نحن والحضارة ؟!

نتساءل بمرارة عن سبب انحطاطنا نحن العرب دون سوانا ، نتسأل كيف من هم دوننا علما ومالا ورجالا وأرضا صار أفضل منا ، فنرجع السبب إلى عوامل كثيرة قد تكون صائبة أو خاطئة ، لكننا حين ننظر إلى ماضينا فنجد انه مشرق ومشرف ، فنتذكر ماضينا بألم و نتمنى أن يعود إلينا أو نعود نحن أليه!

وإذا ما أردنا أن يكون لنا دور مكمل لأسلافنا ، فانه من الضروري أن نسترشد بايجابيات ماضينا التليد ، لا بسلبياته البغيضة المفبركة أصلا من قبل المستشرقين ، إن التمعن في ايجابيات ماضينا تدعونا إلى تأسيس رؤيتنا المستقبلية التي نتمنى إظهارها ، من اجل إثبات وجودنا لدى الآخر الذي سعى ويسعى إلى جرنا بسمومه في متاهات الفتن المؤدية إلى التهلكة ، وتتمثل سموم الآخر لنا من خلال إحيائه لعدد من السلبيات التي رافقت حضارتنا الإسلامية على الرغم من قلتها و عدم أهميتها عبر التاريخ ويظهرها لنا متى ما حس باتفاقنا ، إن من واجبنا كعرب ومسلمين أن نبحث عن نقاط الالتقاء ومن ثم الوقوف عندها وتأصيلها والبناء عليها حتى نتمكن من العبور إلى عالم أوسع عنوانه البقاء لمن يأكل مما يزرع و يلبس مما يصنع ، أن مقياس الحضارة لدى المجتمعات الإنسانية يكمن في قدرتها على التصالح مع ماضيها بكل مكوناته السلبية والايجابية !

ومن ثم التعايش مع الماضي باعتباره ماضي مضى وانقضى والعبرة التي يجب أن نستفيد منها و التباهي بها إمام الآخر بل و تقديمها له هي الأخلاق والقدوة الحسنة ، التي ترتكز على ضرورة تنمية الإنسان بالخلق الحسن وبالتالي تقديم الإسلام إلى العالم الأخر بوجهه المشرق ، والذي اتصف به ديننا الإسلامي بأنه دين الوسطية والاعتدال دين التسامح والتكامل ، دين العدل والمساواة ، دين نصرة المظلوم .

إن الحضارة الغربية التي تدعي أنها الأم الشرعي للمبادئ الإنسانية المتمثلة في حقوق الإنسان وحقه في العيش وحمايته من المخاطر المضرة به من ما حوله من المجتمعات الأخرى أو الحكومات التي يعيشون في كنفها ، وكل ما أفرزته الحضارة الغربية وتسعى إلى التمثيل أمامنا به ليس بجديد على حضارتنا الإسلامية بل أن الحقيقة المعلومة لدى مفكري الغرب هي إن الإسلام هو الأب والأم الشرعي لجميع المبادئ السامية الداعية إلى حماية الإنسان أيا كان وفي كل مكان وزمان ، وان من يقرءا التاريخ بأمانه وتجرد سوف يدرك بأن التاريخ الإسلامي هو المصدر الأساسي لحسنات الحضارة الغربية..

وأن ما يتشرفون به في عصرنا الراهن ليس لهم منه إلا أنهم تمكنوا من تسويقه لدينا ، فكنا نحن أمة تجهل تاريخها المشرق فصرنا لقمة صائغة لطالبها ، فنجح الآخر في ابتلاعنا ثقافياً ، وتحولنا بفعل جهلنا إلى مجتمعات مستهلكة لكل ما ينتجه الأخر سواء فكراً أو حضارة أو سلوكاً ، فسهل على الأخر أن يمتهننا ويدس سمومه في دمائنا ، ومن ثم جعلنا امة مصابة بالإمراض المختلفة فكانت النتيجة هي استعمارنا وقهرنا من داخلنا و اصبحنا نتخبط في السقوط ولا نفكر ابدآ في النهوض..

ولم يكتفي أولئك بما صرنا إليه بل أوغروا إلى ضعفاء النفوس في مجتمعاتنا فجعلوا منهم أعلاما ضالة ومضللة تسعى إلى إشغال مجتمعاتنا بسلبيات ماضيها ، ومن ثم فتح جبهات للصراع مع الماضي فشغلنا بماضينا عن حاضرنا وتاهت خطانا عن اللحاق بالركن الحضاري لأمتنا ، فزلت قدمنا عن المستقيم فسقطنا إلى بؤرة السلبيات في الماضي ، فصغرنا تجاه عدونا فكان له ما أراد منا ، كل ذلك بتعاون أبناء جلدتنا ومعتنقي ديانتنا قولاً الرافضون له جوهراً ، فلسنا إلا امة تداعت عليها الأمم بفعل انشغالنا بما لا يجدي نفعاً ، وتولية من ليس كفؤا علينا فكانت النتيجة ما نحن فيه…