ارقام بن جدو وهيفاء والرحباني عند الموساد؟

مر زمن طويل منذ فقدت القدرة على متابعة برنامج تلفزيوني أو نشرة أخبار أو نقاش متلفز من أي نوع كان إلى النهاية.
اعتقدت في البدء أنني أُصبت بعاهة ما، لكن سرعان ما اكتشفت أنها رحمة ونعمة.

غير أن نقاشا أجده مثيرا شدني الأسبوع الماضي في برنامج غسان بن جدو في ‘الجزيرة’. كان ذلك عن مهندس الاتصالات اللبناني، الذي جندته اسرائيل ليمنحها كل لبنان على طبق مفروش بالمعلومات الصحيحة الموثقة (إذا ما صدقت الروايات الرسمية ومزاعم وسائل الإعلام).

لست من هواة أفلام جيمس بوند، لكن النقاشات من ذلك النوع تستهويني. عندما كنت طفلا ارتسم في ذهني أن ضباط المخابرات وعملاءهم اشباح يقبضون الأرواح. وعندما وصلت الجامعة بدأت أرى بعضهم، أو على الأقل هكذا أوحي إليّ، فوسط النشاط الطلابي المختلط بالاضرابات والاحتجاجات والسياسة، كثيرا ما همس في أذني صديق أو زميل في الدفعة أن ‘هذاك مخابرات خد بالك منه’! وعندما دخلت هذه المهنة الزفت التي أنا فيها، جاء من يهمس في أذني أن ‘ما كاين والو.. ما يخلعك حتى واحد’! ثم شيئا فشيئا استقرت بداخلي قناعة أن هؤلاء الناس يؤدون وظائف يتلقون عليها رواتب (الله يعينهم ويسهل عليهم) ويعتقدون أنها أنبل ما في الأرض (مثلما يعتقد القاضي عن وظيفته والمحامي والطبيب ورجل الإطفاء والصحافي وغيرهم).

بينما كان محمد عطوي الذي قدمه بن جدو عميدا متقاعدا وخبيرا في الاتصالات، يشرح ما فعله العميل اللبناني، واسمه شربل قزي، تخيلت كل اللبنانيين يقفون أمام مرآة الموساد كيوم ولدتهم أمهاتهم. وتوضحت الصورة أكثر عندما طرح بن جدو سؤالا توكيديا: يعني الآن أنا وزوجتي وأبنائي كل أرقامنا ومعلوماتنا عند الموساد؟ تمتمت أنا بصوت هادئ: ايوه، أنت وهيفاء وهبي وسمير جعجع وزياد الرحباني والجميع.

وكمن يبحث عن رائحة عزاء في مصيبة كبرى، قال العميد عطوي إن نجاح المخابرات اللبنانية في الوصول إلى هذا الجاسوس يعد انجازا لها يستحق الثناء. اعتقد أن من الانصاف القول ان الموساد هو أول من يستحق الثناء لأنه تجرأ على عملية بهذا الحجم. والمهندس (الجاسوس) اللبناني يستحق هو الآخر الثناء لأنه خاض مغامرة كهذه في بلد محفوف بالمخاطر، و’عمّر’ فيها 14 سنة كاملة قبل أن يكشف أمره.

بدا العميد عطوي شبه مذهول أو مرعوب من خطورة ما قام به شربل قزي بحق بلده.. كان يشرح تقنيا وكأن القضية شخصية، أو كأن اسرائيل ستستغل غدا ما بحوزتها من معلومات ثمرة تلك العملية لتنسف لبنان الصغير المكشوف عن بكرة أبيه.

هو فعلا أمر يدعو للخوف والقلق لأن هذه العملية وقعت في منطقة متوترة وبين جهتين ليس بينهما غير الحروب (إذا كنا محظوظين، سنعرف يوما مدى إسهام تلك العملية في حرب اسرائيل على لبنان في صيف 2006. وقد نحتاج لمن يشرح لنا لماذا لم تصل اسرائيل إلى حسن نصر الله ومساعديه رغم المعلومات الهائلة على ما يبدو التي كانت حصلت عليها).

كل هذا ولم أشعر بأن الأمر عجيب أو فاجأني. تابعت النقاش لأستفيد من معلومات وليس لأن الموضوع صعقني. ربما لأنني لا أعيش جغرافياً في منطقة حرب بالمعنى الكلاسيكي مثلما هو حال لبنان. أو ربما لأنني محصن، أقنعت نفسي بأننا كلنا سواسية أمام أجهزة وأنظمة التنصت والجوسسة، بغض النظر عمن يمارسها والمكان والمسببات.

في حديث مع صديق قديم على اطلاع بأمور المخابرات، قال: هب أنك تستظل تحت شجرة فسقطت على كتفك احدى وريقاتها.. من حقك أن تسأل هل هو سقوط بريء أم لا.

إلى هذا الحد!
ربما تجدون أن صديقي مفرط الحذر والفوبيا. أما أنا فأقول لنفسي ولمن يهمه الأمر: لن أستغرب أبدا إذا ما اكتشفت يوما أن جاري في الطابق الأعلى أو الأسفل كان يتجسس عليّ، وأن حركاتي مراقَبة وهاتفي تحت التنصت، أو أن بريدي يُفتح في مكان ما ثم يُغلق من جديد قبل أن يصل إليّ، أو أن أحد زملائي يقدم ‘خدماته’ لجهاز مخابرات معيّن كاشفا عوراتنا وعيوبنا جميعا كما فعل شربل.

قال بن جدو إن السلطات اللبنانية أوقفت إلى حد الآن 107 جواسيس أو عملاء. قولوا له: لا تستغرب إن كانوا 1700 ما يزالون ‘في الخدمة’.

هذا زمن قرود لا عجب فيه ولا مستحيل.
خذوا نموذجا الشبكة الروسية التي قبضت عليها الولايات المتحدة قبل أسبوعين: عائلات ‘بريئة’ تعيش حياة بسيطة وعادية وسط ‘أيها الناس’ بإحدى ضواحي نيويورك، أولادها يذهبون إلى المدارس ومعيلوها ينهضون صباحا وراء لقمة العيش.. سنوات طويلة على هذه الحال. لو أن أحدا أخبر جاره بأن تلك العائلة في البيت رقم كذا جواسيس للمخابرات الروسية، لسخر طويلا من سذاجته أو من فوبياه.

انظروا السرعة والسلاسة التي تمت بها مبادلة الجواسيس بين واشنطن وموسكو الجمعة الماضية. هذا لأن، بالمقابل، كان لواشنطن ما تخفيه أو تخافه فسارعت إلى قبول الصفقة مع موسكو. ولاحظوا أن روسيا لأنها تعرف بواطن الموضوع لم ترتبك ولم تجزع عندما قامت الدنيا في التلفزيونات الأمريكية يوم تفكيك تلك الشبكة.

زمن أغبر لأن هؤلاء الناس، جازاهم الله خيرا، مزروعون أو عيونهم في كل مكان، من المسجد إلى الخمارة مرورا بالبيوت وأماكن العمل، وبحوزتهم مفاتيح تفتح كل الخزائن والأسرار! وساذج من اعتقد أن نهاية الحرب الباردة أنهت جنون التجسس.

زمن جيمس بوند، لكن الحقيقي هذه المرة! اقتنعوا مثلي بأن المخابرات هذا دورها ومهمتها، حتى بين الدول ‘الصديقة’ و’الشقيقة’، فالله يسهل عليهم واللهم لا حسد! واقتنعوا مثلي بأن عملية لبنان ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وبأن ما خفي أعظم.

وبما أن الجماعة يقومون بواجبهم لا غير، لن أستغرب أبدا إذا ما أُذيع رسميا، مثلا، أن بريطانيا تتجسس على فرنسا وإيطاليا تتجسس على ألمانيا والأخيرة على بريطانيا وهكذا. أو أُذيع أن السعودية تتجسس على الامارات وقطر على البحرين والامارات على تركيا والصين على اليمن.. الخ. بل حتى السلطة الفلسطينية المسكينة أؤمن بأن لديها من تتجسس عليه وهناك من يتجسس عليها!

ليست هذه الحالات كلها بالضرورة جوسسة أمنية عسكرية، بل قد تكون اقتصادية ومن أنواع أخرى فرضها الزمن.

وكذلك الحال لو قيل لي يوما إن العشرات من ‘البولحية’ في الغرب يقدمون ‘خدمات’ للمخابرات الغربية عن حركات وسكنات ‘إخوتهم في الله’ في البيوت والمساجد.

دعكم من كلام السياسة والدبلوماسية، هناك أناس آخرون يعيشون (ويعملون) في واقع آخر يجب أن نقبّله نحن.. هو واقع جيمس بوند الحقيقي، وكل واحد يعتقد أنه يقوم بالمهمة الأنبل للبشرية.

في الاسبوع ذاته، قالت المديرة السابقة للمخابرات الخارجية البريطانية، السيدة ستيلا رمينغتون، ان الروس ‘يتجسسون علينا كما لو كنا في الحرب الباردة’. الأصح مرة أخرى الذي كانت يجب أن تقر به، هو أن البريطانيين يتجسسون أيضا على الروس كما لو كنا في الحرب الباردة.

بينما كان الحديث متوترا عن الجواسيس من بيروت إلى واشنطن، نشرت صحف بريطانية (الاثنين الماضي) تقارير عن أن بلديات لندن تستعمل ميكروفونات للتجسس على محادثات سكانها. هذه بسيطة، وهذا المسموح بنشره. اقتنعوا مثلي بأن غير المسموح به أكبر وأقرب إلى الخيال.

منذ نحو خمس سنوات بثت قناة ‘آرتي’ الفرنسية الألمانية تحقيقا من حلقات عن دسائس ‘سي آي اي’ وكيف غلّطت البيت الأبيض البنتاغون ومجلس الأمن القومي مرارا وتكرارا خلال الخمسين سنة الماضية. كم هائل من المعلومات والتفاصيل المرعبة عن أحداث هددت استقرار العالم والدول، يتلاعب بها أفراد في مناصب معينة ويستغلونها وفق رؤيتهم. وكانت تبدو الأمور في سياقها آنذاك عادية جدا.
بعد 40 أو 50 سنة يكتشف العالم أن أحداثا تبدو اليوم عادية وطبيعية ومنطقية جدا، تخفي وراءها أهوالا، وهي في الحقيقة لا عادية ولا طبيعية ولا منطقية.

الداخل والخارج

أساء كثير من القراء تفسير حديثي في مقالة الأسبوع الماضي عن لاعبي الفريق الجزائري بالمونديال المولودين بفرنسا. إلى اليوم يصلني عتب على تسجيلي كونهم ليسوا من مواليد الجزائر وكأني أتجنى عليهم.

هذا موضوع مهم وشديد الحساسية عند الجزائريين، فمنذ نحو نصف قرن بدأ صراع بين ‘الداخل’ و’الخارج’ وكاد يعصف بثورة الاستقلال وهي في بداية الطريق. ولا يزال الحبل على الغارب. وأتوقع أن الموضوع حساس عند بقية الشعوب أيضا، فبقدر ما يعيش العالم في زمن عولمة وحركة البشر واختلاطهم في كل الاتجاهات، بقدر ما استيقظ في الناس الشعور القُطري والمناطقي والخوف على الهوية.

أشير إلى أنني لا ألوم أحدا على مكان ولادته. سأكون آخر من ينتقد الناس على انتماءاتهم. ولا يزعجني أبدا أن يحمل جزائريون جنسيات وجوازات أجنبية. لست من هواة التباهي بالانتماءات الجغرافية والأوطان إيمانا مني بأن الذين هاجروا من الجزائر ليسوا خونة، والذين بقوا فيها ليسوا وطنيين أكثر من الآخرين. وأي كلام غير هذا أعتبره سمسرة من سماسرة لم يبق لهم ما يسمسرون فيه.

ألفت انتباه غير الجزائريين من القراء إلى أن أولى بذور المقاومة الوطنية الجزائرية زُرعت بالمهجر في بداية ثلاثينات القرن الماضي (باريس). كما لعبت الهجرة دورا حاسما في تاريخ الثورة الجزائرية منذ ما قبل اندلاعها إلى الاستقلال. وستلعب لاحقا أدوارا نبيلة إذا ما دعت الضرورة والظروف.

ما قلته عن لاعبي الفريق الجزائري كان بسيطا وواضحا: إنهم لا يمثلون العرب في المونديال، حتى لو كانوا من مواليد الجزائر، فما بالنا وهم من مواليد فرنسا ويعيشون فيها.

هذه كلمتي أكررها باستمرار على مسامع أصدقائي وزملائي: كي تحب الجزائر أكثر، أخرج منها.
من أراد أن يتأكد، يجرّب بنفسه.
كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’

غير مصنف