الخطأ الشيعي وإلصاق صفات القداسة على الحسين

بكاء الشيعة على الحسين، تقليد يحصل كل عام. بل أصبح ظاهرة تميّز الشيعة أكثر من أي شيء آخر. ومع أن الإسلام ليس فيه بكاءٌ أبدي على ميت، مهما علت مكانته وزاد قدره، إلا أن الشيعة ابتدعوا حكاية البكاء واللطم على الحسين في ظاهرة مازوخية تعزز التمتّع بالألم والتطهر بالعذاب الجماعي.

الحسين بن علي، مثله مثل أي رمز إسلامي آخر، والقتل الذي تعرض له هو القتل نفسه الذي تعرض له أي صحابي بل أي قريب من النبي الكريم “ص”، كموت الإمام علي بن أبي طالب قتلاً، وهو ابن عم صاحب الرسالة الأعظم الرسول الكريم. هذا فضلا عن موت صحابة وخلفاء أجلاء قتلاً كالفاروق عمر بن الخطاب والخليفة عثمان بن عفان، والقائمة تطول ولا يمكن إفراد جانب كبير لها. رغم كل هذا، إلا أن الشيعة اختاروا حسيناً بالتحديد ليبكوه مدى الدهر، في تعارض مع الإسلام لا ريبة فيه.

مثّل الحسين جرحاً نرجسيا في نفوس مريديه. فهو قضى ومعه قلة قليلة من الناس تعكس ضعف شعبيته. إذ يندر أن يتحرك زعيم اجتماعي أو سياسي أو ديني في ساحة حرب إلا ويكون معه من القوم المؤيدين الشيء الكثير. الأمر مختلف مع الحسين، فقد كان صغيرا في السن ولم يكن بعد قد أسس لشعبية وجاذبية في مسلمي العراق أو الجزيرة سوى أنه حفيد الرسول الكريم “ص”. ولم يسمح الإسلام كإيديولوجية حكم وسلطة بأن يكون لنسل الرسول سلطة خاصة أو عصمة. في الحقيقة لو حصل هذا لانتهى الإسلام من زمن بعيد.

فقيمة مبدأ الحكم في الإسلام، في شكل مباشر، هو عدم انتقال اصطفائية النبي إلى أي أحد آخر. هو وحده المصطفى، في إشارة خفية من النص القرآني إلى الإيمان بالخلاص الفردي، تلك التي لا يقتنع بها المستشرقون بوصف الإسلام دينا يقوم على الخلاص الجماعي، بينما حقيقة الاصطفاء الإلهي في القرآن، خاصة، والإسلام، عامة، أنه يقوم في الأصل على فردانية النبي، أي نبي، وبذلك يتمتع هو وحده بمزايا الاصطفاء سواء كانت عصمة أو إعجازاً أو ماشابه ذلك.

الخطأ الشيعي الذي عزل تجربتهم عن ثورية الإسلام، هي في وراثة صفات النبي التي أدت إلى اصطفائه. هذا خطأ في الحساب وخطأ في الفلسفة. فاصطفاء شخص النبي تم بسبب مزايا محددة، على أساسها تم اختياره واصطفاؤه نبيا، فلم يأت نبيّ قرآني إلا مصحوبا بمزايا، في إشارة لاتقبل الشك بأن تجربة هذا الفرد ومعاناته وميزاته هي التي أهّلته لهذه المكانة، وبالتالي تصبح المكانة ملكاً له وحده. من هنا نفهم كيف أن النص القرآني عكس هذه المسافة مابين شخص النبي وغيره من المقربين مهما بلغت درجة القربى، حيث يرد أبو لهب وزوجته في النص القرآني، على ما لأبي لهب من قرابة أصلية بالنبي، في أكثر الصور قتامة ووعيداً.

ثورية الإسلام، بمعناها المحدد هنا، قدّمت النبي بصفته نضالاً ذاتيا امتلأ بموضوعه وكسب مكانة ورفعة يستحقها هو وحده لمزاياه. وهو السر الذي دفع بالنبي الكريم إلى منح معنى السياسة بعداً بشريا خالصا ليس مرتبطا بالضرورة بالنص الديني. فقد تم تقديم شكل الحكم والرياسة ومفهوم ممارسة السلطة كله تبعا لآليات أرضية إنسانية لا ترتبط بسلالة النبي لا من قريب ولا من بعيد.

وهذا هو النص القرآني الذي هو النص المقدس الوحيد في التاريخ الديني الذي لم يتعرض لأي تحريف لم يذكر أي إسم لأي خليفة للنبي سواء كان عليا أو عمرا أو أبا بكر أو عثماناً أو اي أحد. مهما بلغت درجة التأويل الشيعي بقراءة بعض الآيات على أنها إشارة إلى تولية علي خليفة.

ولم ينتبه الفقه الشيعي إلى الخطأ البالغ في تأويلهم، إلى أنه لو كانت تأويلاتهم صحيحة فلم لم يكن النص واضحاً مفسَّرا؟! وتلك شروط أي قانون ليكون قانونا. إذ لا يعقل لمسألة بحجم التوريث أو الخلافة أو الرياسة أن تكون منصوصة بهذا الغموض الذي يحتاج الى مفككي شيفرات سيميولوجيين.

هنا تنتفي كل مبررات الفقه الشيعي بأن النص القرآني حمل آيات تبشر بتولية علي. وهي لو كانت حقيقة لأسست لسقوط الإسلام سياسيا وهو في مهده. إذ كيف سيدافع صاحب الدعوة عن دعوته وهو يرى أبناء عمومته وحدهم خير خلق الله لخلافته؟! هذا لم يحدث، ولو كان لَبان. أي عقيدة في النص القرآني غامضة أو معقدة أو محجوبة؟ لا يوجد. ولو كان النص القرآني في وجهه المدني غامضا وتأويليا لما كان للدولة الإسلامية أن تقوم في أي ريح من الأرض.

سقوط حق علي بالخلافة الأولى، يترتب عليها، سقوط من بعده بالخلافة. فبأي حق يمكن لأبنائه طلبها وبدون إجماع المسلمين؟ الإجماع الذي أوصل عليا نفسه لسدة الخلافة، فكيف يأتي سواه ليأخذها دون ذلك الإجماع؟ فقط بالنسب والقربى؟ كل هذه المقدمات جعلت من حركة الحسين محدودة بدون اي محتوى اجتماعي. فأبسط تحرك تم في تاريخ الدول الإسلامية كان فيه من الشعبية أكثر بكثير من تحرك الحسين. هكذا ذهب الى المواجهة مخفورا بحس عميق بالفشل السياسي. الفشل ذاته الذي واجهه الأب، علي، في حروبه الكثيرة في العراق ثم خسارته أي نتيجة.
الإسلام ترك حرية واسعة لهامش اللعب السياسي، بصفته سلوكا بشريا لاينتمي الى مواصفات قياسية منزلَة. وتلك ميزة تضاف للإسلام في أنه وسّع على الناس خياراتهم واختياراتهم. وأنه يمكنهم الحكم والاحتكام كيف يشاء الإجماع.

تحرّك الحسين الى المواجهة، أقوى سلاح يحمله هو أنه حفيد النبي “ص”. قرآنيا لاتعني هذه الحفادة شيئا. ولو كانت تعني شيئا لنزل فيها النص، ولا يمكن نزوله لأن صاحب الرسالة لو أوصى بقدسية ما لأهل القربى منه لاتهمه خصومه بالتناقض أو أنه يستخدم حق الرسالة في حق شخصي. من هنا عندما جاء تحرك الحسين مغمورا بإحساس فائض بالقوة الممنوحة، تأويليا، بقداسة النبي، لم يكن ليجد الأثر المطلوب كون أنها قداسة من طرف واحد غير منصوص عليها، وهو سر قلة عدد المؤمنين به وقلة الذين شاركوه المواجهة الأخيرة، إذ لايعقل لأي ثقافة تشكلت في الإطار الإسلامي الأول أن تمنح القداسة للأشخاص وهم محرومون منها نصياً.

كانت نتيجة المواجهة تفريغ الشخص من قداسته والتعامل معه كشخص عادي تنطبق عليه كل صفات الخصم السياسي المسلّح: فهو طالب حكْم ومجاهر بإسقاط الخصم ويستخدم السلاح والتحريض في تحركه. فوقع الاشتباك الذي لابد منه مسلحاً ودمويا كما حصل في أي تاريخ سياسي أو ديني في العالم.

شعبية الحسين المحدودة لم تمنحه هامشا تفاوضيا كبيرا. هناك تحليلات عن أن الحسين بات يعرف أنه مسلوب الحق الجماعي ولايستند على قاعدة جماهيرية واسعة، وفي الوقت نفسه لم يعد يستطيع التخلص من خطابه أمام مريديه، فكان ذهابه الى المعركة الحاسمة فحصاً منه لإمكانية أن تسعفه القداسة المجلوبة من طرف واحد. حيث تبين أن الخصم عارفٌ بالضبط في هذه الحقيقة وأن اصطفاء النبي لايعني اصطفاء من توالوا منه. فتم التعامل معه كمتمرد أو معارض رومنسي مسلّح، وهي نماذج حفل التاريخ السياسي القديم والمعاصر بها.

سرد حكاية قتل الحسين أضفت على موته بعدا شاعريا معينا. في الوقت الذي أن أباه نفسه لم يتمتع بهذه المزية وهو ابن عم النبي وخليفته وقضى قتلاً. عناصر قصة الحسين تفيد معنى الرومنسية في الأصل، فهو قلة مقابل كثرة، وهو صغير مقابل حكماء وهو طامح مقابل واصلين. وتم التعامل مع موته كنقطة فاصلة في التاريخ الإسلامي، وفي هذا زيف منهجي بكل معنى الكلمة. فقد كان موته مجرد موت شخصي لم تتأثر به الدولة أو يتأتى عنه أحداث فعلية جوهرية، إلا مااستخدم منها كإيديولوجيا مضادة كما فعل العباسيون في أول دعوتهم في خراسان حيث كانوا يستخدمون حكاية قتل الحسين للتحريض وزياة شعبية المعترضين على حكم بني أمية.

الآن، تشهد بعض الدول الإسلامية تقليد عاشوراء، حيث يتم إحياء ذكرى مقتل الحسين، في إحساس عاصف بالمرارة والألم يصل حد ضرب الرأس والجسم بقطع حادة تؤدي لخروج الدم. ويعكس الضاربون أنفسهم مدى حزنهم وتألمهم على مقتل الحسين. في ظاهرة نادرة من التعاطف لم يشهدها التاريخ الإسلامي، إذ لم يُبكَ على أحد كما بكي على الحسين، كما لو أن رجال الإسلام وخلفاءه ماتوا بالسكتة القلبية أو قضاء وقدرا.

ظاهرة التمتع بالتعذيب أصبحت مرافقة لمظاهر عاشوراء والحزن على الحسين. في الحقيقة هي مظاهر دموية منفّرة لا يحتملها المرء أبدا. وبنفس المقدار الذي تحمله من قسوة، فهي تستمد شرعيتها بالقسوة ذاتها: إضافات على النص من خارجه في تأويل قسري لم يجمع عليه المسلمون أبدا ولم يرد ذكره في الكتاب. من هنا، فإن ظاهرة اللطم على الحسين على تضاد مع الإسلام في مستويين، الأول عقائدي إذ لم يُمنَح الرجل أي عصمة أو قداسة ولم يحق له وراثه الصفات التي أهلت النبي للاصطفاء، وبذلك هو مواطن عادي قام بإزعاج السلطات أو من الممكن معاملته كمنتحل صفة. والمستوى الثاني مدني، إذ لم يعرف الإسلام مظاهر حزن تصل حد نزف الدم شيبا وولدانا ونساء وفتيات.
من هنا فإن الظواهر الكربلائية الدموية التي تقام سنويا، هنا وهناك، والبكاء الأبدي على شخص، حدث دخيل على التاريخ الإسلامي وعلى الثقافة الإسلامية.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية