الطائرة اليمنية: صاروخ فرنسي أم تقصير يمني؟!

في معرض كلامها عن تحطم الطائرة اليمنية قبيل هبوطها في مطار موروني في جزر القمر، تساءلت صحيفة فرنسية عما إذا كان الطيران لا يزال مأموناً. وخلصت إلى إجابة مفادها النهائي أنه لم يعد كذلك، لأن كل من هب ودب صار بإمكانه أن يؤسس شركة ويشتري بضع طائرات مستعملة ثم يبدأ باستغلالها دون توفير الحد الأدنى من شروط السلامة اللازمة.

قد يكون ذلك صحيحاً إلى حد ما، لكن الأصح هو أن حوادث الطيران لم تكن في يوم من الأيام نادرة الوقوع، حتى عندما تكون الطائرات مصنوعة من قبل كبريات شركات التصنيع ك”بوينغ” و”إيرباص”، ومستثمرة من قبل كبريات خطوط النقل ك”بان أميركان” و”إير فرانس” التي تحرص على سمعتها وتبذل الغالي والنفيس من أجل سلامة المسافرين.

لذا قد ينبغي القول إن الطيران ربما أكثر من غيره من مرافق المغامرة البشرية في مجال التكنولوجيا، هو في الأساس غير مأمون بدليل ساطع: كل هذه الملايين من الضحايا البشرية التي تقدم سنوياً في حوادث الطائرات والسيارات ومختلف الصناعات. ولو أن الحكمة اتخذت لنفسها موقعاً بين القيم المحركة لاهتمامات البشر ونشاطاتهم، لاقتضى الأمر ظهور فكرة تقول إن الأمر شبيه بركوب الأسد، وإن موت إنسان واحد في انفجار طائرة على ارتفاع ثلاثين ألف قدم أو في حادث سيارة على الأرض، هو أمر زائد عن الحد ولا يشكل تشريفاً لهذه الحضارة المزدهية بنفسها وبعظمة إنجازاتها.

هذا لجهة فلسفة المسألة، أما لجهة المسألة عندما تجري مقاربتها بالأساليب غير الأخلاقية الشائعة التي تُنتج فيها الحقيقة عن طريق الكيدية وصنوف الظلم والبطش، فإننا نجد في اللغط الدائر حول تحطم الطائرة اليمنية نموذجاً من نماذج الانتهازية التي تفرضها الجهات الممسكة بخناق العالم على جميع الشؤون الكبرى والصغرى في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة.

حجة الفرنسيين أن الطائرة اليمنية ممنوعة من الطيران في الأجواء الفرنسية والأوروبية بسبب تردي وضعها من ناحية الصيانة، وهذا كلام ردده الإعلام الفرنسي والأوروبي كما ردده سياسيون، بينهم وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير. لكن مسؤولين يمنيين أكدوا أن الطائرة نفسها حطت قبل أيام من وقوع الحادث في لندن وباريس، وطارت آلاف الساعات في الأجواء الأوروبية.

وتأتي شهادة المفوضية الأوروبية أقرب إلى دعوى اليمنيين، حيث أكدت أن الطائرة قامت برحلات إلى أوروبا، ولم يشر أي بلد إلى وجود ما يستدعي الخطورة فيها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى شركات التأمين الأوروبية، حيث ان مجرد التأمين عليها من قبل هذه الشركات يعني صلاحيتها للطيران، إضافة إلى عدم ورودها على القائمة السوداء الأوروبية للطائرات الممنوعة من الطيران.

هنالك إذن ما يستدعي التساؤل حول دعوى كون الطائرة ممنوعة من عبور الأجواء الأوروبية. وهذا التساؤل يضاف إلى تساؤلات أخرى حول ملابسات الحادث وما أعقبه من إجراءات: اذا علم الفرنسيون بوجود عيوب في الطائرة، فلماذا لم يقوموا بإخطار المعنيين بتلك العيوب، خصوصاً أن 63 فرنسياً كانوا في عداد ركابها؟

لماذا هذا السيل من التهم المسبقة قبل الحصول على أي معلومات حول الحادث؟ لماذا تتكلم السلطات الفرنسية عن العثور على الصندوق الأسود ثم تعود لنفي ذلك؟

لماذا في الوقت الذي يصر فيه الفرنسيون على ترؤس لجنة التحقيقات، يطلب رئيس جزر القمر إلى فرنسا أن تعمل على توحيد الجهود مع المعنيين (اليمن وجزر القمر)، لمعرفة حقيقة ما جرى؟

لماذا بعد تحديد المكان الذي غرق فيه حطام الطائرة، يعمد الفرنسيون إلى منع أو إعاقة وصول رجال الإنقاذ إلى ذلك المكان؟ لماذا لم يتمكن رجال الإنقاذ الفرنسيون من انتشال جثة واحدة، في وقت قام فيه صيادون محليون بانتشال كل ما انتُشل من جثث؟ لماذا جرى نقل الغواصين الفرنسيين من مكان الحادث إلى مكان آخر بعيد عنه؟ لماذا هذه السرعة في نقل الطفلة التي نجت بمفردها، بين الركاب ال(154)، إلى فرنسا تحت جناح التعتيم، خصوصاً أن الطفلة (14 عاماً) صرحت بأنها سمعت دوي انفجار خارج الطائرة؟

ولماذا كل هذا الصخب الإعلامي وكل هذا التفنن في إطلاق العنان لشتم الطائرة وأصحابها. تارة يجدون من يقول انهم وجدوا فأراً في إحدى طائرات الخطوط اليمنية، وتارة من يقول انه اضطر للوقوف على ساقيه طيلة الرحلة من صنعاء إلى موروني، وتارة من يكتب في صحيفة بالخط العريض ان الطائرة اليمنية صندوق قمامة طائر، مع كل ما يستبطنه ذلك من إيحاءات وتلويحات أقل ما يقال فيها انها ذات طبيعة عنصرية. علماً مع فارق القياس والتشبيه بأن تاريخ الطيران المدني سجل ما لا يُحصى من الحوادث التي تعرضت لها طائرات تابعة لخطوط فرنسا وغيرها من الدول المتقدمة، بينما لم يسجل حوادث تذكر للخطوط اليمنية أو غيرها من خطوط البلدان الفقيرة التي تسعى الشركات الكبرى إلى كسر أسواقها بكل السبل، بما فيها الرخيصة.

دوي الانفجار خارج الطائرة وتصريحات السفير الفرنسي في جزر القمر عن وجود قطع بحرية فرنسية في مكان الحادث قبل وقوعه بيوم واحد، والكلام عن إجراء مناورات بحرية فرنسية غير معلنة في منطقة الحادث، وأطماع فرنسا في جزر القمر وغيرها، والاحتشاد الدولي حول الصومال والبحر الأحمر وبحر العرب.. كل ذلك يجعل في ظروف التصرفات الفرنسية غير الطبيعية في التعامل مع الحدث من إسقاط الطائرة اليمنية بصاروخ أطلقته قطعة بحرية فرنسية فرضية من الضروري أن يُعمل عليها بشكل جدي، بدلاً من تمييع المسألة وتوجيه التهم في غير الاتجاه الصحيح. ولكن هل بإمكان اليمن ومن وراءها من العرب أن يتخذوا الموقف المناسب من أجل إحقاق الحق في هذه المسألة؟ في وقت تُنتهك فيه كبريات الحقوق وأكثرها قداسة دون حسيب أو رقيب؟

– كاتب ومترجم عربي – لبنان