الاتحاد بخدمة التفتيت في العراق

  أرنست خوري

لو كان متاحاً للعراقيين ترف الانفصال عن واقع خرابهم الكبير برهة، والتفكير بأدوات إعادة بناء عراقٍ ما، يوماً ما، لا يكون فيه الموت اليومي الخبر “العادي”، لأمكن العثور على مَن يسعد لظهور لمحة نور خارجةٍ من الظُلمة المعممة لمشهد نتائج الانتخابات العراقية الأخيرة.

فصول الظلمة الخارجة من نتائج الصناديق لا تُحصى؛ من فوز نوري المالكي، بما يمثله من تجديد للفشل المستمر على جميع الصعد، وبما يجسده من نقطة التقاء أميركية إيرانية مسؤولة، بشكل رئيسي، عن الخراب الكبير لعراق ما بعد الاحتلال، مروراً بفوز “الكتل الكبيرة” الأخرى، الشيعية والسنية العربية والكردية، الشريكة، بالتكافل والتضامن، عما آل إليه وضع بلاد الرافدين، وصولاً إلى ما أراد بعضهم الاحتفال به، وهو توحيد القوائم السنية العربية في تحالف جديد، أسوة بـ”التحالف الوطني” (الشيعي) و”التحالف الكردستاني”.

لكن، بين هذه الفصول وتلك، ظهر طرف نور، قليلة هي وسائل الإعلام “الكبيرة” التي سلطت الضوء عليه، وهو فوز ثمانية نواب “ليبراليين مدنيين” من أصل 328 مقعداً، هم من خارج “السرب”، ينتمون إلى كتلتين: “التحالف المدني الديموقراطي” في بغداد (3 نواب)، و”قائمة ائتلاف العراق” (5 نواب). تفيد المعطيات بأنّهم “شيء جديد” على الساحة العراقية، يستبشر كثيرون خيراً منهم، على الأقل، لناحية احتمال تعميم تجربتهم، والمراكمة عليها، على الرغم من ضآلة الإمكانيات الدعائية والمالية والميليشياوية، المتوفرة عند القوائم الطائفية التي تعتاش من خزينة الدولة، الأشبه بحنفية نفط لا عدّاد لها.

ولأنّ كل فال خير يولّد ما يبطله، خرج سريعاً نبأ ولادة “اتحاد القوى الوطنية العراقية” الذي يضمّ معظم الكتل السنية العربية، ليصبح لدى هؤلاء، أيضاً، “جبهة” موحّدة، من شأنها زيادة الاستقطاب الطائفي، لا التخفيف من حدّته.

لقد عرفت “العملية السياسية” في العراق، التي هندسها الحلف الأميركي ــ الإيراني الضمني، تجربتَين فاشلتين في إدارة الاستعصاء الطائفي: تجربة القوائم العابرة للطوائف، (مصير “القائمة العراقية” التي تزعمها إياد علاوي نموذجاً له)، وتجربة الكتل الطائفية الكبيرة، ذات اللون الواحد.

لا يزال أركان “البيت الشيعي”، ومن خلفهم إيران، يقاومون سقوط “البيت” في كل مرّة، يواجهون فيها تحدّي تشكيل حكومة جديدة، على الرغم من العداوات الكبيرة التي باتت موجودة بين المالكي وآل الصدر وآل الحكيم وبعض المرجعيات الدينية. في هذه الغضون، كان العرب السنة موزعين على لوائح عديدة “صغيرة”، ما حال، حتى اليوم، دون السير بالمزيد من تفتيت الأراضي العراقية تحت شعار الأقاليم، أسوة بكردستان العراق. أما اليوم، فإنّ “توحُّد” هؤلاء في إطار “اتحاد القوى الوطنية العراقية”، بحجة منع نوري المالكي من “سرقة” تأييد كتل سنية صغيرة، ليتمكن من التجديد لنفسه في ولاية حكومية ثالثة، من شأنه، أولاً، أنّ يوسّع من دائرة الديكتاتوريات الطائفية، وثانياً أنّ يبرّر للمتحمسين الجدُد فكرة الإقليم السني في الأنبار وصلاح الدين ونينوى، طرحهم، على قاعدة أنّ الموقف السني العربي بات موحّداً.

هكذا، يواصل السنة العرب في العراق ممارسة هوايتهم المفضلة، في السنوات الأخيرة، بانتحال صفة الأقليات المظلومة، وهو ما بات يغزو، بالفعل، عقلاً جمعياً في جزء لا يُستهان به من هذا المجتمع، وهو أداء لا يمكن أن تولَد عنه إلا مآلات كارثية انعزالية.

وبما أنّ ذكر اسم العراق بات مرتبطاً باللبننة طائفياً، كان الحريّ بأولياء الأمور في بغداد ملاحظة أنّ الأمر الوحيد الذي لا يزال يشفع لـ”الديموقراطية اللبنانية” أنّ المسيحيين في هذا البلد لا يزالون غير موحدين تحت “قطيع” سياسي واحد.

آن الأوان لكي يلاحظ حكام العراق، وناسه، أنّ مشروع الحلّ في بلدهم يبدأ بتفكيك الكتل الطائفية والقومية الكبيرة، وتذريرها بقدر الإمكان، لأنّ من شأن ذلك تأجيل التقسيم من جهة، وإعادة الاعتبار، ولو جزئياً، لقيمة المواطن الفرد المحرر من قيود رعيانٍ، لا يرون في ناسهم أكثر من غنم.