أهم دلالات ورسائل استهداف السفير البريطاني في اليمن

سجل تنظيم القاعدة في اليمن أول حضور له في عام 2010م بتنفيذه العملية التفجيرية الفاشلة التي استهدفت السفير البريطاني بصنعاء تيم تورلوت يوم الاثنين الماضي.

وكان واضحا منذ الوهلة الاولى بأن العملية تحمل بصمات القاعدة حتى وان لم يصدر عن التنظيم أي بيان رسمي حتى لحظة اعداد هذا التقرير، فطريقة التفجير بحزام ناسف والطريدة المستهدفة وهو سفير الدولة الثانية الاهم في العالم بعد أمريكا في محور الحرب الدولية ضد ما يسمى بالارهاب، مؤشرين كافيين لحضور بصمة القاعدة.

وعقب كل عملية، فلابد أن يكون هناك عدة رسائل ودلالات تتقاذفها وسائل الاعلام المختلفة عن عديد أطراف. فالمصدر اليمني الرسمي، اعتبر الحادثة دلالة على عمق حالة “اليأس والعزلة التي يعاني منها تنظيم القاعدة في اليمن ومدى فشله في الظهور والتعبير عن نفسه” وأن العملية ترجمت حالة اليأس والفشل التي يعاني منها التنظيم خصوصا بعد الضربات التي استهدفت عناصره وكوادره خلال الفترة القليلة الماضية، وهي ضربات تقول المصادر الرسمية أنها تقارب الـ40 ضربة موجعة طالت عناصر وكوادر التنظيم خلال الأونة الاخيرة.

وعدت وزارة الداخلية الكشف عن مدبري محاولة الاغتيال الفاشلة للسفير البريطاني في وقت قياسي وكذلك اعتقال الممولين والمجهزين، ومن هم وراء العملية “إنجازا أمنيا كبيرا” في الوقت الذي لم تعلن فيه عن أي معلومات إضافية حول هوية هؤلاء المعتقلين باستثناء الاعلان المبكر والقياسي عن منفذ العملية الشاب “عثمان علي نعمان الصلوي”.

ويبدو ان الاجهزة الامنية كانت تستشعر وقوع مثل هذه العملية بعد الاعلان عن تشديد الاجراءات الامنية حول المنشآت النفطية والمصالح الاجنبية بصنعاء قبيل يوم واحد من الحادث. فقد ذكرت المصادر الامنية أن هناك معلومات تلقتها الاجهزة الامنية تفيد عن احتمال قيام تنظيم القاعدة بتنفيذ هجمات ارهابية ضد المصالح الاجنبية في اليمن.

غير أن ذلك لم يمنع المصادر الغربية من تسليط أضواء الشك والعجز على جهود الحكومة اليمنية التي عادة ما تتهم بالتقصير والانشغال عن مكافحة القاعدة بمواجهة الحوثيين في الشمال والاصوات الانفصالية في الجنوب، رغم الدعم الدولي المتزايد لليمن والمخصص في مجال ما يسمى بمحاربة الارهاب.

وتقول المصادر الغربية أيضا ان السلطة في اليمن لا تأخذ تهديدات القاعدة على محمل الجد بسبب أن القاعدة لا تمثل تهديدا مباشرا على الحكم، بل وعلى العكس من ذلك، ترى بأن السلطة تقوم بتوظيف واستثمار عمليات القاعدة في استدرار المزيد من الدعم الغربي.

وعلقت الصحف البريطانية على المحاولة الفاشلة لاغتيال سفير بلادها في صنعاء بالقول ان الحادث لايجب أن يمثل مفاجأة في بلد كاليمن. لكنها شددت على ضرورة مضي اليمن ومؤيديها الغربيين قدما في مكافحة الارهاب. وقالت صحيفة تايمز أنه “في الوقت الذي حاولت فيه الحكومة البرهنة على أن محاولة الاغتيال الفاشلة للسفير كانت علامة على إحباط تنظيم القاعدة من الهجمات المتكررة على مخابئه الجبلية، بينت المحاولة أيضا أن المقاتلين يركزون على توجيه ضرباتهم إلى العاصمة رغم التدريب المتزايد للقوات اليمنية على أيدي القوات الأميركية”. مشيرة الى تشتت جهود الحكومة اليمنية بما تعتبره اهتمامات أكثر الحاحا على الرغم من تعهداتها المتكررة بمعالجة قضية القاعدة.

وبحسب تأكيدات والد الشاب “عثمان علي نعمان الصلوي” فانه كان قد أبلغ أجهزة الامن شخصيا في وقت سابق بأن ابنه “عثمان” مختف منذ شهر ونصف، وأنه لم يعرف عنه شيء منذ ذلك الوقت وحتى سماعه بما فعله يوم الاثنين الماضي. موضحا ان عثمان لم تظهر عليه علامات التشدد حتى بعد خروجه من المعتقل الذي مكث فيه لمدة سنتين بتهمة القاعدة. وعبر عن أسفه للخلط الاعلامي بين ولده “المنتحر” وآخر يحضر الدكتوراة في بريطانيا منذ ثمان سنوات.

ولا شك أن العملية الجديدة للقاعدة جاءت لتشكل احراجا شديدا للحكومة اليمنية بسبب تزامنها مع زيارة وفد المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الامن الدولي، حيث نقلت المصادر الرسمية في ذات يوم العملية تصريح صحفي لرئيس الوفد “مايك سمث” يشيد فيه بجهود اليمن في مكافحة الارهاب.

كما تأتي بعد أن تزايد الاهتمام الدولي والغربي باليمن في الاونة الاخيرة وبصورة غير مسبوقة وخاصة منذ حادث تفجير الطائرة الامريكية فوق مدينة “ديترويت” في ديسمبر الماضي والذي اعلن تنظيم القاعدة في اليمن مسؤوليته عن الحادث، وكذلك بعد مؤتمر لندن الذي دعا له رئيس الوزراء البريطاني، والذي على ضوئه تقرر منح اليمن المزيد من المساعدات الغربية.

وقررت واشنطن ولندن تحديدا مضاعفة الدعم المخصص لليمن في هذا الاطار. وآخر حزم الدعم المعلن، أفصحت عنه واشنطن خلال الاسبوعين الماضيين ما أثار “غيرة” موسكو التي تطمح كما يبدو لعودة نفوذها الدولي القديم.

الغيرة الروسية التي عبرت عنها مصادر موسكو الاعلامية أشارت الى الغموض الذي يعتري علاقات التعاون بين صنعاء وواشنطن في اطار مواجهة القاعدة. ولفتت انتباه اليمنيين الى ان أمريكا قدمت الى العراق بحجة محاربة القاعدة. لكنها شككت وعرضت بجهود اليمن في هذا المجال وذلك بالاشارة الى طريقة استثماره لعمليات الدعم الغربي واعلانه شبه اليومي عن القضاء على القاعدة مثلما تعلن العراق وافغانستان.

وعلق موقع “روسيا اليوم” على قرار السلطات الامريكية بدعم القوات الخاصة اليمنية بمبلغ 34 مليون دولار بالقول أن المسؤولين الامريكيين أظهروا السر الذي يخفي برنامج مساعدة اليمن في محاربة الارهاب بعد أن كانت واشنطن ترفض التعليق على موضوع البرنامج متحججة بعدم ارادتها فتح اوراقها امام معارضي الحكومة اليمنية.

*********(ظهور العولقي وعمر فاروق )

ومن الدلالات اللافتة لعملية الاثنين الماضي، تزامنها أيضا مع الظهور الاعلامي للشيخ أنور العولقي والشاب النيجيري المتهم بحادثة “ديترويت” عمر فاروق. فالعولقي الذي صنف مؤخرا كأحد المطلوبين حيا أو ميتا للسلطات الامريكية، لم تكن صلته بالقاعدة قد تأكدت بعد، لكن ظهوره للمرة الاولى يوم الاثنين الماضي ضمن مادة اعلامية مسجلة تابعة للقاعدة، أكدت هذه الصلة حسب المصادر الامريكية.

وظهر العولقي على قناة الجزيرة محذرا من خطة أمريكية في اليمن على غرار ” الصحوات” في العراق. والعولقي الذي عرفه موقع القناة بأنه قيادي في تنظيم القاعدة، كان الدكتور أبو بكر القربي قد أكد بأن اليمن تنظر اليه كداعية وليس كأرهابي، وأنه مطلوب من واشنطن ان تقدم أدلة تثبت ادانته في ذلك. لكن بن فينزكي مدير مركز “إنتل سنتر” الأميركي للبحوث المتصلة بالإرهاب، أكد إن شريط الفيديو الذي بثته قناة الجزيرة يظهر بشدة صلة العولقي بتنظيم القاعدة.

وقال العولقي في التسجيل ان قائد القوات المركزية الاميركية الجنرال ديفيد بترايوس الذي زار اليمن “جاء ليتعامل مع واقع معين في العالم الاسلامي بعد تعرض الجيش الاميركي لتجربة قاسية في العراق وافغانستان”. مؤكدا أن “الخطة الاميركية الجديدة وفقا لتوصيات بترايوس تقضي بان ينسب الى المجاهدين اعمالا مثل القيام بتفجيرات في الاسواق يقتل فيها مسلمون ثم يقال ان هذه التفجيرات قام بها مجاهدون، او اغتيال شخصية معينة ثم يقال قتلها المجاهدون”. واوضح بأن الاميركيين يسعون الى انشاء “صحوات” مثل العراق “فيصبح اهل البلد يتقاتلون فيما بينهم والاميركيون يتفرجون عليهم”.

كما جدد التأكيد على ان كلا من الميجور الاميركي الفلسطيني الاصل نضال حسن المتهم بقتل 13 اميركيا في قاعدة عسكرية في ولاية تكساس الاميركية والشاب النيجيري عمر فاروق عبد المطلب الذي حاول تفجير طائرة اميركية يوم عيد الميلاد، هما من تلاميذه. وقال “أتشرف ان يكون امثال نضال حسن من طلابي، وبالنسبة للاخ عمر فاروق هو من طلابي كذلك واتشرف بذلك”.

وفي التسجيل الثاني الذي نقلته شبكة “ايه بي سي” الامريكية يوم الاثنين الماضي وقالت ان مصدره تنظيم القاعدة في اليمن، ظهر الشاب عمر فاروق عبد المطلب وهو يتلقى تدريبا محاولا التصويب على نجمة داود والعلم البريطاني وشعار الامم المتحدة.

وذكرت الشبكة الاميركية أن صحفي يمني يعمل لحسابها حصل على الشريط، وأن المشاهد تظهر الشاب النيجيري يتدرب مع اشخاص اخرين على اطلاق النار وتتضمن ايضا تصريحا باللغة العربية له يقول فيه انه يريد الاستشهاد مبررا اعماله ضد اليهود والمسيحيين وعملائهم.

وأكد مراقبون اعلاميون ان المشاهد تؤكد ما سبق ان ادلى به عبد المطلب لمكتب التحقيقات الفدرالي “اف بي آي” لجهة ان ثمة اخرين مثله في اليمن يتدربون على تنفيذ هجمات ضد اهداف غربية. ومع أن هذا الظهور الاعلامي المتزامن مع عملية الاثنين الماضي ينتظر التأكيد الرسمي من القاعدة لتوضيح خلفياته ودلالاته.

الا أن أهم الدلالات والرسائل التي بعثتها عملية الاثنين الماضي الى جانب الرد على الضربات الموجهة الى تنظيم القاعدة مؤخرا، وكذلك الرد على مؤتمر لندن وتعمق علاقات التعاون العسكرية والاستخباراتية بين صنعاء وواشنطن، فانها جاءت لتؤكد حقيقة القاعدة في اليمن كفكر وتنظيم وعمليات تقترب احيانا من مسألة التوظيف وتبتعد في اوقات آخرى نظرا لملابسات كثيرة.

وهذه العملية الجديدة مثل عمليات العام الماضي التي استهدفت سياح ومحققون كوريين، حيث بينت طريقة التفجير طبيعة العقيدة لدى القاعدة، وبين العمر الناشئ لمنفذيها قدرة التنظيم على تجنيد الشباب وصغار السن، وهو ما يؤكد ما ذهب اليه مهتمون بالتجربة عن ظهور جيل ثان من القاعدة يستعصي على التوظيف والتسييس. وبالرغم من اعتقاد البعض بأن العملية الجديدة قد تجلب المزيد من الدعم لليمن.

لكن التطورات الاخيرة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن صنعاء ليست بحاجة الى تضخيم مسألة القاعدة في المرحلة الحالية خاصة بعد ان تضاعف الدعم الغربي والامريكي لليمن. وهذا الدعم المتعدد مازال محاطا بسياج من السرية والغموض، وكما يثير “غيرة” قوى اقليمية ودولية طامحة في النفوذ، فانه يمثل مشكلة للمعارضة التي تطالب دائما بعلاقات قائمة على الصراحة والوضوح.

والاهم أن هناك جيل ناشئ من القاعدة ينتظر دوره في منازلة الغرب انطلاقا من الاراضي اليمنية وهو يعبر ضمن رسائله الكثيرة، عن مسألة استعداده وتحفزه لمواجهة أي غموض في علاقات التعاون مع اليمن.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية