جرائم الحرب

حرب قامت على أكاذيب واستندت إلى تقارير زائفة، لم تكن عادلة بأي معنى إنساني أو أخلاقي، ولم يكن لها أي مسوغ إلا الهيمنة ودوام الإمبراطورية . فمن يدفع ثمنها؟ بالطبع ليس من اختلق الأكاذيب، وليس من بدأ الحرب .

من ينوء بأكلاف الحرب، ومن يتحمل تبعاتها المتتالية هو الشعب العراقي . دمرت صناعته وزراعته، وبناه التحتية بكل أنواعها، وقتلت من أبنائه مئات الآلاف، وشردت الملايين داخل العراق وفي بقاع الأرض .

ولا يزال الشعب العراقي يخوض معركة استنزاف قواه الاقتصادية، ووحدة أرضه وأهله، نتيجة استمرار الاحتلال . وهو لا يكاد يظن أنه سيطوي صفحة سوداء مظلمة في تاريخه حتى تترى عليه أخبار الدمار المستقبلي الذي زرع بذرته الاحتلال الأمريكي لوطنه . فالتقارير تنقل صورة مستقبلية مرعبة، حيث إن الأطباء في الفلوجة، مثلاً، يؤكدون تزايد عدد الأطفال الذين يولدون مشوهين ثلاث عشرة مرة عما هو الحال في أوروبا . انها خسارة رهيبة ذات أبعاد إنسانية واقتصادية واجتماعية متعددة .

لم يأت هذا إلا نتيجة مباشرة للحرب على العراق . فمن ينسى ماذا فعلت قوات الاحتلال في الفلوجة في عام 2004 حينما دكتها دكاً مستعملة الذخيرة الفوسفورية التي أدان استعمالها العالم؟ ولم تتوقف قوات الاحتلال على مدى عامين من العمل المتواصل لتدمير المدينة . ولا يستطيع أحد أن يماري في أن هذه الظواهر الطبية التي تسجل في العراق باستمرار تعود إلى الحرب عليه . فليست هناك ظاهرة أصابت هذا البلد خلال هذه الفترة غير ظاهرة الاحتلال .

وإذا كانت الأعين الآن مسلطة على الفلوجة، فإن كثيراً من أنحاء العراق قد عانى من استخدام الذخائر الممنوعة التي نسمع بين الفينة والأخرى بعضاً من نتائجها . ولأن المأساة عظيمة، ولأن نتائجها كارثية، فإنه يصبح من الواجب الأخلاقي والإنساني والقانوني إجراء دراسات معمقة عن الظواهر، ليس من أجل معرفة مسبباتها على وجه اليقين فقط، وإنما أيضاً من أجل وضع استراتيجية لمعالجتها على كل المستويات، سواء من حيث طرق منع تكاثرها، أو أساليب العناية بمن ابتلوا بها .

فأين منظمات حقوق الإنسان من هذا التحدي؟ إن واجبها المهني والإنساني يفرض عليها أن تسارع إلى القيام بدورها، لأن مشاركتها في تحديد المشكلة وفي تحديد مقترفها تسهم في منع تكرارها . وأين المنظمات الدولية ذات العلاقة التي ينبغي عليها أن تتعرف إلى عمق المشكلة وكيفية مواجهتها من أجل تخفيف أعبائها المستقبلية على الشعب العراقي . ولن تتحدد المشكلة بكل أبعادها من خلال دراسات مبتسرة وجزئية وإنما من خلال مقاربة شاملة .

طبعاً، دون ذلك عوائق كثيرة، لأن الاحتلال ومن عاونه له مصلحة في تمييع القضية من خلال تعويد الناس على أهوالها جرعة جرعة، عوضاً عن كشفها كاملة مرة واحدة . الأولى تخدم مرتكبي الجريمة، أما الثانية فتخفف من آلام الشعب العراقي .

غير مصنف