عام من سيطرة “القاعدة” على المكلا… المكاسب والخسائر

حضرموت ــ عارف بامؤمن

مرّ عام على سيطرة تنظيم “القاعدة” على مدينة المكلا ومناطق ساحل حضرموت، كبرى محافظات الجمهورية اليمنية شرقاً، على وقع غارات الطيران الأميركي والتحالف العربي، وهي السيطرة الأهم والأطول للتنظيم على مدينة يمنية خلال السنوات الأخيرة. سيطر التنظيم على مدينة المكلا، مركز محافظة حضرموت، في 2 إبريل/ نيسان عام 2015 في عملية غامضة أثارت تساؤلات كثيرة حول خلفيات تسليم ألوية الجيش اليمني والحرس الجمهوري، المحسوبين في حينها على الرئيس السابق علي عبد الله صالح، والقوى الأمنية للمدينة، وإطلاق سراح 300 سجين من السجن المركزي خلال أقل من ثلاث ساعات، صاحبتها اشتباكات محدودة.

 
ومنذ أيامه الأولى في المكلا، أعلن التنظيم المدينة كما يسميها “ولاية إسلامية”، إذ أقام محكمة شرعية تفصل في قضايا المواطنين، كما دأب التنظيم بين حين وآخر على تشريع عقوبة الجلد والرجم لمتهمين بارتكاب جرائم أخلاقية، فضلاً عن تنفيذه عقوبة الإعدام بمتهمين بالتجسس، والسحر والشعوذة، والقتل المتعمّد. كما أنشأ التنظيم جهاز الحسبة، الذي يمارس عمله في الشارع من خلال دعوة السكان للصلاة ومداهمة الأوكار المشبوهة.

 
مكاسب عسكرية واقتصادية
لعل أبرز ما حققه التنظيم من سيطرته على مدينة المكلا، هو استحواذه على سلاح ثقيل ومتوسط غنمه من معسكرات الجيش والأمن. فإلى جانب سلاح معسكر اللواء 27 ميكا، أحد أكبر المعسكرات في المحافظة، سقط في يد “القاعدة” أيضاً اللواء 190 جوي، ومقرّ المنطقة العسكرية الثانية، فضلاً عن معسكرَي الحرس الجمهوري والنجدة، ومبنى فرع القوات الخاصة. كل هذه المعسكرات كانت كفيلة بامتلاك التنظيم ترسانة من الأسلحة قد تشكل خطراً على مستقبل اليمن.

 
ويتنوع السلاح الذي غنمه التنظيم ما بين مدافع صغيرة، وعدد من الدبابات، وقذائف “الآر بي جي”، فضلاً عن سلاح الكلاشينكوف، ومعدلات 23، وأكثر من مليون قطعة من ذخيرة مخزن السلاح في اللواء 27 ميكا، إضافة إلى ترسانات حربية استحوذوا عليها من اللواء 190 جوي، بحسب ما كشفه مصدر عسكري لـ”العربي الجديد”، في وقت سابق. وبحسب محللين عسكريين وسياسيين، تسهم هذه الغنائم في تمويل عمليات التنظيم العسكرية لسنوات مقبلة، وتثبيت جذوره في حضرموت. وهو تحدٍ جديد أمام السلطات اليمنية التي تواجه معارك عدة، حالياً، في مدينة عدن جراء نشاط الجماعات المسلحة التي استفادت من مناخ الحرب الأخيرة هناك.

 
كما أتاحت سيطرة التنظيم على مدينة المكلا فتح عدد من المعسكرات التدريبية واستقطاب مئات الشبان إلى صفوفه، مستغلاً الرأي العام المناهض للحوثيين حينها، باعتبار أنّ من يتم تدريبهم سيحمون المدينة من المدّ الحوثي. كما استفاد من هذه الخطوة تصدير مقاتليه لعدد من المناطق في جنوب البلاد. واستطاع التنظيم خلق حاضنة شعبية نسبية له في ساحل حضرموت، من خلال دعمه لبعض الخدمات التي تمسّ حياة السكان، مثل الكهرباء، والمياه، والمشاركة في إصلاح ما خلّفه إعصار تشابالا عام 2015، مستغلاً عجز الدولة عن القيام بدورها.

 

في موازاة مكاسبه العسكرية المهمة، أمّن التنظيم خزينته المالية لسنوات مقبلة، بعد تمكّنه من الاستحواذ على أموال فرع البنك المركزي بالمكلا فور سيطرته على المدينة، والتي تقدّر بحوالي 27 مليار ريال، أي ما يزيد عن 125 مليون دولار. كما تشكّل أموال الجمارك التي يجنيها التنظيم من مستوردي الوقود والبضائع عبر ميناء المكلا ولمدة عام كامل مصدراً آخر لتعزيز خزينته المالية. وجنى التنظيم ملايين الدولارات كجبايات من مستوردي البترول بعدما ارتفع سعره لأكثر من 200 في المائة، خصوصاً في الأشهر الأولى لسيطرته، مستغلاً الأزمة الخانقة في الوقود التي مرّت بها المحافظة والبلد عموماً.

 
وقدّر وزير النقل السابق، بدر باسلمه، في وقت سابق، ما يجنيه التنظيم يومياً من عائدات النفط والبضائع الأخرى بمليار ريال يمني يومياً، أي ما يعادل 4.651 ملايين دولار. وكان المجلس الأهلي الذي أدار المكلا لأشهر عدة العام الماضي قبل أن يصبح خارج اللعبة نتيجة لمشاكل داخلية، اتهم تنظيم القاعدة ببيع كميات من النفط الخام بميناء الضبة النفطي الذي يقدّر المخزون الخام فيه بحوالي 3 ملايين برميل، في حين قال التنظيم إن الخطوة أتت لإيجاد حلول لوضع الكهرباء المأساوي في ذلك الوقت.

 

فاتورة باهظة
في المقابل، دفع “القاعدة” ثمناً باهظاً لسيطرته على المدينة، إذ تتمثل خسارته الأبرز في حصد قياداته البارزين الواحد تلو الآخر جراء الغارات التي تشنّها طائرات “الدرونز” (طائرات من دون طيار). ومنذ نشأة التنظيم لم يخسر هذا العدد من قياداته في المدة الزمنية ذاتها. ويرى محللون سياسيون أنّ سيطرة التنظيم على المكلا وانتقال معظم قياداته إلى المدينة بداية الحرب، كشف تحركاتهم للطائرات الأميركية التي استمرت طلعاتها في حصد العديد من قادة الصف الأول للتنظيم، أبرزهم: زعيم التنظيم ناصر الوحيشي، والقادة نصر الآنسي، ومأمون حاتم، وإبراهيم الربيش، وأبو صهيب، وغالب باقعيطي، وأخيراً القيادي الميداني البارز جلال بلعيدي الذي قتل بغارة جوية في أبين، وأبو نور الكثيري الذي قتل في اشتباكات مع “المقاومة الشعبية” على مدخل عدن بعد خروجه من مدينة المكلا.

 

لكن الضربة الأكثر قساوة التي تلقاها التنظيم تمثلت في مقتل 26 متدرباً وجرح 30 آخرين في غارة جوية شنّتها مقاتلات أميركية على معسكر تدريبي تابع للتنظيم في منطقة حجر، غربي المكلا، في 23 مارس/ آذار الماضي. وتلقى الشارع الحضرمي هذه الحادثة بصدمة كبيرة، باعتبار أنّ معظمهم شباناً التحقوا حديثاً بالتنظيم. لكن الأخير أصدر بياناً قبل أيام، قال فيه إن “المعسكر عام وهو لإعداد مقاتلين لمواجهة الحوثيين في محافظة البيضاء، وليس خاصاً بأنصار الشريعة”.

 

مستقبل التنظيم
بعد تدخل محدود للتحالف العربي خلال الأشهر الماضية تمثّل في تحذير سفن غير مرخّصة في ميناء المكلا، واستهداف مخزن للأسلحة في ضواحي المكلا، يبدو أن التحالف دخل مرحلة جديدة في التعامل مع التنظيم، من خلال الغارات الجوية طيلة الأيام الماضية، والتي استهدفت عدداً من مواقعه، ووصفها نائب رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء اليمني، خالد بحاح، بـ”الدقيقة والموفقة”.

 

ويشير محللون سياسيون إلى أنّ تأخر معركة تحرير المكلا يعود لاعتقاد القيادة السياسية أنّ سيطرة التنظيم على المدينة ورقة تناور بها الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، ولهذا تسعى السلطات اليمينة لتحرير العاصمة صنعاء، ومن ثم تتفرغ للمعارك الأخرى. لكن التطور الأخير، يشير إلى أن التحالف يحاول محاصرة التنظيم من الجو وتقليص نفوذه، تحاشياً لأي مغامرة جديدة، إذ استمر القصف، طيلة الأيام الماضية، مستهدفاً معسكرات تدريبية ومواقع للتنظيم في ساحل حضرموت.

 

ويرى هؤلاء المحللون أنّ الضربات التي يتلقاها التنظيم في أماكن عدة حجّمت طموحاته في التوسع الكبير والتراجع عن فكرة الخلافة العامة، ليكتفي فقط بإقامة نموذج في رقعة جغرافية معيّنة.

 

وفي هذا السياق، يقول المتخصص في شؤون تنظيم القاعدة، سعيد الجمحي، إن “التنظيم صار يكتفي بمجرد بسط السيطرة وتأكيد قدرته على التواجد في جزء من الأرض، وهي استراتيجية تغاير تطلعاته نحو التوسع، كما هو معروف عنه”. ويضيف أنّ “ذلك يعود إلى ما تحقق للتنظيم من مكاسب مادية كبيرة، إذ بات يجني أموالاً ضخمة من مقدّرات محافظة حضرموت. وتمكّن من تأسيس دويلة تحاكي فكرة الخلافة التي أنشأها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مع فارق بين قدرة الأخير على التوسع واكتفاء قاعدة الجزيرة العربية بجزء من اليمن، مع تمدد شكلي إلى بعض المحافظات المجاورة”، على حدّ تعبيره.

 
ويرى الجمحي أنّ “قاعدة” اليمن بات يدرك عجزه عن تحقيق ما كان ينادي به من فكرة الخلافة العامة التي سيحققها انطلاقاً من اليمن وبلاد الشام. ويلفت المتخصص ذاته إلى أن “هذا التوجه لدى التنظيم يعود إلى جملة من الأسباب، أبرزها: حالة الإرباك التي أصابت التنظيم، جراء ما حققه داعش في وقت قصير، والتساقط المتتابع لقيادات التنظيم تحت ضربات الطائرات الأميركية، والذي يؤكد اختراق التنظيم وانكشافه أمام خصمه اللدود، الولايات المتحدة”، وفقاً له.

 

ويؤكد الجمحي أن عزلاً مجتمعياً حقيقياً قوبل به التنظيم في المجتمع الحضرمي، إذ لم يستطع التنظيم أن يتعايش مع أهالي حضرموت، على الرغم من محاولات التودد المستمرة من التنظيم لاستمالة الحضارمة، الذين لم يجدوا دولة تقوم بواجبها تجاه التنظيم، فاكتفوا بفرض العزلة المجتمعية على التنظيم. ويشير إلى أن الأخير يحاول أن يبلور نشاطاته العسكرية من خلال ادعاء أنه جزء من “المقاومة الشعبية” في المواجهات الجارية ضد الحوثيين وقوات صالح، ليكتسب التعاطف الشعبي، ولإظهار نفسه كطرف مظلوم ومستهدف من دون أن تكون هناك أي مبررات لاستهدافه.

لمتابعة أخبار نشوان نيوز على التلجرام اضغط هنــــــا

Print Friendly, PDF & Email
نشوان نيوز - العربي الجديد