ما وراء التحرش الحوثي بالمملكة!

ما وراء التحرش الحوثي بالمملكة!

أطلق عليهم الكتاب ووسائل الإعلام اسم «الحوثيين» وصاروا معروفين به، يزعم عبدالملك الحوثي أن ذلك ليس مقبولا عندهم وأطلق عليهم آخرون جماعة المكبرين. غير أن اثنين من القريبين منهم وصفا الجماعة المقاتلة بجماعة الشعار، هما حسن زيد أمين عام حزب الحق والكاتب الصحفي أسامة ساري.

إذاً هم جماعة الشعار وهي تسمية غير مكتملة، إنها جماعة شعار الموت فعلا لليمنيين أما لأمريكا و”إسرائيل” لفظا، إذا نحن أمام أغرب جماعة في التاريخ جماعة الشعار. خذل الحوثيون حسن زيد الذي وصفهم في وقت سابق بأنهم بالنسبة للمملكة وفي أسوأ الأحوال عدو عاقل، إنهم وفي طور الجماعة المسلحة يستعدون المملكة فكيف لو صاروا دولة.

تناقلت وسائل الإعلام في بداية الحرب السادسة -الجارية- أن الحوثيين يتهمون المملكة بدعم السلطة وذلك مقابل اتهام السلطة لجهات إيرانية بدعم الحوثيين.

لا يوجد فرق لدى الحوثيين بين الحالتين تهمة بتهمة ورأس برأس لا فرق بين جماعة مسلحة تتلقى عونا من دولة ما وبين سلطة تتقلى عونا من سلطة مناظرة.

يدرك الحوثيون الفرق بين دولة كالمملكة تقدم عونا لسلطة صنعاء في حرب ضد مجموعة مسلحة على حدودها تعد امتدادا لخصم إقليمي، وبين حالة الحوثيين وإيران لكنهم يتجاهلون ذلك، ويشغلون وسائل الإعلام باتهام المملكة بتقديم العون للسلطة.
لماذا استعداء المملكة؟

بدأت تداعيات حرب صعدة تعبر الحدود إلى جنوب المملكة.

– معارك على الشريط الحدودي في الملاحيط.
– عبور شخصين لتنفيذ عملية في جيزان.
– مقتل عمال من المملكة.
– تحدث عبدالملك الحوثي عن قيام المملكة بتدريب مكتب في الربع الخالي لصالح الانفصاليين في الجنوب.

– عبدالرحمن الراشد يتحدث أن صنعاء أقرب إلى الحوثيين من الرياض، مجرد حديثه هكذا فيه دلالات على استجابة سعودية في إقرار بقوة الحوثيين، وأن أقصى الأماني تجسيدهم ولفت أنظارهم إلى صنعاء أنها الأسهل.

– ثم إن ذلك يفرض تساؤلا هل بلغت طموحات الحوثيين التطلع إلى الرياض ليقال لهم ذلك؟
الأصل أن الحوثيين يسعون لإثبات حسن نوايا تجاه المملكة للتخفيف من مخاوفها فلماذا يستعدونها؟

دوافع
1- الجمود الذي يطبع الحرب السادسة قد يحولها إلى حرب منسية وحتى تبقى حاضرة في الأذهان ووسائل الإعلام فإن التحرش بالسعودية كاف لذلك.

2- إقناع الأتباع أن الطموح الحوثي ليس محصور بشمال اليمن بل التوسع شمالا نحو جنوب المملكة مع وجود بيئة ملائمة تتمثل في الإسماعيلية وإقناع طهران بفاعلية الحوثيين في إقلاق المملكة.

حسابات

1- إن معلومات استخبارية عن حال المملكة أفادت الحوثيين بأن القيام بعمليات ولو محدودة ضدها وتحديها هو الأسلوب الأنجح لتحييدها وإقناعها بالجلوس معهم لتحييدهم.

3- إن حرب صعدة أو حروبها تعبر عمليا عن وجود لوثة عقلية لدى أطرافها وأنها أقنعت الحوثيين بإمكانيات إحداث تغيير واسع وأنه تم التعامل مع أنظمة ضعيفة في صنعاء والرياض معا -حسب ما يعتقد الحوثيون.

4- وجود قناعة لدى الحوثيين بأن المملكة مقيدة ولن يكون بإمكانها شن حرب مباشرة على الحوثيين لما سيجره عليها من تداعيات أقلها أن دخولها طرفا مباشرات تجعل الحوثيين أكثر إقناعا لأتباعهم لشن حرب عصابات ضد المملكة مباشرة.

مواقف

إن أطرافا متعددة تستفيد، فهذه الأطراف يسعدها توسع دائرة الحرب لتشمل جيزان ونجران والتسبب في اضطراب وارتباك المملكة.

ربما بإيحاءات إقليمية يقومون بتوسيع دائرة العمليات لتصل مناطق في المملكة وستكون النتيجة تخفيف الضغط على بعض جهات القتال والأخرى إقناع المملكة بضرورة تقديم المزيد من الدعم للسلطة.

طهران

لم يعد سرا ولا تخمينا الصلة لإيران بما يجري في اليمن لاسيما في صعدة، أن لها دوافعها المتصلة بأبعاد تاريخية -الوجود الفارسي قبل الإسلام- والاستراتيجية ذات الصلة بموقع اليمن والممرات المائية فضلا عن صلة التشيع بالحوثية، كل ذلك يضاف إليه التناقض مع المملكة السعودية.

تبدو الظروف مواتية والبيئة السياسية ملائمة لحضور إيراني مباشر عبر السفن الحربية وتدريب مليشيات حوثية في أرتيريا -حسب مصادر المعارضة الأرتيرية، وغير مباشرة عبر اتباع سياسة الأذرع والامتدادات، المعطيات الراهنة تفصح عن علاقة غير مفهومة سوية بين بعض التصريحات الرسمية وإيران، وتخفي خلفها الكثير من الفواجع التي تفصح في بعض حالاتها عن تعبية لطهران وإن حاولت تظهر -أحيانا- غير ذلك فالواقع ومعطياته واضح بما يكفي للقول إن إيران وصلت إلى العمق اليمني أكثر من 80 اتفاقية مع طهران من بينها اتفاقية أمنية، وتظل اتفاقية تشغيل محطة مأرب الغازية علامة فارقة وواضحة أخرى على طبيعة العلاقات.

خلاصة القول هنا أن أرتيريا ورئيسها أفورقي قد جعل من أرتيريا مركز استقطاب لإيران وإسرائيل والقاعدة واليمن صارت ميدانا لصراع إيراني سعودي وإيراني غربي، كل ذلك واليمن وحدها الخاسرة حاضرا ومستقبلا ثم السعودية المستهدفة من وجود إيراني ثم المنطقة العربية المنكوبة.

الشاهد أن توسع دائرة الحرب باتجاه الحدود السعودية هو في بداياته ويخدم الطرف الإيراني بالدرجة الأولى. واشنطن يكتنف موقفها فرضيتان: الأولى أن يكون توسيع دائرة الحرب من أهدافها، هنا قد يبدو الحديث غريبا وغير مستساغ ولقائل أن يقول هذه شطحة من شطحات الكتاب ونظرية المؤامرة.. أتفق ابتداءً مع من يحسب بأن واشنطن لا يمكن أن تجعل من أهدافها توسع دائرة حرب صعدة لتشمل أراضي سعودية. ذلك ما يبدو وللوهلة الأولى أما ما علمتنا واشنطن بأدائها وإدارتها لشئون المنطقة فإن من المحتمل وجود رؤية استراتيجية ضمنها السير في خطة مزدوجة من شقين: الأول السعي لشن حرب على إيران وإنهاء القلق من قوة إقليمية منافسة تشكل خطرا استراتيجيا على المدى المتوسط.

الثاني: إبقاء التناقض الشيعي السني حاضرا وذلك بالاحتفاظ بجيوب شيعية وتوسيعها إن اقتضى الأمر ذلك في إطار رسم الخارطة والتي منها قد تكون قيام دويلة شيعية تشمل أجزاء من شمال اليمن وجنوب المملكة وتوسع مملكة البحرين لتشمل المنطقة الشرقية للمملكة فقيام جيوب شيعية عربية بدون إيران سيجعل منها أدوات أمريكية.

إن هناك ما يعرف بتوظيف الأحداث ولقد برع الأمريكيون والغرب عامة بتوظيف الأحداث وإن بدت لأول وهلة ضدهم، فإن لم يكن أحداث يمكن توظيفها فيسعون لاختلاقها ولعل أكثر الأمثلة حضورا تنظيم القاعدة المصنف عدو أمريكا الأول لكنه أكثر الجهات خدمة للاستراتيجيات الأمريكية.

الفرضية الأخرى

أن تجعل تجاوز الحوثيين وتحديهم للمملكة تجاوزا للخطوط الحمراء ومن ثم اتخاذ إجراءات عقابية ضد الحوثيين من بينها إدراجهم في قائمة «الإرهاب» واتخاذ إجراءات وتدابير وقائية سواء بالدعم العسكري المباشر للسلطة أو بتوسيع الوجود العسكري الأمريكي ليشمل معظم الساحل اليمني.

وهناك فرضية ثالثة: ضبط إيقاع الأحداث بأن تجعل لها سقوفا: إذ يمكن توظيف الحوثيين لتحقيق أهداف غير معلنة تتصل باليمن والسعودية معا، والحيلولة في الوقت نفسه دون تهديد أمن مصادر الطاقة الموجه الأول للسياسة الأمريكية في المنطقة.

وذلك ما يفسر امتناع الأمريكيين عن إدراج الحوثيين في قائمة «الإرهاب» مع أنه شعاراتهم مثيرة للكراهية ومعادية «للسامية» حسب التوصيف الأمريكي.

إذا كانت تلك الاحتمالات واردة فإن أغلب الظن أن تصبح جماعة شعار الموت عبارة عن وسيلة تستغل وجودها أطراف متناقضة مباشرة وغير مباشرة، لإبقاء المنطقة في دوامة، ذلك ما تلتقي عليه مصالح أطراف خارجية هي في الأصل متناقضة متعارضة المصالح.

ماذا تصنع المملكة؟
المملكة تبدو في حال لا تحسد عليه، أقصى ما تتخذ من تدابير إقامة سياج، غير أن السياج مع الحروب والفوضى سيكون قليل الجدوى ولن يمنع انتشار المشكلات وتأثيرها على حدود المملكة، تلك المفارقات في هذه المنطقة المنكوبة: جماعة مسلحة تتحدى دولتين معا وكلتاهما تبدو عاجزة عن العمل.

الفرصة الأخيرة: قد يكون الحوثيون مجازفين بإقحام المملكة وتحديها، وذلك سيجعل المملكة في وضع الدفاع عن سيادتها وتقدم لها مبررات لشن عمليات عسكرية داخل الأراضي اليمنية وقد تجد تأييدا غربيا وأمريكيا يضر بالحوثيين بل يدفع الأمريكان للعمل ضدهم وإدراجهم في قوائم الإرهاب.

إن التحدي الذي يبديه الحوثيون للمملكة يندرج في حالة اللوثة التي تعصف باليمن واليمنيين، وأن حساباتهم هنا خاطئة وخسائرها ستكون جمة وعواقبها وخيمة عليهم.

وهذه الفرضية الأخيرة قد تكون راجحة.

___________
نشر هذا المقال قي تاريخ 27/10