ملاحظات فضولية لصالح الحوثية

الكتابة ضد الحوثية ولصالح السلطة صارت موضة جرائدية، أما الكتابة بعكس ذلك التوجه أو لما قد يُفهم أنه لصالح الحوثيين فهي مغامرة غير محسوبة، ولصالحهم هنا قد تُفسر بأي شيء وبأقل شيء، فأن تدعو إلى الاحتكام للدستور والقانون ووقف الحرب فأنت متعاطف مع الحوثية، وأن تتحدث عن معاناة المدنيين والنازحين فأنت حوثي مفترض، وأن تدعو لعدم حشر الطائفية والعنصرية في زوايا الحوثية فأنت أيضاً متضامن مع الحوثية، وأما إذا كتبت مقالاً تتحدث فيه عن الأخطاء الحكومية والاتهامات غير المستساغة ضد الطرف الآخر في الحرب فأنت بلا شك قائد لإحدى الخلايا الحوثية النائمة أو المستيقضة كما كان حال الصحفي عبدالكريم الخيواني.

كان لابد من المقدمة السابقة كون هذه التناولة متعلقة بالتعقيب على ثلاثة مقالات قرأتها في العدد (460) من صحيفة الناس الأسبوعية التي أتابعها باستمرار وهو العدد الذي احتوى على تقارير وأخبار ومقالات كثيرة مثلت تغطية شاملة لحرب صعدة من عدة زوايا، لكن ما ورد في ثلاثة من المقالات المنشورة في ذلك العدد قد حفزتني على إيراد بعض الملاحظات عليها كما يلي:

أولاً: مع الأستاذ عبدالفتاح البتول

– كعادته لا يفوت الأستاذ عبدالفتاح البتول ذكر مصطلحات “الحوثية، الشيعة، الزيدية، الأئمة، الروافض، الملكية، الصفوية…الخ”، بمناسبة وبدون مناسبة، ونجده دائماً متحملا بتلك المصطلحات وبمن يطلقها عليهم فوق ظهره، طبعاً في مقاله الأخير استغرب مما سماها وسائل “القوة الناعمة والمرونة الزائدة والفرص الممنوحة والمعالجات الخاطئة والحلول الباطلة” التي استخدمتها الدولة في مواجهة الحوثيين، وفي ذات الوقت يصر على دعوة الحكومة إلى أن تستخدم المزيد من القوة والحزم والحسم الدموي، ولا أدري لماذا هذا الإصرار من قبل البتول وغيره من الكتاب على تناول قضية صعدة من منظار أيديولوجي استئصالي ضيق يحمل معه استرخاص النفوس التي تُقتل والدماء الغزيرة التي تسيل من الجانبين ومن المدنيين العزل حتى تصبح عندهم الدعوة للقضاء على تيار بعينه أو فئة بعينها هو بحد ذاته هدف مقصود وأمل منشود، مع أني قبل أسابيع فقط كنت قد قرأت للبتول مقالات حول احترام المخالف في الرأي أو الفكر أو القناعات؛ فلماذا يتسع سقف الانفتاح لدى البتول في مكان ما ولفئة ما ويضيق وينكمش وينقلب عكسياً في مكان آخر وأمام تيار آخر.

تطرق البتول لمن وصفهم “الذين في قلوبهم مرض” من المعارضين الذين لا يعجبهم شيء فإن تعاملت الدولة بالقوة قالوا أفرطت في استخدامها وإن تعاملت باللين والتفاوض قالوا إنها تتفاوض مع من يحملون السلاح وتتجاهل المناضلين السلميين، والحقيقة أنه ليس صحيحاً هذا التوصيف لأن هؤلاء المعارضين يطالبون السلطة بالتعامل بالوسائل القانونية وإطلاع الشعب على كل ما تقوم به وما يتم بينها وبين الطرف الآخر، فمثل هذه القضايا الهامة هي قضايا وطنية تهم الجميع وتؤثر على أمن واستقرار ومستقبل الجميع وليست خاصة بطرف أو طرفين من مكونات الشعب.

وجود الزيدية أو إنكار وجودها لن يغير من حقيقة ما تتعرض له فكراً وإنساناً وتأريخاً وتراثاً من استهداف وحرب وإقصاء ومحاولات طمس مع كون الزيدية تمثل أحد أهم مقومات ومرتكزات الهوية الإسلامية في اليمن عبر القرون الماضية، وإذا كان هناك من ينكر وجود أو بقاء الزيدية في اليمن فإنه بذلك – من حيث يشعر أو لا يشعر– يعطي صك شهادة مجانية لمن يسمون بالإثني عشرية بأن لهم وجودا كبيرا في اليمن وأنهم قد استطاعوا الوقوف في وجه الدولة، ويدرك بعض المسئولين خطورة مثل هذا التصوير، ويكفي التذكير بالتصريحات الأخيرة للدكتور الإرياني –أقرب مستشاري الرئيس- قبل أسابيع لصحيفة إماراتية والتي أكد فيها أن الزيدية مستهدفة، وهو ذات اللقاء الذي اعترف فيه الإرياني بأن مشكلة الحوثي كان يمكن حلها من البداية بغير الحلول العسكرية. مبررا تعامل أتباع الحوثي مع زعيمهم باعتباره “إمام زمانه وفريد عصره وأوانه” ومبررا استفزاز السعودية بالتصريحات النارية وما يتعلق بالاعتقادات الدينية والقناعات الفكرية وأمثالهما جميعها مبررات غير منطقية يتم على أساسها تسويغ شن الحرب على الحوثيين، والمفترض أن يكون تعامل الدولة كدولة في إطار مبررات ومسوغات دستورية وقانونية وليس لكونهم مجرد “عصابات صفوية” أو “فئة ضالة” كما يتم وصفهم.

أعجبني تأكيد الأستاذ البتول في معرض كلامه الموجة للحوثيين قوله: “الباطل لا يترسخ بالقوة العسكرية”، وهذا صحيح ضف إليه يا أستاذ أنه حتى الحق – كما يتصوره أي منا – لا يمكن أن يترسخ بالقوة العسكرية بل بالمنطق والحجة والاقتناع، ومن المعروف والمعلوم أن مواجهة أي فكر بالرصاص له دائماً نتائج عكسية تصب في مصلحة من يتشبثون بذلك الفكر بغض النظر عن صوابيته من خطئه، وحينما تسقط الدماء ويرتفع الشهداء دفاعاً عن عقيدة معينة فإن ذلك ما يزيد من يقين بقية من يعتنقونها ويغري غيرهم باعتناقها وتسلم الراية للدفاع عنها.

لا يمكن لأحد في هذا الوطن أن يزايد باسم الدين أو الوطنية على أي مواطن آخر، ودعوة المشترك لمكونات الحراك الجنوبي ولجماعة الحوثيين للمشاركة في التشاور الوطني هو في صميم المهام الوطنية المخلصة لبحث ومناقشة أهم القضايا الوطنية على طاولة الحوار الهادئ مع أصحابها وإيجاد الحلول الجذرية والواقعية لها، وأزعم وأجزم أن الأمور لم تتعقد ولم تصل إلى هذا الحال في شمال الوطن وجنوبه ووسطه إلا بسبب السياسات الخاطئة والإدارة بالأزمات وترحيلها واحتكار الوطنية وتوزيع صكوكها.

ثانيا: مع الأستاذ عادل الأحمدي

شاهدته مؤخراً خلال الأيام الماضية على شاشة قناة “الجزيرة” وهو يردد ذات الاسطوانة التي يرددها منذ بدايات حروب صعدة، الحديث عن ضرورة الحسم العسكري وخطورة الحوثيين وارتباطاتهم الخارجية ومشاريع دويلاتهم المستقبلية كدولة المكبرين الإسلامية وغيرها.

الأستاذ الأحمدي ليس مجرد كاتب أو صحفي فهو مؤلف وباحث وله كتابان حول حرب صعدة وكتاب في سيرة رئيس الجمهورية. الأحمدي يعتقد أن الرئيس باستطاعته “إخماد تمرد الحوثي وإخماد تمرد أشد منه” حسب قوله، ولكن لأسباب معقدة ومتشابكة وحسابات معينة لم يقم بذلك، وكنت أتمنى من الأستاذ الأحمدي أن يسرد سرداً مفصلاً جميع تلك الأسباب والحسابات وهي من مسؤولياته كباحث أو محلل، مع أني وقد يتفق معي غيري بأنه من غير المعقول أن يضحي الرئيس بسمعة جيشه في الداخل والخارج لعدة سنوات من أجل توازانات سياسية وهمية.

الدعوة للحسم والسير في طريق المزيد من القمع والدماء لن يحل المشكلة بتاتاً وعدم تحققه ليس عائداً إلى عدم رغبة لدى أطراف الحكم في ذلك كما يتحدث البعض؛ وإنما هو فعلاَ فشل متوقع من سلطة فاسدة وجيش هابط المعنويات يُساق للذبح في معركة عبثية لا يعرف لها هدفاً وفوق ذلك هو جيش مستهدف من قادته ويكفينا ما قرأناه عن توقيف مرتبات مئات الجنود المأسورين في صعدة بحجة الاشتباه في تواطئهم مع جماعة الحوثي في ما جرى لهم، وإلا ما الذي يدفع الدولة لاستدعاء الخطاب الطائفي والعنصري واستنفار مجاميع الفيد القبلية التي تسمى جيشاً شعبياً أو متطوعين أو “بشمركة” كما يسميهم أبناء صعدة.

أخيراً: مع الأستاذ صالح عبدان

الرسالة التي بعث بها الأخ صالح عبدان إلى من سماهم عقلاء الحوثية ليس يعنيني ما فيها إلا فضول التنبيه إلى ما وقع فيه الأخ عبدان من تناقض كان يجدر به الابتعاد عنه كي يكون عنوان رسالته متطابقاً مع محتواها. فقد بدأ الأستاذ صالح مقاله بجملة تهكمية تقول: “يا من تدعون أنكم تنتسبون إلى أهل البيت…”، طبعاً أنت يا أستاذ صالح تخاطب هنا من سميتهم “عقلاء وعلماء وحكماء الحوثية” فهل يليق هذا الأسلوب التعبيري في التخاطب مع من يُراد نصيحته. هذا أولاً، وثانياً هل فعلاً جميع الحوثيين أو حتى جميع عقلائهم وعلمائهم يدعون أنهم ينتسبون إلى أهل البيت، ثم إنه يتحدث بعد ذلك عن تهم موجهة للحوثيين معتقداً أن القارئ قد سلم له بها مباشرة وصدقها مثل اتهام الحوثيين بأنهم يستحلون الأعراض ولا يصلون الجمعة ولا يقيمون الجماعة وأنهم يعتبرون أبابكر وعمر رضي الله عنهما أشر وأكفر وأخبث وأفسد من علي عبدالله صالح وحكومته وأنهم مستأجرون لقتل العباد وتخريب البلاد ونشر الفساد…الخ. مثل هذه التهم بحاجة إلى بينات وعدم رميها جزافاً وأنا على يقين أنه لو كانت تهماً حقيقية لما بقي فرد واحد يقاتل في صفوف أولئك القوم.

فهل رسالة الأستاذ عبدان لأولئك رسالة أخوية كما سماها أم هي رسالة تشهير وعريضة اتهام للأعمال وللنوايا؟!

[email protected]