إلى أين يمكن أن نذهب نحن أبناء المغتربين!!

على هذه الأرض (أرض الحرمين) ولدت وكبرت..
احتضنتني هذه الأرض عندما خرجت إلى الدنيا.. تعرفت فيها على كل الأشخاص الذين أحبهم. لي مع كل شارع من شوارعها ذكرى لا زالت عالقة في رأسي..

يكفيني، على الأقل، أن هذه الأرض منحتني العلم الذي كانت ستبخل علي به أرضي ..

لازلت إلى الآن أذكر تفاصيل المدرسة وطابور الصباح عندما كنا ننشد بصوت واااااحد: “سارعي للمجد والعلياء “.. والراية الخضراء تتوسطها عبارة التوحيد تقف أمامنا!!

بينما لم أعرف: “رددي أيتها الدنيا نشيدي” إلا بسبب ملتقى الشباب اليمني على الانترنت ولم أستطع حفظ ألوان علم اليمن إلا قبل سنوات معدودة!!

تصوروا أني لم أستوعب أمور الجنسيات والأوراق الثبوتية إلا بعد أن وصلت إلى الإعدادية.. لم أكن أشعر أبداً بأنني مختلفة عن صديقات المدرسة إلا حين جاءتني إحدى الاداريات يوماً في المدرسة تطلب آخر تجديد للهوية (بما أني أجنبية حسب قولها) ولم افهم حتى ما الذي كانت تعنيه بقولها “أجنبية”!!

أحب هذه الأرض .. أحبها والله .. ولا أستطيع أن أوجه إحساسي بالانتماء إلا إليها! ولا أحتمل أن يذكرها أحد أمامي بسوء أبداً.

الوطن برأيي لا يعني الجنسية؟!!!
الوطن هو اكبر من جواز سفر وهوية..
الوطن هو اكبر من خارطة وحدود سياسية !!
الوطن هو ذلك الإحساس الصادق الذي تضخمنا به.. الوطن هو الشعور الغائر في أعماق أعماقنا..
الوطن هو حيث يعيش أهلك ورفاقك. حيث تنفست طفولتك ونحتّ ذكرياتك وطموحك !!

اما ما يدعون أنه وطني فلم تربطني به إلا مجموعة من الأوراق الرسمية.. ولدت وكبرت وأنا لا أعرف عنه شيئاً ..ولم يكن يعنيني أن أعرف عنه شيئاً. ولم أشعر بالغربة إلا حينما سافرت إلى هناك للمرة الأولى..

لعلي لن أتمكن من تصوير تلك الأحاسيس المتضاربة التي كانت تعتمل في داخلي. ولكنه كان أشبه إلى الإحساس بالوحشة.. وبأنك غريب عن كل ما هو حولك، وبأنك لا تشبه إلا تلك الأرض وأهلها. ولازلت إلى الآن أذكر صوت أدمعي وأنا هناك؛ كلما سمعت صوت الأذان في التلفاز، ينطلق من أطهر أرض!!

ربما لم تجربوا هذا الإحساس، لأنكم فتحتم أعينكم على سماء أوطانكم، ولكننا فتحنا أعيننا هنا، على سماء هذه الأرض، ولم نعرف غيرها، وكنا نحن أكثر من دفع ثمن الأوضاع المعيشية السيئة في بلادنا !!

لا ادري إلى أين يمكن أن نذهب نحن أبناء المغتربين!! ولكني لم أعد أجد عزاء لنا إلا في تلك الدعاوى التي تنادي بتوسيع دائرة الانتماء إلى كل ما هو مسلم!!

فكما اجتمعنا على قضية فلسطين، ووجهنا انتماءنا نحوها، بإمكاننا أن نوجه انتماءنا إلى كل ما هو مسلم.. باستبدال القوميات العربية الرثة، والانتماءات الوطنية الرعناء.. تلك التي تقسمنا أكثر مما توحدنا. فمازال هناك من ينادي بترسيخ الانتماء إلى الدين في أذهان أبنائنا، ومازلنا نتبنى شعارات الوحدة الإسلامية ولا نعمل بها! ولازالت تعشش في أذهاننا بقية من جاهلية المناطقية والمذهبية، هذه العنصرية التي زرعتها فينا الحدود السياسية المرسومة على خرائطنا!!

فلن نتنقل من بلد إلى آخر بعد الحصول على جواز سفر وتأشيرة، والمرور على ألف طاولة وموظف، ولن ننظر إلى اخينا المسلم إلا بنظره ان هذا سعودي وإلا مصري وإلا يمني.

أعتقد أن مشكلة شتات الهوية العربية هي من ولدت لدينا هذا الحس بعدم الانتماء إلى ما هو عربي حتى لو حاولنا ان نوسع الدائرة إلى الانتماء للإسلام، لن نستطيع ان نتخلص من عنصريتنا !!

كذلك، أعتقد أن هذه المشكلة ليست محصورة علينا نحن فقط، بل هي رواسب جاهلية أعدنا إحياها وأبرزناها في صور المناطقية والقبيلة بين أبناء الأرض والدين الواحد !!

الموضوع ذو شجون، بالنسبة لي، ولعلي توغلت كثيراً حتى وصلت إلى التيه !!وربما أكون قد ناقضت نفسي أيضاً.
ولكن بإمكاني ان ألخص الآمر في نقطتين:

* الانتماء هو إحساس لاإرادي لا يمكن اختلاقه!!
* في ظل وجود السياج الفاصل بين حدودنا السياسية؛ ليس بالإمكان توسيع دائرة الانتماء إلا بمحاولة فتح أعين صغارنا على حقيقة دينهم وعلى جغرافية وتاريخ أسلافهم في كل الأقطار ..وعلى واقعهم العربي الحقيقي.. فنربطهم بجذورهم ربطاً غير مفتعل من خلال تعزيز معنى الوحدة الإسلامية في نفوسهم !!هذا كله، إن كان لدينا بقية حياة لازالت تحمل هم العزة!

* يمانية مقيمة في المملكة العربية السعودية

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية