في الطائرة مع تاجر يمني*

في الطريق من باريس إلى الرياض ركب بجانبي رجل نحيل الجسم خفيض الصوت دمث الأخلاق حسن المحيا، ومن عادتي أن أبدأ الحديث مع من يركب بجانبي وأبادره بالتحية وأمهد الطريق لحديث يمتد لساعات هو زمن الرحلة، وقد يمهد لصداقة تستمر سنوات، سلمت عليه فرد التحية بأحسن منها، عرفت أنه من اليمن الشقيق ويعمل في المملكة العربية السعودية وفي مجال التجارة، مظهره يدل على الغنى، يسافر في الدرجة الأولى، وعرفت فيما بعد أنه ميسور الحال ولديه أعمال ناجحة.

بعد العشاء وبعد أن نام أكثر الركاب، وبعد أن أنس بي وأعجبه كثرة إنصاتي لما يقول سرد علي باختصار قصته مع الفقر والغنى، وتنقله بين شح المال ووفرته.

طلب من المضيفة كوب قهوة ثم بدأ بسرد قصته حيث قال: غادرت اليمن إلى هذا البلد الطيب المملكة ولي من العمر اثنتا عشرة سنة، أتذكر جيداً ذلك الصباح حين ودعت والدتي وإخوتي الصغار، رأيت والدتي تبكي للمرة الأولى وتستحلف الرجال أن يهتموا بي، مشيت حافياً تركت تلك القرية الوادعة خلفي وجعلت الشمس على جبيني الأيمن ، وسرت مع القافلة نمشي بالنهار ونستضيف أهل الخير بالليل، ووصلت إلى جازان على حدود المملكة حيث يعمل عمي وله دكان صغير يبيع فيه مستلزمات الحياة اليومية، يساعده ابنه الذي كان أكبر مني بثلاث سنوات، عملت في المحل سنتين، وفي إحدى المرات سقط من يدي مصباح زجاجي وتهشم، فنهرني ابن عمي وحين رددت عليه مدافعاً عن نفسي هجم علي بغضب وعضّني في فروة رأسي وعلقني بين الأرض والسماء، كنت صغير الجسم نحيلاً كما ترى، أمال رأسه نحوي وقال: ألا ترى أثر العضة قلت لا، فأخذ يدي ومررها على رأسه وقال: هذا هو أثر العضة باقيا حتى اليوم، ثم أضاف: بعد المشاجرة غير المتكافئة تملكني الغضب وغادرت مدينة جازان إلى الرياض، أيقظت العضّة قدراتي الكامنة وأطلقتها من عقالها، كانت فاتحة خير حررتني من الخوف والتبعية، بدأت أعمل في الرياض في أي مهنة أجدها، كنت أتعلم بسرعة، عملت في البيع والشراء كعامل لدى الآخرين، لكن كان لدي هدف أريد تحقيقه وهو أن يكون لي متجري الخاص بي، وأن أملك من المال ما يكفي ويزيد لأبعث به لوالدتي، وقد تحقق لي ذلك حينما عملت عند رجل كريم من أهل هذا البلد الطيب، أخبرته بما أنا عازم عليه فقال لي: أنت رجل مكافح وكريم وأمين وسيتحقق لك ذلك بشرط أن تضع الهدف أمام عينيك وأن تعمل بجد وإخلاص وأمانة لتحقيقه.

عملت بنصيحته، وافتتحت فيما بعد محلاً صغيراً خاصاً بالعطور أعمل فيه ليل نهار، كنت أراه ينمو ويكبر في كل يوم، كانت الابتسامة جواز دخولي إلى قلوب الآخرين، تعلمت كيف أعفو وأتسامح مع من يسيء إلي، كبر المحل التجاري ووظفت فيه عددا من أبناء بلدي، وتفرغت للسفر والبحث عن فرص جديدة ، دخلت في شراكة مع أناس طيبين وانتقلت من حسن إلى أحسن، قبل أسابيع كنت في الصين واليوم في باريس، وبعد أسبوع سأتوجه إلى موسكو، قلت له: هل رأيت ابن عمك وشكرته على العضّة التي أيقظتك من سباتك؟ أجاب: لا حاجة إلى شكره فهو يذكّرني بها كلما رآني، ويقول لي إن كل ما حصلت عليه من خير وما أصبت من نجاح كان بسبب تلك المشاجرة والعضّة بشكل خاص، أما أنا فأعزو هذا النجاح لعوامل أخرى كثيرة.

أعلن قائد الطائرة ربط الأحزمة، ولاحت أنوار مدينة الرياض من بعيد، كانت رحلة قصيرة جداً بودي لو طالت لأعرف المزيد عن هذا العصامي الذي يختصر قصة شعب مكافح، وطيبة وكرم شعب مضياف، قصة تترجم كيف يكون النجاح، الذي ليس له سوى طريق واحد، طريق العمل بجد وأمانة.

قلت له وهو يهم بمغادرة الطائرة: الحياة تبدأ بخطوة، ولو لم تقم بتلك الخطوة في ذلك الصباح الجميل من قريتك قبل أربعين عاماَ لما قمت بهذه الرحلة اليوم، ضحك وقال صدقت النجاح بحاجة إلى إرادة التغيير، وإلى الشجاعة في اتخاذ القرار، ورسم الهدف، ووضع الخطة وتنفيذها بكل عزيمة وأمانة وصبر وإصرار، وإن تعرضت لعضّة فاجعلها دافعاً للنجاح، لا سبباً في النكوص والفشل. من صبر على وعورة الطريق في بدايته ومشاه حافياً، استمتع بالسفر على المقاعد الوثيرة لاحقاً، لا توجد طرق قصيرة للنجاح.

التجارة من أهم مصادر الدخل والقضاء على البطالة، ولو مكّنا أبناء وبنات هذا الوطن من امتلاك محلاتهم الخاصة بهم والعمل فيها لقضينا على نسبة كبيرة من الفقر والبطالة، لكن ذلك بحاجة إلى التفكير المرن، والخطط التي يشارك فيها القطاع الخاص وصندوق الموارد والجهات الأخرى المسؤولة عن محاربة البطالة، لإيجاد معاهد تدريب لكل نشاط تجاري، مع التركيز على التدريب على رأس العمل، لينتهي البرنامج بامتلاك الشاب أو الشابة محله الخاص به.

حرمان الشخص من العمل الشريف خطأ فادح، يجعله نهب الفراغ والحاجة، وخصوصاً لمن هم في مقتبل العمر، ومن النساء المطلقات والأرامل والمحتاجات.

* العنوان الأصلي: في الطريق إلى تحديد الهدف

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية