هل تكون الجولة السادسة آخر الحروب بين الدولة والحوثيين؟

هل تكون الجولة السادسة آخر الحروب بين الدولة والحوثيين؟
هل تكون الجولة السادسة آخر الحروب بين الدولة والحوثيين؟ -

كانت الجولة السادسة من الحرب بين الدولة اليمنية والمتمردين الحوثيين، هي الأكثر كُلفةً من الناحيتين الاقتصادية والإنسانية، وعلى نحو تتضاءل أمامه الخسائر التي تسببت بها الجولات الخمس السابقة من الصراع بين الجانبين، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن الاقتصاد اليمني كاد يصاب في مقتل لو استمرت الحرب مدة أطول..

ولكن إدامة السلام في صعدة تحتاج إلى إجراءات لبناء الثقة بين طرفي الصراع المنقضي يتم تجسيدها عمليًا على الأرض، والتوافق على شكل من أشكال التسوية السياسية تضمن تلبية الحد الأدنى من المطالب لجميع الأطراف ..

تعلمنا دروس التاريخ أن أكثر الفترات مدعاة للقلق وللوجل في بلدٍ ما عاش ظروف قتال وصراع مُسلّح عنيف، وبدأت تلوح في أفقه تباشير سلام محتمل أو مُفترض، ليست فترة الحرب ذاتها وإنما المرحلة التي تلي انتهاء الحرب مباشرة؛ أي مرحلة بناء السلام بين الأطراف المتصارعة، وإدامة تفعيله على الأرض، ينطبق الأمر نفسه على المشهد اليمني الذي بدأ يُهيئ نفسه لمرحلة ما بعد وقف الجولة السادسة من الحرب في محافظة صعدة الشمالية بين الدولة اليمنية والمتمردين الحوثيين، وهي الجولة التي كانت قد اندلعت في الثامن من شهر آب/أغسطس من العام 2009، لتنتهي أواخر شباط/فبراير من العام الجاري 2010، إثر إعلان الحوثيين عن قبولهم شروط الحكومة اليمنية لوقف القتال.

يمكن القول إنه بشكل أو بآخر، ووفق المنهج الذي يميز التاريخ والسياسة اليمنيين، كان لابد لحرب صعدة أن تنتهي، لكن السؤال الكبير الذي ما انفك يُلقي بظلاله على المشهد، كما في كل مرة تنتهي فيه إحدى جولات هذا الصراع الدامي: هل ستكون الجولة السادسة، والتي دامت زهاء ستة أشهر، هي “الأخيرة” حقًا؟ وهل سيلتزم أطراف الصراع بالهدنة وبوقف كامل لإطلاق النار، تمهيدًا لإرساء قواعد راسخة للسلام على الأرض؟

وبغض النظر – ابتداءً – عن الحيثيات الحقيقية التي أدت إلى نهاية الحرب (سنحاول شرحها أدناه)، فإن الأسئلة الموازية الأكثر أهمية في هذه اللحظة أخذت تطفو على السطح، أسئلة من قبيل: ماذا بعد، وما التسوية السياسية التي ستلحق بذلك؛ وكيف يمكن تجاوز تكاليف الحرب الإنسانية والاقتصادية الهائلة؛ وما الضمانات العملية التي تكفل عدم تجدد الصراع مرة سابعة وربما ثامنة؛ وكيف سيبدو المشهد اليمني في المرحلة التالية لانتهاء الحرب في صعدة، سواء على جبهة الجنوب التي تستعر رويدًا رويدًا، أو على جبهة الحرب ضد تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب، والذي اتخذ من اليمن مقرًا إقليميًا له؛ وكذلك على جبهة الاقتصاد المنهك والذي يكاد يسقط مغشيًا عليه بفعل الضربات المؤلمة التي تلقاها ولا يزال؟!

أسئلة كثيرة ما انفكت تتو إلى أخيرًا بزخم غير مسبوق، مُتخِذةً أصداء إقليمية ودولية مهجوسة بمآلات الوضع الأمني والسياسي والإنساني في اليمن، في وقت تسيطر مشاعر التفاؤل الحذر على أطياف واسعة من المجتمع اليمني، لاسيما أن هناك إدراكًا عامًا أخذ يتعاظم في الآونة الأخيرة، مفاده أن الوضع في البلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الصراعات والمغامرات والتجاذبات التي يدفع ثمنها، أولًا وأخيرًا، اليمنيون، دماءً ودموعًا، وإلى جانبهم اقتصادهم القومي ورخاؤهم كما سلامهم الأهلي واستقرار بلدهم ووحدته المهددة في الصميم.

على أنه إذا وضعنا رغبة طرفي الصراع في صعدة (الدولة اليمنية والمتمردين الحوثيين)، على محك المُساءَلة هذه المرة، سنجد عددًا من المؤشرات التي تدل على أن حظ الهدنة في الديمومة والنجاح قد يكون أفضل من أي وقت مضى.

فمن ناحية، تبدو الحكومة اليمنية في وضع تفاوضي أقوى من خصومها المتمردين الحوثيين، عسكريًا و- إلى حدٍّ ما – سياسيًا. فحتى آخر لحظة كان الجيش اليمني يواصل ضرباته الهجومية، برًا وجوًا، ضد مواقع المتمردين وتحصيناتهم، مُحققًا تقدمًا ملحوظًا على جبهات القتال، وفي أكثر من محور.

في المقابل، وتحديدًا خلال الأسابيع الأخيرة من الحرب، بدا المتمردون الحوثيون عالقين بين فكّي كماشة أخذت تزداد ضراوة، بفعل الضربات المتواصلة التي قامت بها القوات السعودية برًا وجوًا وانكفأ على إثرها هؤلاء إلى الوراء معلنين انسحابهم من الأراضي السعودية، وأيضًا بفعل استمرار ضربات القوات اليمنية والتي أوقعت خسائر عديدة في صفوف المتمردين وصلت حد إصابة قائدهم الميداني عبدالملك الحوثي بجروح متوسطة، وأجبرت بعض مجاميعهم تاليًا على محاولة فتح جبهات قتال جديدة شرقًا، باتجاه محافظة الجوف تحديدًا، بهدف التخفيف على مجموعاتهم المتمركزة شمالًا وتشتيت انتباه وجهد القوات الحكومية بعيدًا عن مسرح القتال الرئيسي في صعدة ومنطقة حرف سفيان.

أما من الناحية السياسية، فقد بدت الحكومة اليمنية، خلال هذه الجولة من الحرب، متمتعةً بتأييد خليجي وعربي كبير وصريح وربما عزّ نظيره في مراحل وحروب سابقة، في مقابل دعم إيراني سافر وأكثر وضوحًا للمتمردين الحوثيين، وقد رجّح الاختلال الواضح في موازين القوى الدبلوماسية بين طرفي الصراع، كفة صنعاء التي عملت بكل ما لديها من قوة وروابط ونفوذ دبلوماسي، على تدعيم حربها ضد المتمردين المحسوبين على لاعب إقليمي من خارج المنطقة “غير مرغوب بتدخله” فيها، ومن ثمّ نيل تأييد واسع النطاق – خليجيًا وعربيًا على الأقل – لمواقفها، وقد ازدادت وتيرة التأييد للحكومة اليمنية بعد دخول المملكة العربية السعودية طرفًا في الحرب مع الحوثيين على خلفية اعتداء الأخيرين على حدودها الجنوبية، وقتلهم عددًا من حرس الحدود السعوديين، وتسللهم إلى داخل الأراضي السعودية.

وبالتوازي مع ذلك، عملت صنعاء جاهدةً على الاستفادة من “صمت” الدول الغربية، وبصفة خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إزاء مكونات الحرب وتفاعلاتها في صعدة باستثناء تذكيرها الخجول وحثّها جانبيّ الصراع على ضرورة مراعاة التبعات الإنسانية للحرب وما تترتب عيها من التزامات يعيرها القانون الدولي الإنساني اهتمامًا، وهو الصمت الذي فهمته صنعاء – على نحو أو آخر- بأنه بمثابة “ضوء دولي أخضر” يتيح لها مواصلة حملتها العسكرية ضد المتمردين.

غير أن الضوء الأمريكي والغربي الأخضر سرعان ما بدأ في إعطاء ومضات متقطّعة تشير إلى حدوث نوع من التغيّر في المواقف، وذلك على خلفية الهجوم الفاشل للنيجيري عمر فاروق عبد المطلب والذي استهدف طائرة مدنية أمريكية كانت متوجهة من أمستردام إلى ديترويت ليلة عيد الميلاد (أواخر كانون الأول/ديسمبر الماضي)، وهو الهجوم الذي تبناه تنظيم “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب”، الذي يتخذ من اليمن مقرًا إقليميًا لنشاطاته الإرهابية، منذ الإعلان الرسمي عن اندماج الفرعين اليمني والسعودي للقاعدة في تنظيم وكيان واحد مطلع العام الماضي 2009.

فعلى إثر المحاولة الإرهابية هذه، رأى الأمريكيون أن مواجهة إرهاب القاعدة ينبغي أن يكون أولوية قصوى للحكومة اليمنية وضغطوا بشدة في هذا الاتجاه، لكنهم أدركوا سريعًا أن استمرار الصراعات والتوترات المختلفة في اليمن من شأنه عرقلة جهود محاربة الإرهاب في هذا البلد، والذي يعتقد جزء كبير من الساسة والمحللين الأمريكيين أنه أخذ ينحدر إلى هاوية “الفشل” بصورة مضطردة، تبعث على القلق، والظاهر أن واشنطن، وإلى جانبها كل العواصم الغربية تقريبًا، رأت أن تطبيع الأوضاع في اليمن والنأي بها من الوقوع في دوامة الفوضى، بات أمرًا لا مفر منه. وأنه من الأهمية بمكان أن تعمل صنعاء، وبأسرع وقت ممكن، على إنهاء جيوب الصراعات العنيفة المختلفة – وفي مقدمتها الحرب المستعرة في صعدة – التي تشتت جهود الحكومة اليمنية وقدراتها ومواردها وتثنيها من أداء دور فاعل في محاربة تنظيم القاعدة، الذي ازداد قوة أخيرًا وكثّف نشاطاته انطلاقًا من الأراضي اليمنية، مستغلًا حالة الاحتقان الأمني والسياسي، وانتشار الفقر والبطالة في صفوف اليمنيين، لاسيما الشباب منهم وصغار السن.

ومن ناحية ثانية، كانت الجولة السادسة من الحرب بين الدولة اليمنية والمتمردين الحوثيين الأكثر كُلفةً من الناحيتين الاقتصادية والإنسانية، وعلى نحو تتضاءل أمامه الخسائر التي تسببت بها الجولات الخمس السابقة من الصراع بين الجانبين (والتي تخللت الأعوام 2004 – 2008). فقد شرّدت الحرب الأخيرة آلاف الأسر من منازلهم، أو ما يقرب من ربع مليون نسمة من سكان محافظتي صعدة وعمران، وحولتهم إلى لاجئين داخل وطنهم. ناهيك عن آلاف القتلى والجرحى الذين سقطوا نتيجة لهذه الجولة من الصراع، كما أن آلاف المنازل والمباني العامة والخاصة، وما يندرج ضمن البنى التحتية من طرقات ومنشآت، في مناطق القتال قد دمرت أو تضررت كليًا أو جزئيًا، إلى جانب المزارع والبساتين التي تحولت مرة أخرى إلى خرائب أو مجرد تحصينات وثكنات عسكرية يتمترس فيها المتحاربون، وتشير بعض التقديرات إلى أن الاقتصاد اليمني – المنهك أصلًا، والمعتمد أساسًا على المساعدات الأجنبية وعائدات الإيرادات النفطية التي بدأت تنخفض بصورة حادة – كاد يصاب في مقتل لو استمرت الحرب مدة أطول، لاسيما أن الخزينة العامة تكبدت خسائر كبيرة وصلت إلى نحو مليار ونصف المليار ريال يوميًا بفعل التداعيات المباشرة وغير المباشرة للحرب، ناهيك عما ستتكبده لاحقًا، وتحديدًا في مرحلة إعادة إعمار ما دمرته الحرب.

ويبدو أن فداحة هذه الخسائر قد دفعت شريحة كبيرة من اليمنيين، وبصورة خاصة سكان صعدة وما جاورها (تحديدًا منطقة حرف سفيان التابعة إداريًا لمحافظة عمران، وبعض مناطق محافظة الجوف النائية)، وهي المنطقة التي تشكل بمجملها الحاضنة الديمغرافية والقبلية للمتمردين الحوثيين ومجالهم الجغرافي “الحيوي” إن جاز القول، إلى إبداء امتعاضهم من استمرار الطرفين في حربٍ رأوها “عبثية”؛ ويمثل المدنيون أبرز ضحاياها، وثمة دلائل على أن دائرة التململ والامتعاض من المتمردين الحوثيين خصوصًا قد بدأت في الاتساع أخيرًا، وإن ببطء وبتفاوت في الدرجة، في المناطق التي يسيطرون عليها، الأمر الذي أخذ يلقي بظلاله على الحركة الحوثية برمتها وربما يُهدد قياداتها وعناصرها بإمكانية فقدان قاعدتهم الاجتماعية والقبلية ورافدهم البشري في حال استمرت الحرب لمدة أطول مما يمكن احتماله أو التسامح معه ولا جدال، في هذا السياق، أن الحوثيين ظلوا يعولون (ويراهنون) على قاعدتهم الاجتماعية لتنفيذ تكتيكات حرب العصابات الشرسة التي يخوضونها ضد القوات الحكومية – بنجاح نسبي – منذ أكثر من خمس سنوات.

إذن، وفي ضوء هذه الخلفية بتركيبتها المعقدة، لم يكن أمام المتصارعين في صعدة إلا اللجوء إلى هدنة طويلة الأمد بينهما أو إيقاف الحرب بشكل نهائي، وبكلمة واحدة. ومن خلال عملية تقييم عميقة، سبقت الإعلان عن نهاية القتال بعدة أسابيع، بادر المتمردون الحوثيون في آخر المطاف إلى رفع راية التهدئة وإنهاء الحرب من جانبهم، من خلال قبولهم بالنقاط الست التي اشترطتها الحكومة اليمنية لإنهاء المعارك، وهي: 1) وقف إطلاق النار، وفتح الطرق وإزالة الألغام والنزول من المرتفعات وإنهاء التمترس في المواقع وجوانب الطرق؛ 2) الانسحاب من المديريات، وعدم التدخل في شئون السلطة المحلية؛ 3) إعادة المنهوبات من المعدات المدنية والعسكرية اليمنية والسعودية؛ 4) إطلاق المحتجزين المدنيين والعسكريين اليمنيين والسعوديين؛ 5) التزام الدستور والنظام والقانون؛ 6) الالتزام بعدم الاعتداء على أراضي المملكة العربية السعودية.

ولأن الحوثيين هم من بادر إلى الإعلان بالتزام تنفيذ هذه الشروط أو المطالب التي قدمتها الحكومة، فإن ما حدث كان كفيلًا بإحداث انفراجة كبيرة للأزمة الدائرة في صعدة؛ إذ إنه – والحالة هذه – أعطى الحكومة اليمنية دفعة معنوية كبيرة توازي بقوة تأثيرها ما لم تستطِع الأخيرة تحقيقه بالقوة العسكرية وحدها؛ أي الحسم النهائي في ميدان القتال. وهذا الأمر سيدرأ عنها – إلى حد بعيد – أي اتهامات بالضعف وعدم التمكن من إنهاء القتال لصالحها، رغم توفر الظروف الكفيلة بتحقيق نصر عسكري وميداني على المتمردين الحوثيين.

على أن الخطوة الحقيقية في طريق إنهاء الحرب بصعدة لا ترتبط بطبيعة الحال بمجرد الإعلان اللفظي/ الكلامي من قبل الحوثيين بوقف القتال والموافقة على شروط الدولة، ومن ثمّ فإن القيام بتطبيق هذه الشروط عبر آلية تنفيذ محددة ومبرمجة زمنيًا – مع أهمية اتسامها ببعض المرونة – تعد بمثابة تحول حاسم، وهو ما تحقق بالفعل عبر إقرار آلية لوقف إطلاق النار، ومراقبة تطبيق الشروط وتقييم الإنجاز فيها أولًا بأول، صحيح أن تنفيذ هذه الآلية قد يتخلله بعض المشكلات الفنيّة أو غيرها (كمسألة تسليم السلاح الذي بحوزة الحوثيين)، غير أن هذا الأمر يمكن تجاوزه من خلال قيام جهات يمنية محايدة بالإشراف – ولو بشكل غير رسمي – على تطبيق الآلية، وتقييم مستوى تنفيذها وقدرة الطرفين على التعاطي إزاءها، وتحديد المسئولية عن حدوث أي إخلال بتنفيذ الالتزامات.

والحقيقة أن الوصول في هذه المرحلة إلى تطبيق كامل من قبل الحوثيين للشروط التي حددتها الحكومة (وهو أمرٌ يبدو أنه يحتاج بعض الوقت)، من شأنه تغيير المشهد الإستراتيجي للصراع الدائر في شمال اليمن برمته، وحتمًا فإن له منسحباته الإيجابية على مجمل الأوضاع التي تعيشها البلاد حاليًا وجعلتها تقف على مفترق طرق حقيقي، فمن جهة، تُعطي نهاية الحرب في صعدة القوى السياسية الداخلية (السلطة والمعارضة بشكل أساسي) فرصة لالتقاط الأنفاس وتهدئة الخواطر بعد سنة حافلة بالاستقطاب والشد والجذب، لم يفلح اتفاق شباط/فبراير، الذي وقّع العام الماضي 2009، بين حزب “المؤتمر الشعبي العام” الحاكم وأحزاب “اللقاء المشترك” المعارضة من التخفيف من حدتها إن لم يكن مَدعاةً للمزيد منها، ومن المتوقع أن يعقب مرحلة الارتخاء النسبي هذه قيام الفاعلين السياسيين الرئيسيين بإعادة جدولة الأولويات التي يدور حولها الصراع السياسي بين الفرقاء داخل الساحة اليمنية، ولا يعني ذلك أن معضلة صعدة ستغيب عن هذا المشهد وأجنداته المتضاربة، إذ ستكون حاضرة بشقيها السياسي والإنساني/”الإعماري” إن جاز التعبير، بحكم أن إدامة السلام في صعدة يحتاج إلى إجراءات لبناء الثقة بين طرفي الصراع المنقضي يتم تجسيدها عمليًا على الأرض، والتوافق على شكل من أشكال التسوية السياسية تضمن تلبية الحد الأدنى من المطالب لجميع الأطراف، وهذا الأمر يستدعي وجود طرف ثالث وربما أكثر من طرف لإنجاحه.

من جهة ثانية، يوفر انتهاء القتال في صعدة معتركًا جديدًا، حساسًا ومفصليًا أمام الدولة اليمنية، وهو كسب عقول وقلوب سكان صعدة بشكل خاص وتطبيع الأجواء تمهيدًا لمصالحة شاملة في المنطقة التي شهدت ست جولات من الحروب، وحتى تنجح الدولة في هذه المعركة المخملية الأكثر أهمية، يجب أن تُسارِع إلى القيام بإعادة بناء ما هدمته الحرب وفرض سلطتها ونفوذها الغائبين في صعدة من خلال إظهار دورها الحاسم في عملية إعادة الإعمار وتنمية مناطق ما بعد النزاع، والإشراف على عودة المواطنين المهجّرين إلى ديارهم وتعويض المتضررين منهم، والإعلان رسميًا عن حلّ الميليشيات القبلية غير الرسمية التي شاركت في القتال باعتبار ذلك مقدمةً لازمة ولا مناص منها لإجراء مصالحات قبلية ومجتمعية واسعة في مناطق الحرب وامتداداتها المجاورة، بالتوازي مع المصالحات السياسية التي ستُجرى والتي قد تفضي إلى السماح للحوثيين بتكوين حزب سياسي مدني، ومن ثمّ تشجيعهم في مرحلة تالية على إقامة تحالفات مع القوى والأحزاب السياسية الوطنية والديمقراطية الأخرى، بحيث يتم قطع الطريق أمام عودتهم لرفع السلاح في وجه الدولة مجددًا.

وإذا كان السلام المُستدام في صعدة سيعمل على تغيير المشهد الإستراتيجي في اليمن بشكل عام شمالًا وجنوبًا وعلى نحو يتيح للسلطات شن حملة أكثر فاعلية ضد خلايا تنظيم القاعدة اليقظة والنائمة الموجودة في مناطق مختلفة من البلاد، لكن الحقيقة البديهية التي ينبغي تذكّرها والإشارة إليها هنا أن هذا السلام، ووفق كل المعطيات، لن يُحدِث – على الأقل في المديين القريب والمتوسط – أي تغيير يذكر في خارطة التوازنات السياسية والاجتماعية في قلب محافظة صعدة ذاتها؛ بل على العكس سيُكرِّس من الوضع الحالي للحوثيين، الأسرة والجماعة/الحركة – وتحت أي غطاء كان – بوصفهم قوة نافذة – إن لم يكن القوة الرئيسية – في صعدة.

وهذه المرة سيتمتع الحوثيون، إن أرادوا بالفعل الاستمتاع بذلك، بشرعية سياسية كانوا قد فشلوا في الحصول عليها عن طريق سلطة. الأمر الواقع أو عبر ست جولات متتالية من الحرب مع حكومة صنعاء المركزية، وهذا يعني أن الأوضاع في صعدة لن تعود بأي حالٍ إلى ما كانت عليه في سنة 2004، وما قبلها؛ فالدولة – وفق أي ترتيبات ناجحة للسلام مع الحوثيين – لن تكون اللاعب الشرعي الوحيد في صعدة كما كانت وقتذاك، بل سيشاركها خصومها الشرعية والوجود، وربما الإدارة أيضًا وبالوسائل الديمقراطية بالذات.

وعليه، فإنه إذا لم تتمكن الدولة اليمنية خلال الأشهر والسنوات القليلة المقبلة من فرض هيبتها المطلقة وشرعيتها الناجزة والمعترف بها في تلك الأرجاء، في مقابل تمكّن الحوثيين من تعزيز وجودهم وشرعيتهم هناك؛ وإذا حدث هذا بالتزامن مع تواصل مسلسل تهريب السلاح والنشاطات الإجرامية الأخرى التي تتخذ من صعدة مسرحًا ومعبرًا أساسيًا لها، وكذلك استمرار الاتصالات بين الحوثيين وشركائهم الرسميين أو غير الرسميين في الضفة الأخرى من الخليج، فسوف نصحو ذات يوم فجأةً لنجد أمامنا نسخة يمنية مطورة من “حزب الله” اللبناني، تتبنى – وقد أسكرتها غواية القوة والسطوة – أحد هذين النهجين/ الخيارين، أو كلاهما معًا: النهج/الخيار الأول يتمثل في الاستقواء على القوى السياسية الأخرى، وفرض شروط ورؤى تقوّي موقفها وتعظّم من دورها ومكاسبها على حساب الجميع بما فيهم الدولة ذاتها؛ ويتجسد النهج/ الخيار الثاني لهذه النسخة اليمنية المتطورة من “حزب الله” في العمل على التمدد أفقيًا ورأسيًا – مثلها مثل أي قوة أخرى في عالمنا – والتورط في تحالفات عابرة للحدود، قد تدفعها يومًا ما للدخول في حروب وكالة لا تنتهي مع خصوم شركائها ومنافسيهم الإقليميين (وتاليًا مع من تعتقد أنهم أضحوا خصومها بالمثل)، وهو أمرٌ – إن حصل – لا يمكن توقّع حدود نتائجه أو عواقبه الكارثية.

محمد سيف حيدر باحث يمني. يعمل حاليًا باحثًا بمركز سبأ للدراسات الإستراتيجية، وكذلك مدير لإدارة البحوث بمركز البحوث والمعلومات – وكالة الأنباء اليمنية (سبأ).

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية