الفرس وسياسة العزف على الأوتار

السياسة هي الخاصية التي ترتبط بكل الأحداث والأعمال والإجراءات داخل الدولة والمعبرة عن وجود غايات مشتركة في المجتمع. وتسعى إلى ضمان تحقيق الأهداف والغايات السامية داخل هذا المجتمع، وذلك عن طريق تنظيمه والتنسيق بين أعضائه بواسطة القانون، لكن هذا لا يخرج عن الممكن والحالة الواقعية التي يعيشها المجتمع فهي فن تحقيق الممكن في ظل المتغيرات والإمكانات المتاحة.

والسياسة يمكن تقسيمها إلى السياسة الداخلية وهي المرتبطة بالحقل السياسي داخل الدولة والسياسة الخارجية المرتبطة بالحقل السياسي خارج حدود الدولة.
و السياسة نظريا تسعى إلى تحقيق آمال وطموحات الشعوب ولكن عمليا قد تُحرف عن مسارها الصحيح وتُستخدم من قبل بعض الأنظمة وبالأخص الاستبدادية في خدمة أهدافها ومصالحها الخاصة ، ساحقة لجميع آمال وطموحات شعوبها.
يُعد النظام الفارسي الحالي مثالا للأنظمة التي سحقت طموحات الشعوب الخاضعة لسيطرتها وحطمت آمالها. هذا النظام استخدم جميع الوسائل والطرق غير الشرعية لضمان استمراريته في الحكم وتوسيع نفوذه في الخارج ليصبح صاحب مشروع واسع يمتد خارج حدود حكمه، منتهكا لسيادة جيرانه.

الملفت للنظر إن النظام الفارسي في سياسته العدوانية لم يستثن جهة دون الأخرى فالكل مستهدف منه إلا من ارتضت له نفسه وقبل أن يكون ذيلا وعميلا للفرس. فهذا النظام عدواني ويمارس الإكراه ضد الشعوب الخاضعة لسيطرته وعنيفا وعدوانيا أكثر من السابق وأشد شراسة ضد أبناء الأمة العربية في بلاد الأحواز المحتلة وفي الأنحاء الأخرى من الوطن العربي. حيث هذا النظام أوجد الكثير من الأقنعة مثل بناء الحسينيات والمراكز الثقافية. عقد الندوات والمؤتمرات وأقام المعارض و.. طبق هذه السياسة ومارس الكثير من الأدوار التخريبية من بينها 1- غسل أدمغة الكثير من كان لهم احتكاك مع الفرس 2 – هيأ شريحة واسعة من أبناء الأمة العربية لاستخدامهم كأدوات لتنفيذ أوامره عند الضرورة 3- نشر الدعاية والخرافات والفتن بين الشعب العربي.
إن المخابرات الفارسية دخلت من بعض النوافذ واستغلت بعض نقاط الضعف عند العرب لتسويق أفكارها وصولا إلى ما ترنو إليه. ومن هذه النقاط

الظروف الاقتصادية المزرية: التي يعيشها البعض من أبناء الأمة العربية فتحت المجال أمام النظام الفارسي لاجتذاب كل من له حاجات اقتصادية وإغرائهم من خلال إعطاء الرواتب والمساعدات المالية والقروض والمنح الدراسية والعلاج المجاني وغير ذلك من الخدمات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى من ثم كسب ولائهم وجندهم لصالحه.

المذهب الشيعي: إن النظام الفارسي استغل نقطة الاشتراك الموجودة بينه وبين البعض من الأشقاء العرب وهي المذهب الشيعي وروج لأفكاره وعاداته وخرافاته بين هذه الشريحة من الأمة العربية وتمكن من استقطاب جزء منها وجعله ذيلا في جميع المواقف والممارسات يتبع الدولة الفارسية(إيران) ويعتبر ذراعا لتنفيذ مخططاتها.
استغلال نسب آل البيت: إن الفرس عن طريق سفاراتهم في بعض الأقطار العربية استغلوا نسب بعض القبائل والعشائر العربية التي تنحدر لآل البيت وتمكنوا من إقناعها أو جزء منها على أقل تقدير وتشييعها وبث الفكر الفارسي بينها .
استثمار الخلافات الداخلية: إن الدولة الفارسية استغلت الخلافات الداخلية البسيطة حول طريقة إدارة البلاد بين القوى السياسية داخل الأقطار العربية ووسعتها وفي بعض الأحيان عملت شرخا بين هذه القوى يصعب التئامه مما مكنها من إضعاف الحكومات العربية وإضعاف مواقفها أمام التعنت الفارسي في المنطقة العربية. وأيضا كسبت الدولة الفارسية مواقف متعاطفة من الجهات المعارضة للحكم في هذه البلدان وذلك ردا من المعارضة العربية على حكوماتها .
العزف على وتر المقاومة: استغل النظام الفارسي مشاعر الشعب العربي ومناهضته للاحتلالات وحبه للمقاومة والمقاومين وأصبح يعزف على هذا الوتر مدعيا أنه قوة الممانعة والصمود ضد اليهود و أميركا . وأيضا استثمر لصالحه تخاذل بعض الأنظمة العربية تجاه قضايا أمتنا المصيرية وأثر على الشارع العربي وكسب تعاطفه ومناصرته في الكثير من المواقف والقضايا التي تخص (الدولة الفارسية)إيران أو بالأحرى قضايا تصب في خانة الفرس ولا تمت للأمة العربية بأي صلة.
إن النظام الفارسي يدرك تماما طبيعة الأوضاع السياسية في المنطقة ومواقف الأنظمة العربية حيال تعنته وتدخلاته في الشئون العربية ، ويعرف جيدا أنها لن تستمر طويلا على هذا المنوال مهما قصر أو طال الزمن. لذلك يخطط ويبذل الكثير من الجهود ويحاول العزف على جميع الأوتار لخلق تناقضات داخل المجتمعات العربية وتفخيخها بقنابل بشرية من أبناء الشعب العربي وجعلها رهن إشارة ولي الفقيه لتفجيرها داخل الوطن العربي وإشعال الفتنة بين أبناء الجلدة الواحدة وحرقهم على غرار ما يحدث للشعب العربي العراقي.
إذن على القوى السياسية العربية الفاعلة الانتباه إلى هذه السياسة الفارسية(سياسة العزف على الأوتار) في الوطن العربي والتصدي لها بالطرق الممكنة من أجل إيقاف هذا الغزو الثقافي الفارسي -المرتدي لباس الدين، الهادف إلى غايات سياسية والموجه ضد العرب. وطبعا لن تكون هذه المهمة سهلة على القوى السياسية العربية بسبب ارتداء هذه الهجمة الفارسية لباس الدين والمذهب والتستر بمساعدة المستضعفين ومناهضة المحتلين .. ، وأيضا بسبب التغلغل الفارسي في المجتمعات العربية الذي وصل إلى النخاع وكسب تعاطف وولاء شرائح واسعة من الشعب العربي. ولكن لن تكون هذه المهمة مستحيلة. فالأنظمة العربية والقوى السياسية الأخرى تمتلك الكثير من الطاقات والإمكانيات التي تؤهلها لإدارة الصراع العربي الفارسي وتحقيق النتائج المرجوة . لأن الإمكانيات التي تتمتع بها الأمة العربية تفوق الفرس بالمرات، وكل ما تحتاجه الأمة العربية هو الإرادة الحديدية لاتخاذ القرارات الحاسمة وبناء إستراتيجية واحدة لمواجهة المد الفارسي في الوطن العربي وتوظيف الطاقات العربية وتفعيلها في هذا الصراع المصيري قبل فوات الأوان.

إبراهيم مهدي الفاخر
[email protected]