قالت الأعراب نريد الانفصال!!

إلى أبنائي : إبراهيم وعبد الرحمن وحبيب وابوبكر وراوح وزينب وفاطمة وكل إخوانهم وأقرانهم من أبناء هذا الشعب اليمني الكريم على امتداد حدوده من أقصى المهرة شرقا إلى أقصى الحديدة غربا ومن أقاصي صعدة شمالا إلى شمسان عدن جنوبا، هذه رسالتي إليكم وهي وصيتي إذا حان الأجل، فانتم لم تعيشوا معنا عقود التشطير الأليمة ولم تعانوا ما قاسيناه وكابدناه من مرارة الفرقة بين الأهل والأقارب في الوطن الواحد، فافهموا عني الدرس واستوعبوه جيداً واجعلوه نصب أعينكم في حاضركم ومستقبلكم.

يوم كان جنوب الوطن” عدن” شبيهة ب”دبي” اليوم تزخر بالرخاء الاقتصادي من تجارة (الترانزيت) في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات بسبب موقع مينائها الفريد وكذلك” المصافي” الذي أقامه الاستعمار، كان شمال الوطن يعيش أسوأ أيامه وأظلمها في ظل الحكم ألإمامي الكهنوتي الموغل في القهر والتخلف والضلال، والذي يريد الحوثيون اليوم في صعدة إعادتنا إلى تلك الحقبة المظلمة من التاريخ أيام حِّبابْ الُركَبْ والاستعباد السلالي العنصري المهين لكرامة الإنسان وآدميته وباسم الدين الحنيف المفترى عليه زورا وظلما وعدوانا.

في تلك الأيام اتجه أبائنا – أجدادكم – جميعا إلى عدن للعمل وطلب الرزق، وبعد أن توفرت لهم الأرزاق كلا فيما كتب الله له وقدرّ، قاموا باستقدامنا نحن آبائكم إلى عدن للتعليم، فالمدارس الإمامية كانت محصورة لفئات محدودة وليست لعامة الشعب كما هو الحال اليوم وكان التعليم بذاته بدائي جدا وبحسب حاجة الإمامة وما تريده.

وعند نزولنا إلى عدن لم يسمح لنا الاحتلال البريطاني بدخول المدارس الحكومية التي كانت هي الأخرى محصورة فقط لكل من خُلِقْ في مستعمرة عدن ويحمل (المخلقة) – شهادة الميلاد – أو من أبناء الجاليات غير اليمنية التي احضرها المستعمر للأعمال الإدارية في الميناء والمصافي والجيش.

وهذه الشروط كانت لا تنطبق علينا نحن الوافدين من المحافظات الشمالية.. كان شقيقي الأكبر” احمد” قد سبقني بالنزول من القرية إلى عدن نهاية الخمسينيات وبسبب الجيران الطيبين لوالدي الذي كان يعمل (سائق لنش بحري) فقد منحوه (مخلقة) ابنهم المتوفى الذي كان بنفس العمر مع أخي، فدخل بها المدرسة الحكومية باسم الولد المتوفى وليس باسمه الحقيقي، قبل افتتاح مدرسة” النهضة العربية” في الشيخ عثمان التي بناها الحاج /عبده حسين الادهل أطال الله في عمره والتي انضمت إلى كلية بلقيس عام57م) التي بنيت بتبرعات نخبة من أبناء الشمال من مقاولين وتجار أمثال المقاول/شمسان عون وسلام ثابت ومحمد عثمان ثابت والحاج/ هائل سعيد انعم رحمة الله عليهم أجمعين واستوعبت كل أبناء الشمال يومها..

والحاج الادهل له كتاب وثائقي في غاية الأهمية والتوثيق بعنوان (الاستقلال الضائع.. الملف المنسي لأحداث اليمن الجنوبية) وهو أهم مرجع في نظري للباحثين عن حقيقة تلك الفترة من تاريخ عدن و يعتبر أصدق اليوميات الموثقة بالصورة والمحضر والواقعة، ويحتاج إليه كل باحث منصف يحترم دينه وعقله وضميره وتاريخه ووطنه.

كما كان كثيرا من أبناء عدن يذهبون للشهادة (زورا يرضاه الله) في إدارة البلدية والمحكمة أن هذا الطفل (الشمالي) من مواليد عدن ولكن أباه لم يستخرج له مخلقة فتمشي الأمور بالكذب الأبيض كتعاون لأجل التحايل على قوانين الاستعمار وتعليم أطفال الشمال بجانب إخوانهم أطفال الجنوب.

وكانت هذه الحالة نابعة من الشعور الوطني أننا شعب واحد لغة وعقيدة وأرضا ودما وقدرا ومصير والاستعمار هو من أقام بيننا هذه الحدود لأهدافه ومصالحه، ولم تكن تخاف أي أسرة من إعطاء اسم ابنها لأي مواطن أو تشهد معه (بكذبة بيضاء) شريطة أن يكون يمني فقط، وليس من أبناء (الكومنولث) الجاليات الهندية و الفارسية و الصومالية وغيرها، وعندما نزلت أنا من القرية إلى عدن كان والدي قد تقاعد عن العمل في البحر واتجه نحو التجارة ولأن عمري لم يتجاوز السابعة يومها وبعيدا عن أمي وحنانها، لم تستطع إحدى الأسر العدنية الكريمة الساكنة جوار دكان والدي أن تستحمل رؤية ما أعانية وأنا في ذلك السن المبكر، أدرس صباحا وأجلس بجانب والدي حتى العاشرة ليلا.

ولأن أحد أبنائها كان يدرس معي في نفس الفصل فقد اقترحت الأم بكل كرم أهل عدن بأن أعيش في بيتها بجانب أولادها وبناتها، كما قالت في إقناع والدي (ويلكم من الله هذا طفل بحاجة إلى رعاية وحنان وهو بعيدا عن أمه خليه جنب أولادي وأنا أرعاه معهم) فعشت بينهم كريما معززا وكأنني أحدهم من ظهر أبيهم وبطن أمهم، كانوا يموتون ضحكا من لهجتي القروية ويغدقون عليّ حبهم وعطفهم جميعا، وحالتي أيضا لم تكن استثناء بل كانت هي الأخرى متكررة ومنتشرة.

وبعد أن استولى الرفاق – لا رفق الله بهم – على الحكم وبدأ الجنان الماركسي يطحن الجميع وأكملوها بكارثة التأميم، عندها فقد والدي كل شيء ثم توفى ودفن في مقبرة” الشيخ عثمان” وانتقلنا وأخي إلى الحديدة في مطلع السبعينات وهناك كان قد سبقنا كل التجار الذين عرفناهم في عدن من أبناء حضرموت ومعهم كثيرا من الكوادر الإدارية من أبناء عدن المتخصصين في الملاحة وأعمال البنوك والتأميم وغيرها لأن تجارتهم كانت عبر البحر فوجدوا في الحديدة متنفسهم الجديد حيث انتعشت الحركة التجارية خلال عقد السبعينات بشكل لم يسبق له مثيل وكان إخواننا الوافدين من عدن يستخرجون بطاقات الهوية كمواطنين يمنيين ويكتب في بياناتهم من مواليد (جنوب الوطن)، واستخرجوا السجلات التجارية واشتروا الأراضي وشيدوا المساكن والعمارات وأسسوا الشركات وافتتحوا الوكالات التجارية وعاشوا أزهى سنين تجارتهم حتى اليوم، ولم نسمع أحدا قال لهم يوما انتم (جنوبيين) اذهبوا بلادكم، أو انتم أتيتم تنهبوا أرضنا!! بل تناسبنا معهم وتناسبوا معنا، ويوم كانت السعودية لا تسمح بدخول أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية إلى أراضيها للعمل أسوة بإخوانهم أبناء المحافظات الشمالية بحجة أنهم ماركسيين.

كنا نذهب معهم للشهادة أنهم من مواليد محافظات شمالية بعد أن نعلمهم إجابات الأسئلة المتوقعة حتى لا يفتضح الأمر، فاستخرجوا جوازات بأسمائهم الأصلية مع عدم ذكر اللقب فقط، وكان هذا التصرف ليس رداً لجمائلهم بل كان واجبا أخويا ووطنيا وتجسيدا لمعاني الإخوة والهوية اليمنية الواحدة بيننا والتي سبقونا هم بها أيام الرخاء في عدن، واليوم وبعد قيام الوحدة المباركة فليس هناك مدينة تأثرت أبلغ الأثر في نشاطها التجاري والخدمي مثل مدينة الحديدة التي دفعت الثمن مرتين!!

ثمن الوحدة عندما تحول النشاط التجاري إلى ميناء عدن على حساب مينائي الحديدة والمخاء، وثمن الموقف السياسي في حرب الخليج الثانية، وعودة أكثر المغتربين العاطلين إليها!! ومع ذلك لم نسمع يوما أحدا في الحديدة يحمل هذه الوحدة حالة البؤس المزرية التي يعيشونها دون حل، فمعظم أبناء الحديدة غير المؤهلين يعيشون على مهنة الشحن والتفريغ في الميناء والمدينة أيام النشاط التجاري وقلة قليلة في مهنة الصيد وبعضهم في زراعة القطن والذي تم القضاء عليه نهائيا، فأصبح أكثرهم متسولين الآن أو في ممارسة بعض الأعمال البسيطة التي تطعمهم وجبة واحدة في اليوم فقط.

يا أبنائي إن الدهر يومان.. احدهما لك والآخر عليك.. والأيام دوال بين الناس في الرخاء والشدة، ولكل امة أعرابها وسفهائها وجهلائها كالمدعو(الفضلي) اليوم في أبين الذي يطالب بالانفصال ويحلم بعودة حياة السلاطين والعبيد والجواري والغلمان، وهؤلاء الأعراب الجدد هم أحفاد أعراب الأمس الذين نعتهم الله بقوله { الأعراب أشد كفراً ونفاق } فأجدادهم لم يؤمنوا بالإسلام لأنه ضد نزواتهم وهؤلاء لم يؤمنوا بالوحدة لأنها ضد أحلامهم بعودة السلاطين والأئمّة!!

والكفر ملة واحدة لذلك تجدهم يتكاملون مع الحوثية الإمامية و(القاعدة) – لا ثبت الله لهم قاعدة في وطننا – فلا يضركم كيدهم، ولا يضركم من ضل إذا اهتديتم ودافعتم عن وحدتكم فهي دينكم بعد الإسلام وعرضكم وشرفكم ومصدر قوتكم ونصركم، فلا تهنوا وتحزنوا وانتم الأعلون بإذن الله والله غالب على أمره ولكن المنافقين لا يفقهون!!

[email protected]