انقطاعات الكهرباء.. رحلات عناء ومحطات شقاء!

عندما تنطفئ الكهرباء في ساعة من الليل وما أكثر ما يحدث هذا الأمر في هذا التوقيت بالذات؛ أسمع بعد دقائق من انقطاعها صيحات الأطفال الصغار بجميع مراحلهم العمرية، ولو كنت مكانهم لزعقتُ وصحتُ بأعلى صوتي لماذا (يُفعل) بنا ذلك؛ لأنني سأكون حينها أبيض القلب مصقول السريرة وصحائفي لم تزل بيضاء ناصعة؟، وأنا أسوق الفعل المضارع المبني للمجهول (يُفعل) الذي يفيد الاستمرار إلى أجل غير مسمى، كما يُخفي عجزي في الإسفار عن وحشية الفاعل الذي يمعن في تعذيبنا وتعذيب أبنائنا وأطفالنا البرآء دون رحمة أو شفقة.

وحينها كم أتألم في نفسي وأدرك حجم المعاناة التي تعانيها تلك الأمهات المسكينات مع أطفالهن الرضع الذين تأثرت جلودهم الغضة من شدة الحر وأضحت ألوانها غير اعتيادية، خاصة أولائك الذين لا يملك آباؤهم الفقراء أو المساكين أية مكيفات ستكون كفيلة بجعل غرف النوم باردة لبعض الوقت بعد الانطفاء، فهؤلاء الآباء ليس في مقدورهم الدخول في دوامة التقسيط عند شراء هذه الأجهزة أو التعارك مع الراتب خلال النقلة الهائلة في قيمة الفاتورة التي سيحدثها مجيء (المكيف) هذا الضيف الثقيل الذي نتمناه جميعاً لولا تكاليف ضيافته الباهظة، بالطبع لا أشمل بحديثي هذا مكيفات (دمون) الاقتصادية وهي لا تصلح لنا في الساحل.

كم ضحكتُ حتى دمعت عيني من شدة الضحك المشوب بالبكاء والحيرة والتعجب إلى آخرها من مفردات (البهتة) عندما تم توجيه سؤال إلى وزير الكهرباء خلال حوار أجرته معه إحدى صحف الحزب الحاكم حيث سئل: (هل تعانون مما يعانيه المواطن جراء الانطفاءات المتكررة؟)، فأجاب حفظه الله : (مثلنا مثل أي مواطن، فالكهرباء تنقطع علينا).

ما رأيكم أيها القراء حول هذه الإجابة من الوزير هل تصدقونها؟ أنا شخصياً نازعت نفسي لكنني لم أستطع استيعابها فضلاً عن تصديقها، لو كنت أؤمن أن الوزراء والوجهاء وذوي الشأن والرفعة يملكون مواطير للكهرباء لكنتُ مخطئاً لأن هذا سيكون من أضعف الإيمان إن لم تكن لديهم محطات بحالها لتشغيل فللهم التي تمتد مساحاتها لتساوي حياً مكتظاً بأعداد هائلة من الأنفس البشرية التي ليس لها أي قيمة في نظرهم.

لماذا أنازع نفسي بالتصديق ونحن نسمع في كل دقيقة وبل وفي كل ثانية الكثير من الوعود التي تذهب أدراج الرياح ومنها وعود القضاء على مشاكل الكهرباء منذ عام 1997م وكذا توليد الكهرباء بالرياح والغاز وليس آخرها وعد (…) الشهير بتوليد الكهرباء بواسطة الطاقة النووية، أين محطة مأرب الغازية التي سيتم إنشاؤها وستبدأ مرحلتها الأولى في يوليو من العام المنصرم 2009م، وقد اقترب دخول شهر يوليو مرتين ولم نسمع جعجعة ناهيك أن نرى طحناً غير الطحن في عظام المواطن المسكين، بل وأين كانت الدولة منذ ثلاث أو أربع سنوات لتشيد لنا المحطات (هل كنا منذ ثلاث سنوات نعيش في العصر الحجري؟!) لأنه عندما سئل وزير الكهرباء في الحوار المشار إليه سابقاً: (لماذا اللجوء إلى الحلول الإسعافية؟) فأجاب : (لأن إنشاء محطات جديدة يحتاج مدة تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات)، بالله عليكم هل هذا الكلام منطقي ويدخل العقل؟!!

أين الكهرباء النووية التي حلمنا بها في اليمن وتمنينا أن تزول معها هموم الانقطاعات خاصة نحن أصحاب المناطق الحارة، لكن مع ظهور الحقيقة استفدنا منها فائدة هي أنها قد خففت عن المواطن بعض الهم الذي يعانيه بما صيغت حولها النكت والنوادر التي نسّمت على حال الكثير منا، ليتبين أن المقصود بالنووي هو الشموع، فهل سيكون انتظارنا لإصلاح أوضاع الكهرباء كمن ينتظر الديك أن يبيض أو كمن ينتظر الغراب أن يشيب.

كثيراً ما تتعلل الحكومة أن انقطاعات الكهرباء بسبب العجز الناتج عن زيادة الاستهلاك والطلب على التيار الكهربائي بسبب التوسع الحاصل في العمران والسكن والمنشآت، لكن نادراً ما يتكلمون بصراحة عن استنزاف الكهرباء بسبب الكابلات الرديئة والتسليك الضعيف وضعف خطوط الشبكة وانتهاء عمرها الافتراضي وقدم المحطات الموجودة ووضعها السيئ، مع التكتم الشديد عن الربط العشوائي للكهرباء من قبل المواطنين وأعمال القرصنة المقيتة التي يقوم بها من يملكون العلامة التجارية للسرقة والنهب ولا أحد يكلمهم أو يقول لهم كفى!