السعودية وخناجر الولي الفقيه

السعودية وخناجر الولي الفقيه

مؤلمٌ حدّ الأذى ما يجري على الحدود الجنوبية للسعودية، فلأوّل مرةٍ منذ “حرب الوديعة” -التي كانت لها ظروفها التاريخية المختلفة تماماً عن واقع اليوم- يجري اعتداء على حدود السعودية بشكلٍ مسلّحٍ وعسكريٍ عبر خنجر إيران الحوثي في اليمن، ذلك الخنجر الذي انتهك بشكلٍ صارخٍ حدود السعودية، وما لم يكن في حسبانه هو أنّ السعودية قادرة على ردّ اعتدائه بكل قوةٍ تردعه وتردّه إلى مخابئه صاغراً.

لا نشك في قدرة القيادة السعودية والجيش السعودي على ردّ العدوان، ولكن علينا أن نتساءل هنا، وهي أسئلة مشروعة، بما أنّنا نعرف أنّ إيران هي المحرّك الأساس لجماعة “الحوثيين” ول”القاعدة” في اليمن وفي العراق وفي غيرهما، ونعلم أنّ إيران رغم رسائل الودّ الصادرة من السعودية والخليج والدول العربية تصرّ على إرسال رسائل الكراهية والعدوان، فما هو الواجب تجاهها؟

الواجب الأوّل: هو الفهم لسياساتها التخريبية والعدوانية، والواجب الثاني: هو الردّ على عدوانها بكل حزمٍ وقوةٍ، والواجب الثالث: هو ملاعبتها بذات الطريقة ونفس النهج، وعلى الباغي تدور الدوائر وعلى المعتدي البوار.

ومن حقنا هنا أيضاً إثارة أسئلةٍ أكثر إلحاحاً وصدقاً، فإذا كان أمن الوطن وحدوده وحمايته واستقراره خطاً أحمر لا يمكن التلاعب به أو الاعتداء عليه، فهل كانت إيران عبر -تصريحات كبار مسؤوليها- تخطط لإشعال موسم الحجّ ضدّ السعودية؟ وهل كانت تخطط لإقامة المظاهرات الغوغائية السياسية أو التفجيرات في الحج – كما سبق لها أن فعلت- في أكثر من موسم؟

والأخطر من هذا هو هل كانت –إيران- تخطط لتحريك عناصر تعتقد أنّها موالية لها في مناطق شتى في السعودية بالتزامن مع هذا الاعتداء الجديد؟ وهل كانت تخطط للقيام بتفجيرات وعملياتٍ إرهابية تقوم بها “القاعدة” وبخاصة “القاعدة في اليمن” التي أصبحت برسم البيع لكل مشتهٍ للعدوان مستوفّزٍ للاعتداء، والتي نعلم علاقتها الوثيقة بإيران؟

ربما كانت إيران تسعى لشيء من هذا القبيل، فالقارئ لتاريخ الجمهورية الإسلامية، والمراقب لتحرّكاتها يعلم أنّ هذا هو طبعها، منذ تصدير الثورة وحتى اليوم، وها هي تضع “حزب الله” خنجراً في خاصرة لبنان بدعوى أنّها تناغش إسرائيل وهي إنّما تناغش لبنان، وها هي تضع “حماس” خنجراً في خاصرة فلسطين لتناغش السلطة الفلسطينية، وها هي تضع خلاياها خنجراً في خاصرة مصر على حدود غزّة لتناغش القاهرة، أما العراق فحدّث ولا حرج، عن خلاياها التي تملأ خاصرته.

صناعة إيران لتلك الخناجر يتمّ عبر طريقين: إمّا عبر طريق التشييع السياسي وإما عبر طريق بناء الخلايا والتنظيمات اليقظة والنائمة، السياسية والمسلّحة، ورعايتها حق الرعاية ودعمها بكل سبيل من تدريب وتأهيل وتنظيمٍ وتمويل.

في العراق خناجر الولي الفقيه كبيرة وسامة، وقد ذاق منها العراق الأمرّين، سواء كانت تلك الخناجر خناجر سُنيّةً ك”القاعدة” وأضرابها، أم كانت خناجر شيعية كعديدٍ من التنظيمات والرموز، وبغض النظر أكانت تلك الخناجر ذات طابعٍ سياسي أم ذات تشكيل مليشيوي، فخناجر الولي الفقيه في العراق يشهدها الجميع ويقرّ بها من يراقب كما يثبتها من يعايش، والمعايش يشارك المراقب في الصدق ويزيد عليه، وفي الأدب العربي “ليس الخبر كالمعاينة”، وللقارئ أن يتتبع مرارة العراقيين من التدخلات الإيرانية على كافة المستويات.

إنّ خناجر الولي الفقيه في لبنان غير خافيةٍ على أحد، فهذا “حزب الله” الخنجر الأقوى والأكثر دعماً وتنظيماً وقوةً مسلّحة يعلن بمناسبة ومن دونها ولاءه التامّ للولي الفقيه وتسخير كل قدراته لخدمته لا لخدمة لبنان الوطن ولا لبنان الكيان المستقلّ.

وخناجر الولي الفقيه في فلسطين عبر “حماس” ظاهرة للعيان، وقادة “حماس” خاضعون في قراراتهم الكبرى والصغرى لإرادة الوليّ الفقيه، واضطرابهم بين المقاومة والصراع على السلطة يُدار بالريموت كنترول من طهران، وأحياناً من دمشق، دمشق التي تمثّل سيفاً عربياً صقيلاً نرجو ألا يتحوّل بقدرة قادرٍ إلى مجرّد خنجرٍ من خناجر الولي الفقيه.

وها هي خناجر الولي الفقيه تعمل عملها في اليمن عبر “الحوثيين”، وما يثيرونه من فتنة، وما يريقونه من دماء خدمةً للولي الفقيه وتوجّهاته وقراراته، فلا يعنيهم استقرار وطنهم ولا دماء مواطنيهم التي تراق بلا ذنبٍ وتسفك بلا جريرةٍ، فضلاً عن محاولتهم البائسة للاعتداء على السعودية.

إنّ إيران لا تعترف بحدود الآخرين، ولا تقيم وزناً لسيادتهم على أراضيهم -ودخول عناصر الحرس الثوري لباكستان مؤخراً أكبر دليلٍ- فهي تقتحم الكثير من الدول عبر أجهزتها المختلفة من الحرس الثوري إلى الاستخبارات التي تسمّيها “اطلاعات” إلى غيرها من الأجهزة والمؤسسات الإيرانية، التي ربما لم نكن نعرف أسماءها، ولكننا بالتأكيد نعرف تأثيرها ونرى بأمّ أعيننا تأثيراتها، وكنموذجٍ في هذا السياق يمكن للقارئ مراجعة لقاء نشرته “العربية نت” بتاريخ 5 أكتوبر 2009 مع جاسوسٍ إيراني للحرس الثوري من عرب الأهواز تحدث فيه عن خلايا بالآلاف في الدول العربية وخاصة الخليج.

لم تقصّر السعودية في احتواء الغوغائية الإيرانية، ولتأكيد هذا قصة خاصة، فقد كنت حاجاً في أحد المواسم، ورأيت بأمّ عيني بالوناً خارجاً من المخيّم الإيراني ليرتقي عالياً على سماء منى مكتوبٌ عليه يا مهدي! هكذا دون مراعاةٍ لمشاعر بقية الحجاج المسلمين الذين إنّما أتوا ليؤدوا مشاعرهم ويقضوا فريضتهم دون أيديولوجيات سياسية ولا أهداف إقليمية لا تمتّ للدين بصلةٍ كما يصرّ الإيرانيون.

“البراءة من المشركين والكفّار” كما تطرحها إيران اليوم، وكما جاء على لسان “أحمد خاتمي” في خطبة الجمعة الماضية ردّاً على مفتٍ سعوديٍ. إنّما يتم طرحها لأهدافٍ سياسيةٍ معروفةٍ وليست بالأمر الجديد، بل الجديد هو أن تتدخّل –للأسف- بعض الدول العربية -سوريا- وبعض الدول الخليجية -قطر- في ترويج مثل هذه السياسة، واعتبار أنّ ما يجري اليوم ليس اعتداءً إيرانياً صارخاً، بل مجرد اختلافٍ في وجهات النظر كما هي سياسة قناة “الجزيرة” القطرية لتغطية الأحداث.

ما يكشف الصورة أكثر هو أنّ قناة “الجزيرة” غطّت الأحداث وكأنّها حرب بين طرفين لا يُعرف فيها المعتدي والمعتدى عليه! بل غطّتها وكأنّهما طرفا نزاعٍ لا أكثر! وأكبر دليلٍ هو تواصلها الدائم مع خنجر إيران المسمّى ب”الحوثيين”، إن من اليمن وإن من ألمانيا لتقدّم من خلال هذا آراءً تسعى من خلالها لتشويه دفاع المملكة المشروع عن حدودها وسيادتها والتلميح بأنّه اعتداءٌ على اليمن واليمنيين، وزعم المتصل من ألمانيا أنّ السعودية تقصف المدنيين، ولم تكلّف المذيعة نفسها عناء مطالبته بإثبات زعمه!

هكذا، بكل برودٍ تتعامل “الجزيرة” القطرية مع الموقف الذي شجبته كثيرٌ من الدول الخليجية والعربية، وتزيد ضغثاً على إبّالةٍ حين تسمح لأحد عناصر الخنجر الإيراني من الحوثيين بأن يصرّح بأنّه استطاع أسر جنودٍ سعوديين أثناء عدوانه وأنّه سيخرج صورهم في القريب العاجل!

غير مصنف