مرحلة “حوثية” خطيرة

مرحلة “حوثية” خطيرة
"حزب الله" وإغراءات النموذج الحوثي - عبد الوهاب بدرخان

قلما انهالت التهاني على دولة، كما حصل مع لبنان، لأنها تمكنت من تشكيل حكومة، مع أن هذه الدولة نفسها استطاعت قبل شهور إجراء انتخابات لم يطعن أحد في نتائجها، أو حتى في نزاهتها.

هذه التهاني عنت أن شيئاً خارقاً قد تحقق، وأن المهنئين من عرب، وغير عرب، كانوا يتابعون عن كثب، لكن بصمت، مسيرة العذاب التي مشاها سعد الحريري لاختراق مختلف “البازارات” التي استوقفته مراراً لتتأكد بأنه سيصل إلى نهاية الشوط منهكاً ومسترهناً للتنازلات والتعهدات التي اضطرته لتقديمها من أجل حكومة يتغنى الجميع الآن بأنها حكومة “وفاق وطني”. وإذا كان هذا وفاقاً فما عساه يكون الشقاق. هذا ما سنختبره في عمل الحكومة.

كانت التهاني مستحقَّة، خصوصاً للبلد، لأنه غالب عبواته الموقوتة الكامنة وخرج بحكومة باتت -على علاّتها- دليلاً جديداً على استمرار لبنان الدولة، وهي الدولة التي شعر المهنئون طوال المرحلة السابقة بأنها مهددة بالزعزعة والزوال. ولكن تشكيل هذه الحكومة كان إلى حد كبير أشبه بموقعة “حوثية” أخرى انتهت بهدنة قد تتحول/ وقد لا تتحول، إلى وئام ثابت ودائم. فحيثما يغدو الوضع الداخلي إقليمياً يكون الاستقرار هشاً. ولكن، قبل تلك “الهدنة”، كان المخاض الحكومي بلغ نهايته ومع ذلك ظلت الولادة ممنوعة، فحتى سوريا أيقنت وأبلغت من يلزم أن اللعبة استوفت أغراضها ولم يعد مفيداً المضي فيها، إلا أن إيران اعتبرت أن جميع الفرقاء الخارجيين تحادثوا مع بعضهم بعضاً لتسهيل الشأن اللبناني، لكنهم تجاهلوها وهي طرف ليس أساسياً فحسب بل يملك عشرات آلاف الصواريخ هناك. وعندما راجعه السوريون والقطريون رأى أن اللحظة حانت للإفراج عن… الحكومة اللبنانية العتيدة.

لابد أن طهران تنتظر أو تتوقع سيناريوهاً مماثلاً في صعدة اليمنية. ثمة منطق واحد يربط بين سياساتها من العراق إلى لبنان وفلسطين إلى اليمن، وإلى ما بعد بعد… لاشك أن هناك جانباً مذهبياً، لكنه ليس الأولوية دائماً. فحيثما يمكن تفادي البعد المذهبي يكون ذلك أفضل، وحيث يمكن تمويه البعد المذهبي فهذا أفضل وأفضل، أما إذا وجب الاعتماد عليه فلا حول ولا… وعندئذ ليكن الأمر واضحاً كما هو في العراق، وكما هو ولو جزئياً في لبنان واليمن، ففي الأول جاء التحالف مع “التيار العوني” كأنه هدية من السماء، وفي الثاني يجرب الآن تفعيل “الحراك الجنوبي” ونشاط “القاعدة” لتغطية التمرد الحوثي ومساندته. أما في غزة فيبدو الأمر نموذجياً بالنسبة إلى طهران، لأن نفوذها هناك استراتيجي بحت ولا أِثر فيه للمذهبية.

تستطيع إيران الادعاء بأنها شلَّت “النظام العربي” وبعثرته، بل تستطيع الادعاء مؤقتاً بأنها أربكت الحملة الدولية عليها وربما كانت في صدد شلّها هي الأخرى. إذ أنها حين تستبعد برنامجها النووي عن أي مساومة لا تبقي أمام الدول الكبرى سوى خيار التحدث معها حول مأسسة نفوذها وتشريعه، وإذا قوبلت بالرفض والإهمال تمضي أكثر فأكثر. طبعاً، هذا لعب عند الخط الأحمر، لكن إيران تستند إلى حسابات قوامها أن العرب ليس لديهم ما يخسرونه، وبالتالي فإن العبث بجثة “رجل الشرق الأوسط المريض” لابد أن تصب عندها في معادلة “ربح- ربح” في مختلف الأحوال. وما يشجع إيران أن العالم لا يبالي بالخاسر.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية