الحرب بالوكالة.. كيف تؤثر طهران في قرارات الحركة الحوثية؟!

تؤكد جميع الشواهد وجود الدور الإيراني الداعم للحوثيين؛ فقد اعترف الممثل السياسي للحوثيين في الخارج، يحيى الحوثي، ضمنًا في إحدى مقابلاته الصحفية بأن جماعته فتحت قنوات اتصال مع القيادة الإيرانية.

كما كشفت عمليات التسلل التي قامت بها عناصر الحوثي إلى الأراضي السعودية عن العلاقة الوطيدة بين الحوثيين وبين تنظيم القاعدة الذي تسللت مجموعات منه لجانب الحوثيين إلى الأراضي السعودية بعد تنسيقات مسبقة بين الطرفين.

لا يمكن فهم أبعاد الأزمة الحوثية الا بقراءة تاريخ بدايتها، فالظاهرة الحوثية تنتمي إلى المدرسة الزيدية (الجارودية) والتى يعود تاريخ بدايتها إلى عام 1986، في محافظة صعدة (على بُعد 240 كم شمال صنعاء)، حيث يوجد أكبر تجمعات الزيدية في اليمن حيث تم إنشاء “اتحاد الشباب”، وهي هيئة تهدف إلى تدريس المذهب الزيدي لمعتنقيه.

وكان بدر الدين الحوثي – وهو من كبار علماء الزيدية آنذاك- ضمن المدرِّسين في هذه الهيئة. والحوثيون حركة تمرد باطنية انشقت عن المذهب الزيدي. وتسير على نمط “حزب الله” في لبنان دينيًا وسياسيًا. ويعتنقون أفكار وعقائد الشيعة الاثنى عشرية، وينتسبون إلى زعيم التمرد الأول حسين بدر الدين الحوثي، ويسمون أنفسهم تنظيم “الشباب المؤمن”.

في عام 1990، حدثت الوَحْدة اليمنية، وفُتح المجال أمام التعددية الحزبية، ومن ثَمَّ تحول اتحاد الشباب إلى حزب الحق الذي يمثِّل الطائفة الزيدية في اليمن، وظهر حسين بدر الدين الحوثي – وهو ابن العالم بدر الدين الحوثي- كأحد أبرز القياديين السياسيين فيه.

وعلى الرغم من ترك بدر الدين الحوثي للساحة اليمنية فإن أفكاره واصلت انتشارها، خاصة في منطقة صعدة والمناطق المحيطة منذ نهاية التسعينيات وتحديدًا منذ سنة 1997، وفي نفس الوقت انشقَّ ابنه حسين بدر الدين الحوثي عن حزب الحق، وكوَّن جماعة خاصة به عُرفت باسم “منتدى الشباب المؤمن”، وكانت في البداية جماعة ثقافية دينية فكرية تأسست عام 1990، وظلت تمارس الدعوة لكنها كانت تمارس السياسة سرا ، و ما لبثت الجماعة أن أخذت اتجاهًا معارضًا للحكومة ابتداءً من سنة 2002.

وتلخصت أهداف التنظيم في تلك المرحلة – حسب أكده الأمين العام الأسبق له محمد يحيى سالم عزان- في تعليم الشباب العلم الشريف بمختلف فنونه، وتنمية ورعاية المواهب الإبداعية لدى الشباب في شتى المجالات، وإعداد الداعية إلى اللّه ثقافيا وأخلاقيًا وروحيًا وسلوكيًا بما يمكنه من نشر الوعي والفضيلة وفق رؤية مذهبية زيدية.

المواجهة المسلحة

كانت المرحلة الثانية هي مرحلة المواجهة المسلحة، وهي مرحلة التنظيم المسلّح العلني للشباب المؤمن، أو ما بات يُعرف بجماعة الحوثي، والتي بدأت منذ الشهر السادس من عام 2004، عندما تحوّل التنظيم – أو قسم منه- إلى ميليشيات عسكرية ذات بُعد أيديولوجي،هذه الميليشيات التي خاضت خمس حروب مع الجيش اليمني، على مدى يزيد قليلا على أربعة أعوام نجمت عنه أزمة وطنية كبرى، لا تزال تداعياتها واضحة في الحرب السادسة الآن.

وقد زار حسين بدر الدين الحوثي إيران، ومكث مع أبيه عدة أشهر في قم، كما قام بزيارة “حزب الله” في لبنان.. وعرف عنه تأثره حتى النخاع بثورة الخميني في إيران، حيث خضع لدورات أمنية وسياسية وغيرها في لبنان عند حزب الله، ولديه ارتباط قوي بالحرس الثوري الإيراني ورفع شعارات التأييد لـ”حزب الله” اللبناني، قاد التمرد ضد الحكومة اليمنية، وقتل في الحرب الأولى عام 2004، عن عمر يناهز 46 سنة.

القائد الثاني للحوثيين هو: عبد الملك الحوثي، والذي تزعم التيار الحوثي بعد وفاة شقيقه حسين متجاوزًا شخصيات بارزة أخرى في التيار، من بينها عدد من أشقائه الذين يكبرونه سنًا، وأصبح القائد الفعلي لحركة التمرد. وقام في عام 2007، بتأسيس موقع المنبر الإلكتروني لنقل وجهة نظر حركته للعالم.

ومن الشخصيات البارزة في هذه الحركة: يحيى الحوثي (49 عامًا) شقيق حسين الحوثي ويعيش خارج اليمن، ويقيم في العاصمة الألمانية برلين منذ أواخر 2004، بعد أن طلب حق اللجوء السياسي، ويعد المسئول السياسي لجماعة الحوثيين.

تلك المقدمة كانت ضرورية لفهم الصراع الدائر، حاليًا، في شمال اليمن بين الدولة اليمنية والمتمردين الحوثيين، والذي أصبح الشغل الشاغل لكثير من المراقبين في المنطقة خاصة أن علاقة المتمردين الحوثيين ببعض القوى الإقليمية (تحديدًا إيران) واحدة من أهم المسائل التي ظل الالتباس والغموض يلفانها طيلة السنوات الماضية، على نحو جعل كثيرًا من المراقبين يحتارون في تفكيك هذه العلاقة والظروف التي نمت فيها وتطورت، وطبيعة المنافع المتبادَلة بين طرفين غير متناظرين هيكليًا ووظيفيًا أو متجاورين جغرافيًا، حيث تفصل بينهما مساحات شاسعة من الأراضي والقفار، فضلاً عن مياه الخليج وسواحله.

وقد أعطت حالة اللا تناظر هذه وانقطاع خطوط التماس الجغرافي، فضلا عن التعايش والانسجام النسبي بين المكونات المذهبية والطائفية للمجتمع اليمني، انطباعًا بصعوبة نسج علاقة عضوية ذات أهمية، وعلى درجة كبيرة من الوثوقية يمكن التعويل عليها، بين جماعة الحوثيين – بنزعتها الإحيائية وفق منطلقات الزيدية المتأخرة – والدولة الإيرانية، لاسيما أن علاقة كهذه، إن ظهرت سافرة للعلن، ربما تلقى معارضة شديدة من معظم زيدية اليمن، الذين يبدون نفورًا تقليديًا من توجهات إيران (الجعفرية/الاثنى عشرية)، والتي تحاول منذ ثورتها الإسلامية في نهاية سبعينيات القرن الماضي، ترويج نفسها بوصفها المظلة الشرعية والوحيدة لشيعة العالم كافة، على اختلاف طوائفهم ومواقعهم.

غير أن هذه الانطباع – في الحقيقة – ظل مقصورًا على فهم السياق الذي نبتت فيه روابط الحوثيين وإيران، وهو سياق متعدد الأبعاد ومعقّد ولم يكن تبادليًا بالضرورة. وقد استمرت وتيرته بالتصاعد شيئًا فشيئًا وعلى فترات متباعدة نسبيًا، خصوصًا خلال العقدين الأخيرين.

رعاية إيرانية غير رسمية

على الرغم من أن البعض يُرجِع علاقة الحوثيين في اليمن بإيران إلى وقت مبكِّر، يصل مداه في بعض الروايات إلى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عندما لقيت شعارات إيران الثورية وقتذاك صدًى ما لدى بعض زيدية اليمن، لكن هذه العلاقة في الواقع لم تتخذ طابعًا وظيفيًّا – إن جاز القول – إلا في السنوات الأخيرة. وهذا لا يعني أن الروابط لم تكن موجودة، لكنها ظلت تتفاعل في أطر محدودة ذات صبغة فكرية أساسًا، وترعاها غالبًا أنساق وقنوات إيرانية غير رسمية.

وبفعل تأثّر حسين الحوثي بخطاب إيران الثوري وأيديولوجيتها السياسية – وليس الدينية بالضرورة – بدأت تبرز ظاهرة التحوّل وعملية الاستقطاب المنظم في ظل رغبة داخلية متوقّدة وميل جارف نحو التمرد، وسرعان ما أزكتهما الحملة التي بدأتها الولايات المتحدة ضد الإرهاب الدولي عقب اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر عام 2001، والتي نظر إليها الحوثي بريبة كبيرة، معتبرًا إياها “حربًا ضد الإسلام والمسلمين”.

وفي هذه الأثناء، بدأ الحوثي في ظل شعور متنامٍ بالقوة وانتشار حركته واشتداد عودها، في إعداد أعضاء الحركة من الشباب عسكريًا، وفي استحداث قنوات تعليمية وتربوية بعيدة عن إشراف الدولة، وفي تأليب الأعضاء على المؤسسات الرسمية باعتبارها غير شرعية. وفي اتجاه موازٍ، أطلق الحوثي وعناصر حركته شعارهم المدوّي “الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”.

وعلى الرغم من أن الشعار الذي بات مقرونًا بأعضاء الجماعة لم يكن مرفوضًا في ذاته، ولكن الطريقة التي كان يتم بها – ولا يزال – ترديد الشعار في المساجد وبعد الصلوات، وكتابتها على الجدران في الشوارع والميادين العامة، بدت مستقاة من خبرة غير يمنية، وتحديدًا خبرة إيرانية، وأخرى قريبة من أداء حزب الله اللبناني. وهي طريقة تعبوية تهدف إلى استمرار الشحن المعنوي لأعضاء الحركة، وجعْلِهم يشعرون بالتميّز والتفرّد عن أعضاء الأحزاب والجماعات الأخرى. كما تُعبّر أيضًا عن أساليب شمولية في التجنيد والحشد السياسيين.

وتاليًا، شرع الحوثي في البحث عن داعمين ومساندين – داخليًا وخارجيًا – لتنظيمه المسلّح، الذي اتخذ من جبال محافظة صعدة الشمالية الوعرة، والقريبة من الحدود السعودية، ملاذًا لعناصره الذين شرعوا في تكديس الأسلحة في الكهوف والمغارات المنتشرة بكثرة في تلك الأرجاء.

ويشير صاحب كتاب “الزهر والحجر: التمرد الشيعي في اليمن” إلى أن الحوثي حصل بالفعل على مساعدات مادية ولوجيستية ضخمة من أطراف محلية وخارجية عدة، بما فيها مساعدات من جهات وجمعيات ومؤسسات شيعية لها امتدادات أو صلات بإيران.

وبحسب المصدر ذاته، فإن من أهم هذه الجهات التي قدمت الدعم المادي والفكري للحوثيين: مؤسسة أنصارين – قُم الإيرانية، أبو القاسم الخوئي – لندن، مؤسسة زيد بن علي – الأردن، مؤسسة الثقلين – الكويت، رابطة آل البيت – لندن، مؤسسات تابعة لحزب الله – لبنان، صادق الشيرازي – الكويت، شركة الألفين – الكويت، فرع مؤسسة آل البيت – سوريا ولبنان والعراق، هيئة الآل – الكويت. فضلا عن المساعدات الممنوحة من السفارة الإيرانية بصنعاء، والتي بلغت فاتورة واحدة منها مبلغ 650 ألف دولار أمريكي، كان نصيب تنظيم الشباب المؤمن من هذا المبلغ 20.080.000 ريال يمني. وقد بلغ دعم السفارة الإيرانية للمراكز الصيفية بين عامي 2000 و2002، مبلغا قدره 22.381.000 ريال يمني، منها مبالغ خُصصت لإقامة عدد من الدورات التعليمية، لاسيما في محافظة صعدة حيث تتمركز الحركة الحوثية. وتذهب بعض المصادر إلى أن حسين الحوثي كان يستخدم الأموال التي يحصل عليها لدفع رواتب بعض مؤيديه، كما كان يركز على تقديم المساعدات الاجتماعية والخيرية خصوصًا في المناطق التي تتركز فيها حركته والمناصرون له.

ومع أن مقتل حسين الحوثي في أيلول/سبتمبر 2004، أصاب حركته بهزة عنيفة أوشكت معها على الانهيار، فإنها سرعان ما استعادت توازنها مع تولي شقيقه الأصغر عبد الملك الحوثي دفة القيادة، إذ عمل على إعادة بنائها من جديد وفق النهج والخطاب اللذين اعتمدهما حسين من قبل. ولاشك في أن عملية إعادة بناء الحركة الحوثية، رغم التعقيدات التي اكتنفتها في البداية، استدعت أيضًا البحث عن داعمين داخل اليمن وخارجها، وإعادة التواصل الذي انقطع مع الجهات المساندة بحكم انهيار الحركة المؤقت عقب مصرع مؤسسها. وهو الأمر الذي تم بالفعل، وبزخمٍ أكبر بكثير عما سبق.

اعتراف الحوثي

ورغم نفي عبد الملك الحوثي المتكرر وجود أي دور لإيران في دعم حركته، فإن الشواهد تجتمع على وجود مثل هذا الدور. فقد اعترف الممثل السياسي للحوثيين في الخارج، يحيى الحوثي، ضمنا في إحدى مقابلاته الصحفية بأن جماعته فتحت قنوات اتصال مع القيادة الإيرانية. مؤكدًا أنه يرى في إيران “أملا للمستضعفين من الشعوب المظلومة”، ومشددا على “أنه يجب على كل المنتمين إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن يثبتوا مصداقية الانتماء بالاتباع للتعاليم، والأخذ بها في أرض الواقع”.

وتشير الدلائل إلى أن الصلة الإيرانية مع حركة الحوثيين، في ظل قيادتها الجديدة، لا تتسم – كالعادة – بالمباشرة والعلانية، وإن طفت مظاهرها على السطح هذه المرة من خلال الدعم الإعلامي الصريح للحوثيين في صراعهم الراهن مع الدولة اليمنية. وقد صبّت التغطية غير المعهودة والمنحازة التي حظيت بها أحداث صعدة من وسائل إعلام رسمية تابعة لإيران كقناة العالم وراديو طهران، وقنوات فضائية مقربة من إيران كالمنار والزهراء والكوثر وغيرها؛ الوقود على النار المشتعلة أصلا وعززت الاتهامات بدعم الحوثيين من جانب إيران.

والمؤكد أن لإيران مصلحة واضحة في زيادة قوة الحوثيين، القريبين منها مذهبيًا والذين يمكن توظيفهم – بشكل أو بآخر – لتحقيق أهداف مختلفة تصب في خانة تحقيق المصالح القومية الإيرانية بالدرجة الأولى. وإزاء خلفية كهذه، تكتسب المعلومات التي أفادت بها مصادر في المعارضة الإريترية، والتي كشفت عن وجود معسكر تدريب لعناصر من أنصار الحوثي بدعم وإشراف إيراني في منطقة دنقللو (شرق مدينة قندع وسط إريتريا)، أهمية خاصة.

