رمز اليمن نشوان بن سعيد الحميري

عبدالفتاح البتول

نشوان بن سعيد الحميري

من هو رمز اليمن نشوان بن سعيد الحميري ؟


هو نشوان بن سعيد بن نشوان الحميري اليمني المتوفي سنة 573هـ ينتهي نسبه إلى الأذواء من ملوك حمير، ومع شهرته وذيوع صيته وانتشار فكره إلا أن كتب التاريخ لم تذكر تاريخ مولده على وجه الدقة، وإن كان مولده في مدينة حوث بمحافظة عمران في الغالب. وهو رمز لكل يمني شريف يعتز بيمنه ويرفض الاستعلاء والاستعباد والدجل والعجز والتخلف.

نشوان الحميري برأي مراجع ومؤرخين:

قال الأصبهاني: وهو من شعراء الجبال ذكر أنه فحل الكلام قوي الحبك، حسن السبك وبلغني أن أهل بيحان (شبوة) ملكوه عليهم.

وقال ياقوت الحموي: أبو سعيد الحميري اليمني الأمير العلامة كان فقيها فاضلا عارفا باللغة والنحو والتاريخ وسائر فنون الأدب فصيحا بليغا شاعرا مجيدا استولى على قلاع وحصون وقدمه أهل جبل صبر حتى صار ملكا.

وقال الحافظ السيوطي: الفقيه العلامة المعتزلي النحوي اللغوي كان أوحد أهل عصره وأعلم أهل دهره فقيها نبيلا عالما متفننا عارفا بالنحو واللغة والأصول والفروع والأنساب والتواريخ وسائر فنون الأدب شاعرا فصيحا بليغا مفوها.

أما العلامة ابن خلدون فقد اعتمد على مؤلفات نشوان وأشعاره اعتمادا كبيرا في مؤلفه عن تاريخ اليمن والذي قام بتحقيقه المؤرخ اليمني الراحل محمد حسين الفرح.

وفي كل الأحوال فقد كان نشوان الحميري فريد عصره علماً من أبرز الاعلام في سماء اليمن والعرب، مفكراً ومؤرخاً ولغوياً ومفسراً بالإضافة لبروزه في النحو والصرف والأصول والأنساب، وسائر الفنون والآداب، كما كان شاعراً فصيحاً وكاتباً بليغاً، وباحثاً محققاً، اشتغل بالعلم والعمل والفهم والمعرفة، سلك طريق العلماء المجتهدين، والمفكرين المجددين، وإن كان في الكثير من آرائه وأفكاره يلتقي مع المعتزلة، وهذا توافق في الفكرة لا تقليداً، كيف وهو من أشد المنكرين على المقلدين، وكان يجادل أهل التقليد ويرد عليهم ومن ذلك قوله:

لا فرق بين مقلد في دينه … راض بقائده الجهول الحائر
وبهيمة عجماء قاد زمامها.. أعمى على عوج الطريق الحائر ِ

وكانت قضية الإمامة وحصرها في الفاطميين من أهم القضايا التي تصدر لها نشوان وخاض فيها، فقد كان ينكر حصرها في أسرة أو سلالة ويرى – كما يحكي في كتابه الحور العين- أن الإمامة تصلح في أي مسلم يكون أكثر الناس تقوى وأعلمهم وأقدرهم، ولا يحتكرها لنسب أو عرق او سلالة، وقد عبر نشوان عن ذلك شعراً بقوله:

إن أولى الناس بالأمر الذي هو أتقى الناس والمؤتمن
كائناً من كان لا يجهل من ورد الفضل به والسنن
أبيض الجلدة أو أسودها أنفه مخرومة والأذن ِ

ومن جميل ما قال في نسف نظرية ادعاء الحق الالهي:
حصر الولاية في قريش معشر هم باليهود أحق بالالحاق
جهلا كما حصر اليهود ضلالة أمر النبوة في بني إسحاق

وكرد فعل على النزعة الاستعلائية التي صبغت حكم الائمة الزيديين في اليمن فقد كانت النزعة اليمنية متحكمة في فكر نشوان الحميري وانتاجه، وكان يفتخر بقحطان، ويرفض الاستعلاء بالنسب والسلالة، وقد جرت بينه وبين الإمام الزيدي أحمد بن سليمان 532 – 565 هـ مناظرات ومحاورات شعراً ونثراً، فنشوان وهو معاصر لأحمد بن سليمان كان ينكر إمامته وفي ذلك يقول:

عجائب الدهر اشتات وأعجبها… إمامة نشأت في ابن الخذيريف
ما أحمد بن سليمان بمؤتمن … على البرية في خيط من الصوف

ولم يتوقف نشوان عند حد إعلان رأيه والجهر بفكره وإنما دعا لنفسه بالإمامة وتقلد الزعامة في ترجمة عملية لأفكاره وآرائه، فقد كان العلويون يتطاولون على نشوان ويمنيته، فأخذ يكتب ويؤلف مشيداً بملوك اليمن وحكامه قبل الإسلام، ويباهي بهم وبملكهم، كما أشاد وأكثر بدور اليمن واليمنيين في نصرة الاسلام والمسلمين.

لأجل ذلك تكونت لدى نشوان رغبة في الجمع بين شرف العلم والملك، فلم يكن يقنع بما حققه من المكانة العلمية والفكرية، بل سمت نفسه إلى الرئاسة والملك، وكيف لا يطمح إلى ذلك وهو سليل ملوك حمير والتبابعة والأذواء والأقيال والملوك، وكل هذا أدى إلى مضاعفة العداء لنشوان والنيل منه والإساءة إليه، فقد كان علماً مفرداً خاض معارك كثيرة كلامية، ومعارك عسكرية، وصال وجال في ميادين العلم والسياسة، والحرب والزعامة، ولهذا لا غرابة إذا عرفنا أن نشوان تعرض ويتعرض من زمانه إلى يوم الناس هذا للحملات العنصرية الظالمة والأحكام التعسفية الجائرة، وخاصة ذلك الحكم الذي اصدره الإمام عبدالله بن حمزة ضد نشوان بن سعيد الحميري بعد أن دعا لنفسه بالإمامة، وهو ليس من أولاد الحسن ولا الحسين، ومع أنه من أرفع بيت في اليمن، فقد أعلن عبدالله حمزة حكمه عليه، بأن يقتل وتقطع لسانه:

أما الذي عند جدودي فيه فيقطعون لسنه من فيه
ويؤتمون ضحوة بنيه إذ صار حق الغير يدعيه

وقد أيد وأكد على هذا الحكم الجائر عدد من أئمة الزيدية وعلمائهم ومن أبرزهم العلامة الهادي بن ابراهيم الوزير 758 – 822هـ فقال في كتابه – ازهاق التمويه- المسألة العاشرة: «ما تراه العترة الطاهرة في من صوب نشوان بن سعيد الحميري في هذيانه، وما أطلق به اسلة لسانه من الأكاليم المعوجة، السالكة غير محجة، وأما مساواة نشوان بأهل البيت وحكم المائل إلى مذهب نشوان فقد حكم عليه المنصور بالله الإمام عبدالله بن حمزة بقطع لسانه وقتله .. وهذه رواية المنصور بالله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، ولا أصدق منه راوياً ولا أفضل منه هادياً، رضينا بحكمه وبروايته واكتفينا بهديه وهدايته، !! هكذا صادق الهادي بن ابراهيم الوزير على حكم عبدالله بن حمزة في حق نشوان بن سعيد الحميري، وكل يمني يدعو لنفسه بالإمامة ويتطلع للرئاسة والزعامة، بل وكل من يساوي بين نشوان اليمني وأهل البيت!!

وتبقى شخصية نشوان بن سعيد الحميري المتوفي سنة 573هـ بحاجة لاكتشافها، ويكفي موسوعته الكبرى – شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم – هذا المعجم الفريد والكتاب العجيب والسفر الثمين، فهذه الموسوعة اللغوية والأدبية من أعظم وأهم كتب المكتبة العربية، وقد تم إهماله فترة طويلة حتى تمت طباعته قبل عدة سنوات في مجلدات أنيقة وطباعة فاخرة بتحقيق واشراف كوكبة من المؤرخين والمحققين اليمنيين.

من شعره:

يقول مخاطبا الشيعة الذين يأخذون بقول يحيى بن الحسين:

إذا جادلت بالقرآن خصمي أجاب مجادلا بكلام يحيى
فقلت :كلام ربك عنه وحي أتجعل قول يحيى عنه وحيا؟!! ِ

ورد على الحسن الهبل عندما قال:
آل النبي هم أتباع ملته … من مؤمني رهطه الأدنون بالنسب
وعندنا أنهم أبناءُ فاطمة … وهو الصحيح بلا شك ولا ريب ِ

فقال نشوان:
آل النبي هم أتباع ملته… من الأعاجم والسودان والعرب
لو لم يكن آله إلا قرابته … صلى المصلي على الطاغي أبي لهب ِ

من شعره في الفخر باليمن:

مِنّا التبَّايِعةُ اليمانون الأُلى … ملكوا البسيطة سَلْ بذلك تُخْبرِ

مِن كلِّ مَرْهوبِ اللقاء مُعصَّبٍ … بالتاج غازٍ بالجيوش مُظَفَّرِ

تعنو الوجوهُ لسيفهِ ولرُمحهِ … بعدَ السُّجود لتاجِه والمِغْفَرِ

يا رُبَّ مفتخرٍ ولولا سَعيُنا … وقيامُنا مع جَدّه لم يَفْخَر

وخلافةُ الخُلفاء نحنُ عِمادُها … فمتىنَهُمّ بِعَزْل والٍ نَقْدِرِ

وبكُرَهْنِا ما كان من جُهّالنا … في قتلِ عُثمانٍ ومَصرعِ حَيْدَرِ

وإِذا غَضِبنا غَضبةً يَمنّيةً … قَطَرت صوارمُنا بموْتٍ أَحمرِ

فَغدتْ وهادُ الأَرضِ مُترعَةً دماً … وغَدتْ شِباعاً جائعاتُ الأَنْسُر

وغدا لنا بالقهر كُلُّ قبيلةٍ … خَوَلاً بمعروف يَزينُ ومُنكَر

وإِناخَةُ الضِيفان فرضٌ عندنا … يلقى به الولْدِانُ كلَّ مُبَشرِ

وعندما زعم بعض الزيدية أن إماما لهم لم يمت وإنما رفعه الله إليه أنكر نشوان ذلك فاتهمه أحد الأئمة بالفساد فرد عليه نشوان:

من أين يأَتيني الفسادُ وليس لي … نَسبٌ خبيث في الأعاجم يوَجدُ

لا في عُلوج الرُّوم خالٌ أزرقٌ … أَبداً ولا في السود جَدٌّ أَسودُ

إِني من النَّسبِ الصَّريح إذا امرؤٌ … غلبت عليه العجم فهو مُولَّدُ

ما عابني نَسبُ الإِماء، ولا غدا … باللؤْم مُعْرِقُهُنّ لي بتردّدُ

مُوتي قُريشُ، فكلُّ حَيٍّ ميِّتٌ … للموت منّا كلُّ حيٍّ يولدُ

أغضبتم إن قيل مات إمامكم… ليس الإمام ولا سواه يخلد

قلتم: لكم إِرْثُ النبوّة دوننا … أَزعمتمُ أن النُّبُوَّة سَرْمُد

إن النبوة بالنبي محمد … ختمت وقد مات النبي محمد

منكم نبيُّ قد مضى لسبيله … قِدْماً فهل منكم نَبيٌّ يُعبَدُ

ِ

من أبرز مؤلفاته:

– الحور العين (موجود نسخة الكترونية منه في مكتبة الكتب لهذا الموقع)
– شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم..
– القصيدة الحميرية “النشوانية”
– خلاصة السيرة الجامعة لعجائب أخبار الملوك التبابعة (موجود في مكتبة الكتب لهذا الموقع)
– منتخبات في أخبار اليمن
– كتاب النقائض بينه وبين القاسميين أهل عيان والمدقة
فيه الكثير من الحوارات بينه وبين بعض علماء من الزيدية
– وصيته لولده جعفر
– التبيان في تفسير القرآن
– بيان مشكل الروي وصراطه السوي (مفقود)
– ميزان الشرع وتثبيت النظم (مفقود)
– صحيح التأليف والأمان من التحريف (مفقود)
– كتاب القلائد
– احكام صنعاء وزبيد.

 

عناوين ذات صلة: