سباق أمن عدن: اغتيالات واعتداءات لإفشال خطة تثبيت الشرعية

  

تنهي عمليات التحالف العربي في اليمن يومها الـ300 وسط استمرار التحولات الميدانية لصالح الشرعية اليمنية في مختلف الجبهات، بما في ذلك اقتراب المعارك من أطراف العاصمة صنعاء وتهديد معاقل مليشيات الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح، لكن من دون أن تكون هذه التطورات الميدانية قادرة على إعادة إحياء المسار السياسي في البلاد.

 
وبانتظار نتيجة الجهود التي يبذلها المبعوث الأممي، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، لاستئناف محادثات السلام وتأمين وقف دائم إطلاق النار وتنفيذ القرار 2216، تحاول الشرعية اليمنية ضبط الأمن وتثبيت سلطتها في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرتها، وخصوصاً التي تحررت خلال الأشهر الماضية من مليشيات الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح. لكن هذه المهمة، تبدو في عدن تحديداً صعبة، في ظل التطورات الأمنية المتلاحقة في العاصمة المؤقتة للدولة الاتحادية، وسط مساعي مجموعات مسلحة مجهولة لضمان استمرار الانفلات الأمني في المحافظة الجنوبية.

 

 

بعد اغتيال محافظ المدينة السابق، جعفر محمد سعد، في ديسمبر/كانون الأول الماضي عقب شهرين على تعيينه، سارع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إلى تعيين عيدروس الزبيدي كمحافظ جديد لعدن فضلاً عن اختيار العميد شلال علي شائع كمدير لأمن المحافظة. أوكل هادي إليهما مهمة ضبط الأوضاع في المدينة، التي يتخذها كمقر لإقامته منذ عودته من الرياض، معتمداً على نفوذ الرجلين لقوي في الشارع الجنوبي نظراً لكونهما من أبرز قيادات “المقاومة الجنوبية” التي تصدت لمليشيات صالح والمخلوع في جنوب البلاد، فضلاً عن كونهما من القيادات البارزة في الحراك الجنوبي والتي تحظى بشعبية.

 
لكن لم يمض على بدء مهامهما سوى شهر حتى تعرضا لمحاولة اغتيال نجيا منها قبل أن يتعرض شائع لمحاولة اغتيال جديدة في مدينة التواهي بعدن، أول من أمس الأحد، لكنه نجا منها بعدما انفجرت السيارة المفخخة التي كانت تسعى للوصول إلى منزله عند البوابة الخارجية المؤدية إلى مقر إقامته عقب اصطدامها بمدرعة للحراسة الأمنية، فيما قتل عدد من الأشخاص.

 
وترفع محاولة الاغتيال الثانية التي تعرض لها شائع مستوى التحدي بين الشرعية اليمنية والخلايا المسلحة، ولا سيما أنها استهدفت منزل الرجل الأول على رأس الأمن في عدن. مع العلم أن منزله لا يبعد سوى مسافة ما بين مائتين إلى ثلاثمائة متر عن مقر سكن محافظ عدن العميد عيدروس الزبيدي.

 
وتعد محاولة الاغتيال تصعيداً للاعتداءات في المحافظة التي تبدو أنها أصبحت تعيش تحت وطأة سباق بين مساعي الحكومة لاستكمال الانتشار الأمني في المحافظة وبين الخلايا التي تسعى لإيقاف إجراءات الدولة لتثبيت شرعيتها، وفق ما تردده مصادر حكومية.

 

 

وكانت محافظة عدن قد بدأت منذ أسابيع حملة واسعة النطاق لملاحقة الخلايا الأمنية والجماعات المسلحة فضلاً عن البدء في الانتشار الأمني والسيطرة على المرافق الحكومية، بما فيها المنافذ السيادية البحرية والجوية فضلاً عن مراكز الشرطة. كما سعت لملاحقة منفذي الاغتيالات. وفي السياق، تمكنت السلطة المحلية من تحقيق عدد من الانتصارات كسيطرتها على موانئ عدن الرئيسية، فضلاً عن تسلمها مطار عدن الدولي. ويضاف إلى ذلك تم القبض على عدد من الخلايا وضبط معامل ومصنع لعبوات ناسفة فضلاً عن إحباط عمليات كانت تسعى لتنفيذها بعض الخلايا.

 
وبدا واضحاً أن هذه الإجراءات الأمنية باتت تشكل تهديداً لوجود الجماعات المسلحة، وهو ما دفعها إلى تكثيف اعتداءاتها في مناطق عدة من عدن. وقد برز هذا التوجه في عمليات الاغتيال التي طاولت ضباطاً وقضاة وقيادات في “المقاومة” ومسؤولين في الاستخبارات قبل أن تصل ذروتها باستهداف قيادة محافظة عدن. فعقب محاولة الاغتيال الأولى التي تعرض لها الزبيدي وشائع، اللذين كان يرافقهما محافظ لحج ناصر الخبجي قبل أسبوعين، سارعت قيادة عدن إلى تأكيد أنها ماضية في تطهير عدن من الجماعات المسلحة والخلايا النائمة والخارجين عن القانون وإعادة الأمن إلى عدن مهما كان الثمن. وأوضحت في أكثر من مؤتمر صحافي أن لا مكان للخلايا المسلحة في عدن، ولا سيما بعد دعم قوات التحالف العربي للأجهزة الأمنية في عدن بمعدات وآليات أمنية، ساعدتها في تحقيق بعض التقدم في ملاحقة المجموعات المسلحة.

 
لكن عمليات الاستهداف تواصلت وازدادت منذ بداية شهر يناير/كانون الثاني الحالي لتضم مستهدفين جدد إلى قائمتها، بما في ذلك رجال المرور ودوريات للأمن، في إشارة واضحة إلى تصميم على استهداف خطة الانتشار الأمني ومحاولة إعاقتها. ووصل الأمر إلى حد تفجير أنبوب النفط في البريقة، لكن سرعان ما شنّت قوات الجيش والأمن مداهمات غرب عدن بغطاء من مروحيات الآباتشي. وتمكنت من القبض على العديد من عناصر الخلايا فضلاً عن كشف مصنع للمتفجرات وتصنيع العبوات الناسفة.

 
وتقول مصادر حكومية وأخرى في السلطات المحلية إنّ قيادة عدن والأجهزة الأمنية تمكنت من تحقيق الكثير من الإنجازات منذ بداية الإجراءات الأمنية التي بدأت عقب اغتيال محافظ عدن السابق، بما في ذلك بدء تطبيق خطة الانتشار الأمني وتخريج دفعات من “المقاومة” ودمجها في المؤسسات الأمنية، ومحاولة حصر السلاح بيد السلطة عبر منع انتشاره وإغلاق محلات بيعه فضلاً عن حل مجالس المقاومة.

 
وفي السياق، لا يفصل البعض بين الاعتداءات الأمنية المتزايدة والتطورات السياسية، وربطها بمحاولة خلط الأوراق من قبل أطراف في صنعاء فضلاً عن أطراف خارجية. ويستند هؤلاء إلى أن شائع قال في تصريحات صحافية قبيل محاولة الاغتيال الثانية التي تعرض لها أن لدى قيادة محافظة عدن دامغة على تورط دول إقليمية بالأحداث في عدن بالتعاون مع الحوثيين والرئيس السابق.

 

 

من جهتها، تشير مصادر سياسية تحدثت إلى أنّ “هناك أطرافا تسعى إلى عرقلة توجهات الحكومة في تأمين المناطق المحررة وتستغل الحديث عن مفاوضات سياسية مرتقبة لكي تصور أن الجماعات المسلحة تنتشر في المناطق المحررة”. وتعتبر المصادر نفسها أن “جميع الرهانات خاسرة على هذه الورقة، فالرئيس يتواجد في عدن ويشرف على كل إجراءات الأمن بما في ذلك الانتشار والتأهيل والتدريب لقوات الجيش والأمن، وبدعم لوجستي وعسكري من قوات التحالف وفي مقدمتها الإمارات والسعودية”.