وكانت الاتهامات اليمنية – الضمنية – لإيران بدعم المتمردين الحوثيين وتزويدهم بالسلاح عبر ميناء ميدي المطل على البحر الأحمر، قد تزايدت في الفترة الأخيرة.

وترددت معلومات حول تقديم إيران طلبا للحكومة اليمنية بتفعيل ميناء ميدي على شكل استثمارات إيرانية، لكن الحكومة رفضت هذا الطلب. كما ذكرت وسائل إعلامية أن البحرية اليمنية احتجزت في أواخر تشرين الأول/أكتوبر الماضي سفينة إيرانية محملة بأسلحة مضادة للدروع، وذلك قبالة شواطئ ميدي في البحر الأحمر عند أقصى الشمال الغربي لليمن. وأوضحت المصادر أن السفينة كانت في طريقها إلى تفريغ حمولتها من الأسلحة بالقرب من منطقة حرض لإيصالها إلى المتمردين الحوثيين. وكان على متن السفينة خبراء سلاح ومدرّبون جاءوا إلى اليمن للانضمام إلى المتمردين الحوثيين، والحلول مكان خبراء ومدربين إيرانيين يُعتقد أنهم جُرحوا أو قتلوا في المعارك.

العلاقة مع القاعدة

كما كشفت عمليات التسلل التي قامت بها عناصر الحوثي إلى الأراضي السعودية عن العلاقة الوطيدة بين الحوثيين وتنظيم القاعدة الذي تسللت مجموعات منه لجانب الحوثيين إلى الأراضي السعودية، بعد تنسيقات مسبقة بين الطرفين خاصة أن العلاقة بين الحوثيين وتنظيم القاعدة لم تكن جديدة أو وليدة التطورات الأخيرة على مسرح الحرب الدائرة في صعدة، فقد سبق وأكد العديد من المسئولين اليمنيين وجود تنسيق وتبادل أدوار بين الطرفين خدمة لأجنداتهما التي تلتقي في خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في اليمن.

و رصدت القوات السعودية وجود أسلحة من نوعيات متطورة وغير تقليدية وبعضها مضاد للدروع، مما يؤكد أن الحوثيين يتلقون دعماً على أعلى مستوى، بالإضافة إلى اتباع الحوثيين لطرق وتكتيكات اشتهر بها تنظيم القاعدة مثل التخفي في الأزياء النسائية وبعض الوسائل الأخرى للتغلغل في مناطق خلف الخطوط الأمامية للجيش السعودي.

إريتريا والصومال

لا يقتصر الدعم الذي يتلقاه الحوثيون على إيران وتنظيم القاعدة، وإنما يأتي الدعم من دول أخرى هي إريتريا والصومال، ولعل اعتقال القوات اليمنية والسعودية صوماليين، بالقرب من الحدود السعودية اليمنية، وهم يهرّبون أسلحة إلى المتمردين الحوثيين في اليمن يؤكد ذلك. فضلاً عن كشف أحد قادة المعارضة الإريترية، بشير عشق، المسئول في التحالف الديمقراطي الأريترى لوكالة الأنباء الفرنسية عن استخدام إيران إريتريا كقاعدة لنقل السلاح إلى المتمردين الحوثيين في محافظة صعدة اليمنية، موضحًا أن الأسلحة تصل إلى مدن ساحلية إريترية، وعلى رأسها مدينة عصب، ثم يأتي المتمردون الحوثيون، وينقلون هذه الأسلحة ليلًا إلى اليمن.

إلى جانب ذلك، ذكرت تقارير صحفية أن عشرات الانتحاريين عبروا خليج عدن إلى اليمن قبل أشهر، ويعتقد أنهم انضموا إلى صفوف جماعة الحوثيين المتمردة في اليمن. وكانت تقارير الأمم المتحدة قد رصدت في وقت سابق عمليات تهريب الأسلحة في منطقة القرن الإفريقي. وأشارت إلى أن هناك أدلة على أن عصابات القرصنة قد أنشأت علاقات مع مسئولين محليين في الصومال، كما أن هناك علاقة قوية بين عناصر القراصنة ومهربي البشر إلى اليمن، حيث يتبادلان المعلومات، كما أن المهربين يقومون عند عودتهم من نقل اللاجئين الصوماليين إلى السواحل اليمنية بالمشاركة في بعض عمليات القرصنة.

وكانت اليمن قد أعلنت في وقت سابق وجود مقاتلين صوماليين يحاربون في صفوف المتمردين الحوثيين في صعدة، حيث تم إلقاء القبض علي سبعة منهم.

هذه الأمور كلها توضح أن هناك جهات صومالية تمارس عمليات نقل الأسلحة إلى المتمردين الحوثيين في اليمن. ولم يستبعد بعض المحللين ضلوع إريتريا في تنامي أعمال القرصنة في سواحل الصومال وخليج عدن، إثر اتهامها بتقديم السلاح للمتمردين الصوماليين، الذي قد يذهب جزء منه إلى متمردي اليمن عن طريق التهريب.

وعلى الرغم من أن الحكومة اليمنية لم توجِّه حتى اللحظة اتهامًا رسميًا مباشرًا للحكومة الإيرانية بدعم المتمردين الحوثيين الذين تمادوا في تمردهم العسكري فاندفعوا شمالا بقصد التحرّش بجارة اليمن الكبرى (المملكة العربية السعودية)، فإن صنعاء تدرك الحقيقة التي يدركها الخبراء بالشأن الإيراني، وهي أن ثمة قيادة إيرانية متشددة تُمسِك بزمام السلطة في طهران منذ عام 2005، وهي قيادة ليس لديها أدنى شك بوجود تصدّع سني – شيعي “حقيقي”. فالرئيس أحمدي نجاد، الذي فاز بولاية رئاسية ثانية قبل أشهر في انتخابات مشكوك في نزاهتها، بالإضافة إلى عدد من وزراء حكومته وبعض قادة الحرس الثوري، ناهيك عن شخصيات مؤثرة كمصباح يزدي وشبكته المتنفّذة من خرّيجي معهد “حقّاني”، كلهم مرتبطون بذلك الجناح من الثورة الإسلامية الذي هو أكثر التزامًا بالقيم الشيعية الجوهرية ويشعر في قرارة نفسه بعداء أشد للسُنّة، لاسيما للوهابية، ومنذ وصول نجاد إلى سدة الرئاسة، ارتفعت النبرة الدعائية بشكل لافت ضد الأقلية السنية في إيران، التي يعتبرون أفرادها عملاء محتملين للمملكة العربية السعودية، وحلفاء للمتطرفين السنّة في العراق.

تدرك صنعاء أيضًا تعقيدات عملية صنع السياسة ضمن أُطُر النظام الإيراني، ولهذا تُبدي حرصًا على التمييز بين إيران الرسمية، ومؤسسات النظام غير الرسمية الأخرى. فإيران تستند في سياستها تجاه المجتمعات المحلية في أنحاء المنطقة على جهاز دبلوماسي ذي تأثير ديني، يرتبط بقمة النظام، ويجمع بين المؤسسات العامة وعدد لا يحصى من المنظمات والشبكات غير الحكومية. وهذه المؤسسات هي جهات فاعلة ذات جنسيات متعددة تعمل في جميع أنحاء الشرق الأوسط وتشرف على تمويل المنظمات السياسية والقوات شبه العسكرية الموالية لإيران، مثل مؤسسة “المحرومين”؛ كما تقدم خدمات للحجاج من خلال نفوذ مؤسسة “القدس”.

ومن أهم أبعاد التعقيد في فهم الدور الإيراني على الساحة الخارجية، أن ثمة جانبًا خفيًا في هذا الدور، لا يتم عبر أدوات الدولة الرسمية ولا يسمح بتوريط الدولة بشكل مباشر، رغم أنه يخدم إلى حد بعيد أهدافها الخارجية. وقد أنتج ذلك ارتباكًا واضحًا لدى الأوساط السياسية ودوائر صنع القرار في العديد من عواصم العالم، فالوجود الإيراني واضح في كثير من دول منطقة الشرق الأوسط لكن بعض أدواته غير مرئية أو واضحة.

دور إيراني أكثر وضوحًا

يبدو من التعاطي الإيراني مع أزمة الحوثييين مع السلطات اليمنية أن ثمة تأييدًا ضمنيًا لموقف الحوثيين ضد الدولة، ربما يتعدى الدعم المعنوي إلى تقديم مساعدات لوجيستية. فقد دعت إيران إلى إيجاد مخرج سياسي لما يجرى في شمال اليمن، بما يشير ضمنيًا إلى رغبتها في الاعتراف بالحوثيين كطرف سياسي في المعادلة اليمنية. وكان وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي قد عبّر عن قلق بلاده إزاء أوضاع الشيعة في اليمن. ونقلت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (آسنا)، في 27 آب/أغسطس الماضي، عن متكي قوله خلال استقبال السفير اليمني لدى طهران “تدعم إيران علاقات طيبة بين الحكومة اليمنية والحوثيين الشيعة في البلاد”. وأضاف “يمكن للحكومة اليمنية والحوثيين اكتساب دعم بعضهما البعض من خلال التفاعل البنَّاء”.

كما قال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني مهدي سنائي، إن “وزارة الخارجية الإيرانية اهتمت بالموضوع ولكن البرلمان ينتظر منها أن تتعامل مع القضية اليمنية بشكل خاص، لأننا نرفض التوتر في دول الجوار والضغط على الأقلية الشيعية في المنطقة”. وقد تنامت ردة الفعل الإيرانية الرسمية إزاء ما اعتبرته “استهدافًا للطائفة الشيعية في شمال اليمن” بشكل ملحوظ خلال الفترة القليلة الماضية، فعلى سبيل المثال ذكرت مصادر إيرانية أن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، علي خامنئى، أقر طلبًا مستعجلًا، كانت قد رفعته إلى مكتبه، قوات القدس في الحرس الثوري الإيراني، والخاص بتبني عائلات القتلى من متمردي الحوثيين في اليمن من قبل “مؤسسة الشهيد”. وأضافت تلك المصادر أن “مؤسسة الشهيد” الإيرانية قد تلقت إشعارًا بذلك من مكتب المرشد الأعلى، والذي يلزم المؤسسة ببسط رعايتها على يتامى وعائلات قتلى الحوثيين في اليمن ومعاملتهم كما تتعامل مع عوائل ويتامى القوات المسلحة الإيرانية، وكما يتعامل “حزب الله” اللبناني مع شهدائه.

وعلى أية حال، فإن العلاقة بين إيران وجماعة الحوثي تبدو اليوم أكثر وضوحًا وأقل التباسًا منها في أوقات سابقة، الأمر الذي يشير إلى وجود مصالح متبادلة بين الطرفين ما انفكت تتزايد باضطراد، تجتمع على تنفيذ مشاريع جيوستراتيجية طموح تتعدى مسألة “تحقيق العدالة والمساواة” و”الدفاع عن المستضعفين والمظلومين” في حالة الحوثيين الذين باتوا يطمحون لتشكيل إمارة شيعية مستقلة في شمال اليمن، كما تتعدى الحرص على مصلحة اليمنيين ومنع الاقتتال بينهم في حالة إيران، التي تعتقد بأنها تمر بلحظة تاريخية لا تعوّض لاستعادة دورها كقوة إقليمية كبرى، لها امتدادات وأذرع في كل مكان، الأمر الذي يجعل منافسيها على الزعامة، كما خصومها الغربيين، يحسبون لها ألف حساب.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية