حراك جنوب اليمن.. “على درب الثورة البرتقالية”

في دولة سلطوية مثل دول كثيرة في المنطقة العربية، يعد خروج مظاهرة لبضع مئات من الأشخاص حدثا كبيرا، وبما أن هذا الحدث لم يحدث إلا في مناسبات ببلدان تعد على الأصابع،

فإن الحراك الجنوبي في اليمن يعطي نموذجا لحركة الاحتجاج الشعبي السلمي التي يصفها المراقبون بالناجحة والمتقدمة، بغض النظر عن طبيعة الأهداف التي تتبناها تلك الحركة، ويرون أنها تسير على نهج الثورة البرتقالية في أوكرانيا.

ومثل جميع حركات الاحتجاج في العالم، ظهر الحراك الجنوبي كرد فعل على سياسيات وممارسات السلطة في اليمن، فكانت بدايته عام 2007؛ حيث كان مؤسسوه مجموعة من العسكريين الجنوبيين الذين تم إعفاؤهم من الخدمة بشكل قسري ومطالبتهم بإرجاعهم إلى وظائفهم وتصحيح مسار الوحدة.

وكانت ممارسات السلطة بعد حرب 1994 التي شهدت أعمال قمع بحق الناشطين الجنوبيين سببا قويا في ظهور حركة احتجاج من قلب الشارع الجنوبي، على الرغم من أن معظم قادتها كانوا قادة أو نشطاء في الحزب الاشتراكي الذي كان يمسك بزمام السلطة في دولة جنوب اليمن قبل الوحدة.

وفي هذا السياق، قال الشيخ العلامة عبد المجيد الزنداني شيخ مشايخ السلفية في اليمن في تصريحات سابقة إن أهم أسباب ظهور الحراك الجنوبي هو سوء تعامل السلطة مع تلك المناطق، وما نتج عن ذلك من تسريح آلاف الموظفين المدنيين والعسكريين.

وبحسب مراقبين يمنيين، حظي الحراك في بدايته بإعجاب منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني؛ “حيث شكل الحراك أبهى وأرقى أشكال الاحتجاج السلمي المطالب بحقوق مدنية، وحظي بتأييد شعبي عارم في عموم محافظات اليمن والأوساط الدولية”، بحسب دراسة بعنوان “الحراك الجنوبي.. ما له وما عليه”، نشره موقع (شبوة الإلكتروني).

حركة سلمية

وبحسب الدراسة فإن أهم ما يميز الحراك هو بدايته السلمية من أجل المطالبة بحقوق الجنوبيين، بالإضافة إلى نقاط تشكل أساسا لأي حركة احتجاج سلمية وهي: خروجه من وسط الشعب وتحرره من التبعية لأي حزب أو أي جهة نافذة واستغلالية؛ حيث لا ينتمي لأي من الأحزاب القائمة، على الرغم من أن معظم قياداته كانوا من أعضاء الحزب الاشتراكي، بحسب الصحفي والمراقب اليمني عبد الرقيب منصور في تصريحاته لشبكة “إسلام أون لاين.نت”.

واتسع نطاق هذه الفعاليات الاحتجاجية، وأخذ أبعادا محلية ودولية؛ بسبب اصطدامها بالسلطة، كما حصل في بعض مهرجانات الحراك في عدن وردفان، واتخذت هذه الفعاليات بعد ذلك منحى جديدا؛ حيث طورت من آليات نضالها، ودخلت طور التنظيم على مستوى جميع المحافظات الجنوبية والشرقية، وتأسيس عدة هيئات للحراك السلمي.

ومن أبرز هيئات الحراك السلمي: مجلس الثورة السلمية برئاسة رئيس الجنوب السابق علي سالم البيض، والمجلس الأعلى لاستعادة دولة الجنوب برئاسة حسن باعوم، ويتلقى هذا المجلس دعمه من معارضة الخارج ممثلة بحركة “تاج” التي تتخذ من بريطانيا مقرا لها.

والهيئة الوطنية لاستقلال الجنوب برئاسة الدكتور ناصر النوبة، الذي كان رئيسا لجمعية المتقاعدين العسكريين في بداية تشكيلها، وحركة نجاح التي يرأسها البرلماني الاشتراكي صلاح الشنفرة، ومن قياداتها الدكتور عبده المعطري والدكتور ناصر الخبجي الذي انضم مؤخرا إلى مجلس الثورة السلمية.

كما انضم طارق الفضلي وهو نجل آخر سلاطين السلطنة الفضلية بمحافظة أبين اليمنية قبل الاستقلال عن بريطانيا عام 1967، وهو اسم معروف في اليمن وخارجه، فقد كان زميلا لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في أفغانستان إبان القتال ضد السوفييت، وهو مثير للجدل لقتاله في أفغانستان، ودوره والجماعات الجهادية في اليمن في الحرب الأهلية عام 1994 ووقوفه إلى صف الرئيس علي عبد الله صالح، لكنه فجر مفاجأة من العيار الثقيل في مايو 2009عندما أعلن انضمامه للحراك، ومؤخرا حدثت مصالحة بين البيض ورئيس اليمن الجنوبي السابق علي ناصر محمد في بيروت، وذلك بعد أكثر من عقدين على الخلافات التي تحولت إلى مواجهات دامية بين فريقي الرجلين داخل الحزب الاشتراكي، وراح ضحيتها آلاف اليمنيين الجنوبيين.

ويرى مراقبون أن المصالحة تعزز من تماسك الحراك، لكن البعض الآخر يرى أن البيض والفضلي وحتى ناصر اختطفوا الحراك بعدما تأسس بجهود شعبية.

وانتهج الحراك سياسة متزنة وواعية في التصرف والتعامل مع قضيته والمواقف الحكومية الاستفزازية، فلم ينجر حتى الآن إلى العمل المسلح على الرغم من وجود ملايين الأسلحة في الجنوب، الذي كان يحكمه الاشتراكيون الذي يؤمنون بمبدأ تسليح الشعب.

كما كان الحراك الجنوبي الشرارة الأولى لخروج حراكات مشابهة، منها: حراك المحافظات الوسطى، وحراك أبناء الصحراء المناهضة لفساد الحكومة المتمثلة بالرئيس علي عبد الله والزمرة الحاكمة.

“نموذج فريد”

ويرى منصور أن الحراك الجنوبي “حركة احتجاج متقدمة، ونموذج فريد عربيا، فلم تصل أي حركة احتجاجية إلى ذات المستوى”.

ونظم الحراك العديد من الإضرابات وفعاليات العصيان المدني والمظاهرات التي باتت شبه يومية في محافظات الجنوب الست، ويكفي أنه خلال يناير الجاري نظم إضرابين نجحا بشكل كبير في شل الحياة في عدد من تلك المحافظات.

وفي الوقت الذي ينظر فيه كثيرون إلى أنه شبيه بحركة كفاية في مصر، التي صعدت عام 2005، ورفعت شعار التغيير ومناهضة التوريث، فإن منصور يرى أن الفرق واسع وكبير بين الحركتين، فكفاية نجحت في رفع سقف الانتقاد للسلطة، وكسرت حاجز الصمت تجاه السلطة ورموزها، لكنها في ذات الوقت حركة نخبوية ضيقة، وغير قادرة على الحشد الشعبي، لكن الحراك الجنوبي يسير على نهج الثورة البرتقالية في أوكرانيا بحسب منصور؛ حيث لا يهدف لكثر حاجز الصمت تجاه السلطة، بل يهدف إلى الانفصال عن البلاد، أو في الحد الأدنى تغيير السلطة الحاكمة.

حراك غير منسجم

ولا يعد الحراك الجنوبي منسجما من الداخل؛ حيث يهدف البعض فيه إلى فك الارتباط عن الشمال، أو ما يعتبرونه الاستقلال من الاحتلال الشمالي الذي وقع بعد حرب 1994، بينما يرى قسم آخر أن هدف الحراك يجب أن يوجه إلى التغيير لا التشطير، أي بمعنى تغيير السلطة الحالية بنظام أكثر ديمقراطية يحل المشاكل التي ترسبت؛ بسبب ممارسة نظام الرئيس علي عبد الله صالح.

ويرى قسم ثالث أنه يجب العودة إلى ما يعرف بدولة الجنوب العربي، وهو مصطلح يسلخ الجنوب عن البعد “اليمني” له، بحسب عبد الرقيب منصور، بينما يرى البعض في إقامة فيدرالية في اليمن تكون هي الحاكمة لإقليمي الشمال والجنوبي.

ويرى منصور أن هذا التنوع في الأهداف “يهدد الحراك الجنوبي من الداخل؛ حيث يكون مبعث خلافات كبيرة بين مكوناته، وهو ما يعيق مسيرته”.

ويمكن إجمال سلبيات الحراك الجنوبي بحسب الدراسة التي نشرتها شبوة نت، في النقاط التالية:

1- أعطى الحراك النظام اليمني الغطاء للتضييق عليه عندما رفع سقف مطالبه من التغيير إلى فك الارتباط.

2- عدم تقديمه أي أسباب مقنعة لمطالبته بفك الارتباط؛ حيث تعلل بأنه تعرض لظلم ولم يلق استجابة من أبناء الشمال مع أن جميع المناطق تعاني، بل أكثر منه في مناطق أخرى.

3- سماحه لشخصيات متسلقة ووصولية قد جربت بالسابق ولها مواقف سلبية في الماضي أمثال رئيس اليمن الجنوبي علي سالم البيض والفضلي وحركة تاج بزعامته؛ إذ إنهم لم يتحركوا ولم يقوموا بأي إجراءات لاسترداد حقوق الجنوبيين وتحركوا بمجرد ظهور الحراك.

4- انتهاج الحراك سياسة عنصرية وإطلاقه شعارات طائفية ومناطقية تجاه أبناء الشمال.

5- كثرة النزاعات حول القيادة والانشقاقات؛ حيث إنه إلى الآن لم يتم توحيد مكونات الحراك, وحيث إن كل حراك له سياسة خاصة فمنهم من يريد تصحيح مسار الوحدة، ومنهم من يريد أن ينفصل مع الحفاظ على الهوية اليمنية، ومنهم من يريد دولة الجنوب العربي، وهناك مقولات في الفترة الأخيرة مثل عدن للعدنيين وشبوة للشبوانيين، وقد علق على ذلك الشيخ أبو الحسنين محسن معيض في مقال شبوة.. من المجزرة إلى المحرقة.

6- قيام بعض أفراد متعاطفين معه بأعمال عنف ضد مدنين شماليين، وعمليات تصفيات، وانتهاج سياسة التخوين لأي جنوبي متمسك بالوحدة.

ويتوقع المحلل السياسي اليمني عبد الرقيب منصور ألا يستمر الحراك في نفس الشكل السلمي، مشيرا إلى محاولة السلطة استفزازه بتوريطه في أعمال عنف فردية قد تتطور إلى حرب أهلية، وذلك نظرا للطبيعة القبلية في اليمن التي تتخذ من مفاهيم الثأر قانونا لأخذ الحقوق، خاصة عندما يتعلق الأمر بالدم.

ويوضح منصور أن نشوب العنف ليس صعبا في اليمن، فبالفعل تعيش البلاد وضعا أمنيا خطيرا، ويذكر في هذا السياق أن المواجهات التي تتم بين القبائل يستخدم فيها مدافع ثقيلة، كما أن أحد مشايخ القبائل قام مؤخرا بالإغارة على خمس قرى باستخدام أسلحة متوسطة وثقيلة.

“سيف المعز وذهبه”

وحول تعامل السلطة مع الحراك، يقول الكاتب اليمني عبده سيف الفصلي في مقال: إنه في الوقت الذي تصف فيه السلطة حراك الجنوب بأنه مجرد فقاعات، لجأت في تعاملها معه إلى (سيف المعز وذهبه)، ففي حين قامت بقمع بعض المهرجانات والاعتصامات التي نظمتها هيئات الحراك، قامت أيضا بشراء ذمم بعض من كانوا على رأسها، وتمت تسوية أوضاعهم، مثلا: العميد محسن مشعل الجعفري تم تعيينه مستشارا إعلاميا لوزير الدفاع، وصالح علي ناصر البيشي -أبرز دعاة إعطاء الجنوب حق تقرير المصير- تم تعيينه محاضرا في معهد الثلايا، بالإضافة إلى سيارة ورحلة علاجية.

وكذلك العميد الركن سيف البقري -قائد لواء عمران الذي دشن حرب صيف 94- تم تعيينه في لجنة استقبال العائدين وسوي وضعه المادي بسيارة جيب.

والعميد علي الذرحاني -مهندس مجلس تنسيق جمعيات المتقاعدين- تم تعيينه مستشارا لوزير الدفاع، والعميد صالح حمود عمر قائد اللواء 30 في عهد الحزب الاشتراكي، وكان مندوبا للمؤتمر العام الخامس للحزب الاشتراكي، لكنه في يوم موعد المؤتمر استدعاه الرئيس وأعطاه سيارة جيش عسكرية وحسن وضعه، وانضم إلى المؤتمر الشعبي العام، وحسن بن حسينون الذي كانت تعقد في منزله مؤتمرات الحراك، انقلب ضد الحراك وضد قياداته، بعد أن تمت تسوية وضعه ورقي إلى رتبة عقيد، ونشر قرار ترقيته في صحيفة الجيش.

وعلى نفس الصعيد، نجحت السلطة في تفكيك جمعية المتقاعدين العسكريين التي كانت السباقة في قيادة الحراك، وهي التي نظمت فعالية 7 يوليو 2007 في عدن، وخفت اليوم صوتها بعد أن غادر بعض مهندسيها إلى أحضان السلطة سبق ذكر بعضهم، بينما تفرق البعض الآخر بين هيئات الحراك الجديدة.

كما نجحت السلطة في تفكيك ما سمي بـ”مجالس التصالح والتسامح” التي كان يرأسها الدكتور صالح الشعيبي، وتفرقت قياداتها في الهيئات الجديدة، وبرز نشاطها خلال عام 2008؛ حيث نظمت فعالية في 13 يناير2008، وأثارت العديد من ردود الأفعال حيالها من قبل السلطة ومن قبل بعض قادة الحراك أيضا، باعتبار أنها تذكر بالمواجع ولا ترممها.

أما أحزاب المعارضة (اللقاء المشترك)، فقد حملت السلطة مسئولية تدهور الأوضاع في المحافظات الجنوبية والشرقية، وأبدت تعاطفها مع الحراك، لكن يلاحظ أن هناك تباينا في المواقف بين موقف فروع أحزاب المشترك في المحافظات الجنوبية والقيادة المركزية، ومرد ذلك التباين –بحسب قيادات مشتركية- إلى خصوصية كل محافظة في مشاكلها ومعاناتها.

وبحسب الفصلي “سعت أحزاب المشترك إلى ترشيد الحراك، وإقامة المهرجانات المشتركة معه، رغم أن بعض هيئات الحراك وقياداته، يشنون هجوما حادا ضد أحزاب المشترك”.

الحراك “دوليا”

وبالنسبة للمجتمع الدولي -بحسب الفصلي- لم تكن هناك مواقف واضحة، لكن بعد أن بدأت بعض الأصوات تطالب بالانفصال وإعطاء الجنوب حق تقرير المصير، أبدت العديد من الدول الشقيقة والصديقة ذات الوزن الإقليمي وقوفها إلى جانب الوحدة اليمنية، مؤكدة أهمية حماية الوحدة، باعتبار أن ذلك يصب في مصلحة أمن المنطقة والعالم؛ لأنها من أهم مناطق حركة التجارة الدولية.

ويرى الفصلي أنه من الصعب التكهن في الوقت الحالي بمستقبل الحراك والنتيجة التي سيصل إليها، “خاصة في ظل تنامي مطالبه ولغة خطابه، وعدم سعي السلطة نحو حل المشكلة من جذورها”.

لكن عبد الرقيب منصور يرى من جانبه في مؤتمر لندن الذي سينعقد 27 يناير الجاري فرصة للحراك من أجل تسويق مطالبه، خاصة لدى بريطانيا المستعمر السابق لجنوب اليمن، ويأمل الحراك -بحسب منصور- في أن يربط المؤتمر إعطاء دعم مالي لحكومة اليمن بتنفيذها إصلاحات سياسية منها الموافقة على مطالب الجنوبيين.

وفي هذا السياق يرى الفصلي أنه يمكن للحزب الحاكم “إلجام الحراك وإسكاته” بالاعتراف بالقضية الجنوبية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية مهمتها اقتلاع الأزمات -التي يعاني منها الشعب كافة، وليس الجنوب وحده- من جذورها، بدءا من حل مشكلة الأراضي، وإعادة المسرحين من وظائفهم، وانتهاء بإصلاح أوضاع البلاد بشكل عام.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية