرعية اليمنية في تعيين اللواء الركن أحمد سعيد بن بريك محافظاً جديداً لحضرموت، مساء يوم الجمعة الماضي، خلفاً لعادل باحميد الذي قدّم استقالته على خلفية ما سمّاه “تهميش ولامبالاة الحكومة للمحافظة”، ستنعكس على قرار إيلاء أهمية أكبر لحضرموت والعمل على معالجة الأزمات والتحديات التي تواجهها. وتكمن أهمية حضرموت في كونها أكبر المحافظات اليمنية، وتملك أكبر مخزون نفطي في البلاد، فضلاً عن امتلاكها موقعاً استراتيجياً، وكانت ضمن أبرز المحافظات التي لم تلقَ اهتماماً حكومياً من قبل السلطات الشرعية خلال الأزمة الراهنة. وهو الأمر الذي دفع باحميد إلى الشكوى مراراً قبل أن يقدم استقالته.
وكان باحميد قد عُيّن محافظاً لحضرموت في ديسمبر/ كانون الأول 2014، آتياً من قيادة مؤسسة خيرية. وقد اصطدم بتركة ثقيلة، ليس أقلّها في تلك الفترة، سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء مروراً بتردّي الوضع الأمني في المحافظة. وما عزز التحديات التي واجهها سيطرة تنظيم “القاعدة” على مدينة المكلا في إبريل/ نيسان 2015، ليغادر على أثرها باحميد المدينة، متجهاً إلى العاصمة السعودية الرياض، لإدارة المحافظة من هناك.

 

من الرياض، حاول باحميد الاستفادة من قربه من السلطات الشرعية، التي اتخذت العاصمة السعودية مقرّاً موقتاً لها، لكن محاولاته باءت بالفشل، إذ لم يسجل التفات الحكومة لحضرموت وأزماتها الخانقة حتى بعد تحرير جميع محافظات الجنوب.

 

وعلى الرغم من أن حضرموت واجهت أزمات متعددة، بدأت بسيطرة “القاعدة” على المكلا، مروراً بأزمة النازحين من عدن وغيرها، الذين يُقدّر عددهم بأكثر من 30 ألفاً، فضلاً عن إعصاري تشابالا وميغ، وانتشار الأوبئة أخيراً، إلا أن كل هذه الأزمات لم تستفزّ الحكومة، لتقوم بتحرّك حقيقي، ما جعل باحميد يقدم استقالته.

 

وكان باحميد، طوال تسعة أشهر أقام خلالها في الرياض، قد قام بزيارة وحيدة أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي لوادي حضرموت، للوقوف على سير السلطة المحلية وإيجاد حلول لبعض الأزمات، لكن زيارته قطعت بعد أربعة أيام فقط لدواعٍ أمنية. غير أن أعقد المشكلات التي واجهها باحميد هي الملف الأمني، فخلفية الرجل المدنية، جعلت من التعامل مع محافظة تتقاسمها “القاعدة” وقبائل وسلطات شرعية أمراً في غاية الصعوبة. وقبيل استقالته بأيام اشتكى باحميد تجاهل الحكومة لحضرموت مهدداً بالاستقالة، إلا أن هذا لم يشفع في الاستجابة لطلبه، ليتخذ قرار الاستقالة نهائياً، مسدلاً الستار على عام كامل قضاه على رأس أكبر المحافظات اليمنية لتُلقى مهمة إدارة المحافظة على عاتق المحافظ الجديد أحمد بن بريك.

 

بن بريك… عودة العسكر

يمثل تعيين المحافظ الجديد اللواء أحمد بن بريك، عودة جديدة للعسكر لقيادة حضرموت، بعد تعاقب أربعة محافظين مدنيين عليها هم: طه عبدالله هاجر، وسالم أحمد الخنبشي، وخالد سعيد الديني، وعادل باحميد، على مدى السنوات الماضية. وكان آخر محافظ عسكري لحضرموت هو اللواء عبدالقادر هلال، الذي تولى منصبه من العام 2001 وحتى العام 2007.

 

بن بريك من مواليد عام 1952، مدينة الشحر، ساحل حضرموت. درس الابتدائية في مدرسة البدو الرحّل، بمدينة المكلا، قبل أن يواصل تعليمه في عدن، أيام كانت عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سابقاً. التحق بن بريك بالقوات الجوية في اليمن الجنوبي، ومن ثم درس في الاتحاد السوفييتي سابقاً، قبل أن يعود ويتدرّج في الجيش الجنوبي. ومع اندلاع الحرب الأهلية في الجنوب بين الأقطاب الحاكمة في العام 1986، هرب بن بريك مع الرئيس الحالي عبدربه منصور هادي، والرئيس الجنوبي الأسبق علي ناصر، وقيادات أخرى إلى الشمال. وهناك حاز على ثقة الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، الذي كان رئيساً للجمهورية العربية اليمنية. على الرغم من ذلك، وقف بن بريك في حرب العام 1994 بين الشمال والجنوب، إلى جانب القوات الجنوبية التي يقودها نائب الرئيس حينها، وآخر رئيس لليمن الجنوبي، علي سالم البيض، مشاركاً ضمن تشكيلاتها الجوية في قاعدة الريان بالمكلا.

 

وبعد العفو عنه وعن مجموعة من الضباط الحضارمة في قضية المشاركة ضمن القوات الجنوبية في حرب 1994، عيّنه صالح في العام 2001 مديراً لدائرة الرقابة والتفتيش في وزارة الدفاع. استمر بن بريك في هذا المنصب لعشر سنوات، ومع اندلاع ثورة 11 فبراير/ شباط 2011، أصدر صالح قراراً بتعيين بن بريك قائداً للمنطقة الشرقية، التي تشمل المنطقتين الأولى والثانية حالياً، لكن قائدها اللواء محمد علي محسن، الذي انضم للثورة، رفض القرار وأصرّ على مواصلة عمله، الأمر الذي حال دون تنفيذ القرار.

 

في 2013، وضمن حزمة القرارات التي أصدرها هادي، بهدف هيكلة القوات المسلحة اليمنية، عُيّن بن بريك ملحقاً عسكرياً في سفارة اليمن في مصر. وكان لا يزال يشغل هذا المنصب، حتى صدر قرار تعيينه محافظاً لحضرموت. وفضّل بن بريك خلال السنوات الماضية، العمل بعيداً عن الأضواء، لكن تعيينه على رأس أكبر المحافظات اليمنية، سيجعل التركيز عليه في انتظار التعامل مع تركة ثقيلة خلّفتها الأزمة الخانقة التي تمر بها البلاد.

 

تحرير المكلا… وملفات ساخنة
أمام بن بريك العديد من الملفات الساخنة، التي تنتظر قرارات حاسمة، وفي مقدّمتها الملف الأمني، المتمثل في إنهاء سيطرة “القاعدة” على المكلا، ووضع حلول للانفلات الأمني بوادي حضرموت، والعمل على استكمال المنطقة العسكرية الثانية.

 

على الرغم من تصريحات رئيس الحكومة خالد بحاح الأخيرة، التي كرّر فيها ضرورة تحرير مدينة المكلا من “القاعدة”، يُلاحَظ أن الشارع لا يعلّق عليها آمالاً كبيرة، وخصوصاً أن الواقع يشير إلى وجود تعقيدات كثيرة. أبرز تلك التعقيدات عدم استكمال المنطقة العسكرية الثانية، التي تشرذمت بفعل سيطرة “القاعدة” على المكلا، فضلاً عن عدم وجود قوات موالية للشرعية تتمركز بالقرب من المكلا، بالإضافة إلى هشاشة الوضع الأمني في محافظة شبوة، المحاذية لحضرموت من جهة الغرب.

 

يُضاف إلى ذلك، استبعاد خوض تشكيلات المنطقة الأولى في وادي حضرموت، بقيادة اللواء عبد الرحمن عبد الله الحليلي، لمعارك خارج إطار عملها، خصوصاً أن نطاق عملها يشهد انفلاتاً أمنياً، علاوة على عدم ثقة الشارع في ولاء أفرادها للشرعية. لكن تعيين هادي لعسكري على رأس محافظة حضرموت يحمل رسالة لتنظيم “القاعدة”، مفادها بأن “موعد مواجهتهم قد حان”، لكن هذه الرسالة تحتاج أيضاً لمعطيات حقيقية في الواقع.

 

وما لم تتعاون الحكومة مع المحافظ الجديد وترصد ميزانية ضخمة للمحافظة الأكبر والأهم في اليمن، فإن الوضع سيبقى على ما هو عليه، بل من المرجّح أن يزداد سوءاً مع التحذيرات التي أعلنتها قيادات عسكرية، من إمكانية سيطرة تنظيمي “الدولة الإسلامية” (داعش) و”القاعدة” على وادي حضرموت.

 

أما مهمة استكمال تشكيل المنطقة العسكرية الثانية فمرهونة بفتح معسكرات جديدة تابعة للشرعية، إذ إن الموجود الآن هو ثلاثة معسكرات فقط، تشرف عليها الإمارات، وتحتاج إلى مزيد من الوقت لتخريج أعداد كافية لتشكيل الألوية.

 

من جهة أخرى، يقف انتشار وباء حمّى الضنك كملف آخر أمام المحافظ الجديد، بعد وفاة قرابة 20 شخصاً وإصابة أكثر من 1500 آخرين، الأمر الذي يتطلب تدخلاً حكومياً سريعاً لمواجهة الوباء. وقد شكّل هذا الملف أحد أبرز القضايا التي دفعت باحميد لتقديم استقالته.

 

في هذه الأثناء، تبرز أزمات الكهرباء والمشتقات النفطية والصرف الصحي وإعادة الدراسة إلى جامعة حضرموت، كقضايا أخرى تمسّ حياة المواطن، وتتطلّب حلولاً سريعة لتطبيع الحياة في المحافظة، التي لم تشملها الحرب لكنها اكتوت بأزمات متلاحقة في العامين الأخيرين.