بغض النظر.. شكراً للحراك!

بغض النظر فيما إذا اتفقت أو اختلفت مع الحراك السلمي في المحافظات الجنوبية، فيما طرح ويطرح من التظلمات، أو العتاب، أو فيما يقال عن ارتفاع سقف المطالب والشروط التي ضمنها قائمة إعلانه الذي أشهره في مواجهة نظام متهاو فقد الرؤية والروية..

ومن يفقد الرؤية والروية يركبه الشطط و(… لو حكم “الرئيس” العدل في أموره، بينه وبين خالقه، وبينه وبين إخوانه ومعامليه” وبينه وبين ناسه وشعبه وكل الشرائح الاجتماعية والأطياف السياسية “، لطاب عيشه، وخفت مؤنته والمؤنة عليه، فإن الله تع إلى لم يخلق مذاقا أحلى من العدل، ولا أروح على القلوب من الإنصاف، ولا أمر من الظلم، ولا أبشع من الجور) كما قال الجاحظ في إحدى رسائله، ولما كنا في هذه البئر السحيقة والمأساة والبأساء والضراء التي ستحرق الجميع بلا توقف إذا لم يطفأ التنور!

وبغض النظر عن كل التصنيفات أو التوصيفات التي صاحبت ظهور الحراك عبر تطور تدريجي تناسب تسارعه اطرادا مع ثقل الظلم، والإجحاف، والامتهان، والنظرة الدونية التي نظرتهم شزرا ابتداء من علي وقمة هرم السلطة، ومن كل جنرالات الجيش، ولوردات السلب والنهب، وعصابات الرشوة والسحت، وقطاع الطرق..

و بغض الطرف عن التوصيفات التي تلاعن بها اليمنيون وشتم بعضهم بعضا بلا خجل، أو حياء، أو أخلاق.. وكأنما أصابتنا خلة من جنون أو خبل، أو شيطنة لأطفال يتراجمون بألفاظ لا يدركون معناها ومغزاها.. وبغض النظر عن كل المفارقات العجيبة إلى حد السخف والمهزلة وكشف عوراتنا التي حاقت بنا من كل اتجاه..

و بغض النظر عن التشاتم بالمناطقية التي ظهرت بوقاحة، وبذاءة مقززتين، واللعن التفكيري، والقذف التكفيري الذي أماط اللثام عن جوانب نفسية جارحة ومجروحة في آن واحد جروحا قديمة كان يتوجب معالجتها منذ زمن في حلبات المصارعة في ميدان الثقافة المذهبية على مستويات مختلفة من التعييرات والتعبيرات والمعايرات والمعادلات التاريخية والمتباينات الأفقية والرأسية النضالية للشعب اليمني على امتداد تاريخه على هذه الأرض؛ كشافعي، وزيدي، وجارودي، وجعفري، وسلفي، ووهابي على الدائرة المحلية والإقليمية وغيرها من المستويات الأخرى التي ربما أخذت طابعا دوليا كقاعدي،و إرهابي، ومتطرف التي طفت على السطح!

وبغض النظر كيفما نرى تلك الظاهرة القديمة الجديدة، كونها ظاهرة صحية أو مرضية والتي تظل وجهات نظر ليس مقامها هنا وهي بلا جدال ظاهرة تستحق معالجتها وحل إشكالاتها التاريخية التي انسحبت أفقيا ورأسيا في اليمن حتى الآن!

و بغض الطرف عن الأخطاء التي تعاظمت، فأمست ذنوبا يستتاب مرتكبها، طيلة اثنين وثلاثين عاما منذ توليه العرش (رغم شبهات توليه الرئاسة أنذاك في 1978) وتفسيرات قبضته على الحكم، وعشرين عاما من الوحدة التي ما عرفنا منها غير أربع من السنوات السمان، التي تلتها سنوات عجاف أفسدت الحرث، والنسل، والأرض، والعرض، والفرض، والموارد، والعوائد، وثروات الأمة… ومن تعميد سياسات التطبيل والتزمير، والكرتنة، واعتماد أسلوب التنبلة في توطاف العكابر والمشاكل التي تحدثها العكابر، وحلها، والكمبلة في تفهم حقائق التظلمات التي يرفعها الناس حول قضايا السلب، والنهب، والسرقات، وركوب ظهور الناس، والعبث في رقابهم، واختلاس حقوق وأملاك الدولة والناس والبشر من قبل الأبناء وأبناء الأخ وأبناء الأخت والأخوال والأعمام وبقية الأسرة الحاكمة وأبناء القرية الظالمة أهلها، والمصانجة للأصوات التي تع إلى صياحها بالنقد حتى شحبت حناجرها، وقد ذحلت خناجرها من الذلة، والمهانة، والصمت الشيطاني اللعين والنائم عن المطالبة بالحق الضائع!… ولما نفهم ما عناه وما يرمي إليه عمر بن الخطاب حين قال: “من أظهر لنا خيرا ظننا به خيرا، ومن أظهر لنا شرا ظننا به شرا”..

و بغض الطرف والبصر عما قيل في الآثار (.. وإنما يعرف الظلم من حكم به عليه)، أو من قال: “أتخشون من ذكر الفاسق؟ إذكروه يعرفه الناس “!.. وبغض النظر عمن قال: “اثنان متباينان؛ لو فسد الأول فسد الثاني ولو صلح لصلح؛ لو فسد الحاكم فسد المحكوم”..

و بغض البصر عن زبانية وأزلام السلطة، والمزمرين والمطبلين، والمجصصين والدوشن، والمنتفعين من فساد جهاز الحكم والدولة بأكملها، وإسهال التفلت الأمني، والتسيب في محاسبة بطانته الآثمة بالناس؛ وذلك أنه كما وصفهم الجاحظ (… من لابس السلطان بنفسه، وقاربه بخدمته، فإن أولئك لباسهم الذلة، وشعارهم الملق،… قد لبسها الرعب، وألفها الذل، وصاحبها ترقب الاحتياج؛ فهم مع هذا في تكدير وتنغيص، خوفا من سطوة الرئيس وسطوة الصاحب، وتغير الدول، واعتراض حلول المحن. فإذا هي حلت بهم وكثيرا ما تحل فناهيك بهم مرحومين يرق لهم الأعداء فضلا عن الأولياء)..

وبغض الطرف عن اللافتات التي رفعها الحراك من الدعوة إلى رفع المظالم وردها لأهلها، إلى المناداة ب”فك الارتباط” بين دولتي ما قبل 1990 ورفع سقف الحوار إن صح التعبير إلى الانفصال عن دولة الشمال السابقة جمهورية ع. ع. ص المنهوبة الحريات والثروات والكرامة منذ اغتيال إبراهيم الحمدي وإلى الآن… بغض النظر عما ينادي به الحراك.. وبغض الطرف عما إذا كان أخطأ أم أصاب، تعجل أم تروى، رشد الأمر أم تاه عنه الطريق، وعما إذا كان قد أسرف في خصامه مع نظام علي فتعداه إلى مؤذاة الناس “الشماليين” المساكين سعه كما شاع كثيرا استخدام هذا التوصيف الذي لا أحبه ولا يروق وكما يبدو، لأي شريف كريم ذي مروءة..

و بغض الطرف عما أحدثه النظام من فساد وعبث وتعسف وظلم وقهر وقسر.. وبغض النظر عن انتهاكه لحقوق الناس، وأموال، وموارد وثروات الأمة، وتبديدها شذرا مذرا، وأنه قد اختار أن يبغي فتبدى أي ظهر بغيه فأقام على بغيه، إذ أنه لا يحفل البتة ببغض الناس له، وتوحش قلوب الناس منه، واحتيالهم في التباعد عنه، وقلة ملازمته.. وقد قيل في الأثار “.. وغاية الأحرار أن يلقوا ما يحبون ويحرموا، أحب إليهم من أن يلقوا ما يكرهون ويعطوا وما بعدوا عن الحق”!

وبغض النظر عما يمكن أن تكشف الأيام القادمات وأن ” يأتيك بالأخبار من لم تزود ” من عبث بحق الشعب الجائع والمسلوخ والمعوس والمطروح أرضا فوق أكوام الزبالات بالاتفاق الواهن الذي تعتقد المعارضة أنها حققت به النصر الأخير المبين، ولما يعلموا الهزيمة فيه.. وبغض النظر عن ملابسات ذلك الإخفاق لا الاتفاق والتحدث نيابة عن ناس وشعب وأرض قد لفظتهم منذ 1994.

و بغض الطرف عن مساوئ النظام التي ارتكبها في حق شعبه، وكبره وصلفه، وانطباق كل مفردات ومعاني رسالة (التربيع والتدوير) للجاحظ كل الانطباق عليه كأنما فصلت تفصيلا عن قياسه.. وقد قال تع إلى (وما يكون لك أن تتكبر فيها)..

و بغض الطرف عن سرفه وإفراطه في تعظيم نفسه، الذي خرج به، وطوح بأخلاقه إلى غاية سحيقة مظلمة في القسوة والظلم لنفسه، وللناس… والقسوة تلك، والظلم ذاك، ساقاه في طريق غباء الإصرار الممض، وإصرار الجهالة البليد الفض، ودفعاه إلى إقصاء التعقل، وإلى الغاية القصوى في الفساد والإفساد والمفاسد، فصور له كل قبيح أنه الحسن، وزين له كل شر… (فعادى من لا يرجوه ولا يخافه، ولا يضاهيه في نسب، ولا يشاكله في صناعة).. فأثار الشحنآء بين الأسر بل الأسرة الواحدة وزرع الفتنة بين القبائل، وغرس التحاسد والتباغض والشقاق بين الأحزاب، والجماعات، والتكتلات المدنية الإنسانية، وشق على الناس عصيهم تغريبا وشتاتا وإشقاءً حتى في نواحيهم وقراهم فعز الرفيق على الخلق وشق الطريق… وعن ذلك كله تصدر تصارع الناس وصرعهم، فقتل بعضهم بعضا، وظلم القوي فينا الضعيف… وفي ذلك هلاك ونهاية ما لم تستنهض الناس هممها، فلا تتقاعس عن اللحاق بمدارج الصبح البهي معلنة عن ثورة بيضاء أو انقلاب مثير كالفجر، تقوده الناس وتحركه عيون الأطفال الحالمة، وتعشقه الصبايا في كل قرانا ومدننا، وتنتظره الأمهات عند كل باب بضمة كاذية أو ربطة مشموم، وعند كل نافذة بانتظار أبيهم بكأس من البن اليماني وبعقد من الفل والياسمين!

وبغض العين والنظر والبصر والطرف عن القصة الحكيمة التي تروى عن قتيبة بن مسلم لما خرجت خارجة بخراسان حين قيل له:” لو وجهت إليهم وكيع ابن أبي أسود لكفاهم “..فرد على الرجل:” وكيع رجل عظيم الكبر،… وفي رأسه نعرة أي خيلاء وإنما في أنفه أسلوب أي فخر والأسلوب هو الطريق ومن عظم كبره اشتد عجبه…، ومن أعجب برأيه لم يشاور كفيا، ولم يؤامر نصيحا، ومن تبجح بالإنفراد وفخر بالاستبداد كان من الظفر بعيدا، ومن الخذلان قريبا”..

وبغض الطرف عن كل الحروب التي ما حدثت إلا في عهده المليء بالمصائب والأزمات التي لا يتأخر في متابعتها عند أدنى سبب، وكأني به لا يستريح إلا عند كل مشكلة وشغب، وافتعالهما متى وجد فرصة لذلك حتى قيل عنه رجل الأزمات.. باختلاقها لا حلها!

وبغض النظر عن أنه في نهاية هذا المطاف المتعب والمرهق الذي بدأناه، وتأسيسا على اتساع المعاني فإنه قد يظهر لنا وأزعم ذلك السؤال الصيق والوقح والكاثف بالأذى الذي يطرح نفسه كالجرب؛ وهو “هل قد عجز العقل اليمني عن تفجير طاقاته المستقيمة والصحية والسوية؟!” “وهل إذا ماستطاع أن يفعل ذلك ولا أشك في ذاك البتة بأن يفجر تلك الطاقات بالخير، وأن يجلس المتخاصمون والخصوم والمختلفون من عقلاء الناس والأحزاب النزيهة التي لم يصبها دنس الفساد على طاولة الحديث للحساب والعتاب هادئين متزنين ومقرين بالمأساة التي انتهوا إليها وأوصلونا إليها، وأن يديروا ويؤثروا حوارات الرؤوس بدلا عن الضرب بالفؤوس”؟! لتضع عليا في زاوية كالخلد المسكين.

و بغض النظر عما قد يقول قائل وهو افتراض مشروع إن هذا العقل قد استهلك ورث نسجه وقد وصل بطاقاته إلى جدار لا منفذ فيه، أو إلى زقاق مسدود؟ فكيف يزهو هذا الحال والناس والتراب والحضارة والتاريخ إلى غد مشرق آمل للناس والحياة؟ وكيف يخرج عقلنا من رحم المأساة مولودا جديدا كفلق الصباح؟!

أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ,,رئمان أنف إذا ما ضن باللبن

وبغض النظر عما إذا قلت أولا وبداية إن من استحسان القول، ونافلة الحديث أن يتمهد الجواب بأن العقل الإنساني مخزن طاقات لا تنتهي عجائبه، وآفاقه رحبة تمتد ملامسة سرمدا لا يستوقف العقل آماده؛ فلا يشارف نهايات وحدودا.

ويهيئ لنا غالبا لعدم جلاء التفكير، أن الوقائع في واقعنا وعلى اتساع المعنى هي التي تتعسف الحؤول دون انطلاق العقل بطاقاته الإبداعية وإطلاق قدرات الذات التي لو انسابت لاكتسحت الوغد والفسل، ولتشكلت في واقعنا مادة جادة تتكون منها إرهاصات النصر المبين، ومشارف نهاية المأساة وغالبا تستلزم إيثار الثوار وتضحية الأحرار، وقدرة على تحمل الأحزان وطاقة استساغة الآلام لأنه بتحقق الانتصار وإقصاء الازمة والمشارفة على إنهاء المأساة، تتراكم فتتحدد هناك رموز لتحد من إرتمآءات المواجهة بين طاقات العقل وإبداعاته وبين أشواق الانتصار، وإقصاء الازمة وإنهاء المأساة مستلزمة صدق الاشواق وإقصاء الخصاصة والنرجسية وقدرة على تناول الأحزان والفرح في آن واحد!

وكل ذلك يتناسب ونقاء الغاية الجمعية وعدم إغراقها في الإناء، أو إترافها في التحليق بعيدا عن التماس الحياة وتلمس الناس… لأن هذا الكنز الإنساني الذي لا ينضب معينه يظل يطمح ممدودا بلا نهاية، باحثا عن سدم جديدة لا تستكفف. فلابد أن يكون ثمة مبادرة لكبح ذلك الفرس الجامح تتركه في وسطية متوازنة بين واقع جارح وتحليق طامح ليصل إلى فجر آفاق لا فجر أفاق!..

وبغض النظر عما إذا زعمت أن القول المفترض المشروع الذي استهللنا به حديثنا عن الجدار الذي لا منفذ فيه والزقاق المسدود.. هو قول ممكن ويستوقفنا كثيرا، ولكنه سلبي. وأزعم أن صاحبه قد أعجز عقله بأن كان ذو رؤية واحدية للأزمة والمأساة، وبغير شمولية تحيط الأزمة والمأساة، ليراها من خارجها حتى تتكون لديه رؤية وتصور لكل دائرة الازمة بحسب آينشتاين وهو حين لم يقم بذلك كان قد حصر نفسه بآلية تفكير باتجاه واحدي قاصر عن رحابة البصر والبصيرة، فورث إيهام الحال أن هناك إمكانا للتطابق بين الاثنين؛ البصر والبصيرة؛ التفكير بالواقع وتكفيره؛ الأزمة والحل؛ المأساة والبسمات! وتراءى له أيضا إمكانية التطبيق والممارسة والتفعيل. وذلك لا ينم عن عقل خلاق مبدع، بل يومي بجلاء غير مموه عن تفكير عادي إن لم يكن أقل من عادي وسطحي جدا!…

وبغض النظر عما إذا افترضت إن التفكير عمل إنساني عظيم، ناهيك عن أنه عمدة أسباب تفضيل الإنسان، وهو أس وظيفته في الحياة، بل أن وجود الإنسان يدور كله حول تلك الفلسفة المحورية. وأني إذ أزعم هذا، لا أقصد التفكير العادي. إن ما أعنيه هو بلوغ العقل الاجتهاد والاستقصاء للخروج بالتفكير من دائرة التفكير العادي والتجاوز إلى آفاق الإبداع ورحابة الابتكار اللذان يسعان الفجر والشمس والنور.

و بغض النظر فيما لو تساءلت وتساءلتم معي وأزعم ذاك. هل يكفي أن يكون لكل فكرة فعل على الواقع؟ هل يكفي أن يكون لهذا الفعل هدفا فقط!؟ أو ما هي معايير العبقرية؟ أو كيف نتعرف على العمل العبقري؟ أو ما هو تعريف العبقرية؟ أو كيف تكون العبقرية عملا؟ أو العمل عبقري؟

وبغض النظر لو حاولت في هذه؛ فإنني أرى إجابة ذلك بأن العمل لا يكون عبقريا إلا متى تنافرت عليه ثلاثة عناصر تهبه المكون الأخير لتتوج معايير العمل العبقري أو تعرف العمل العبقري، أو أن يتسم الإنجاز بالعبقري! وهذه العناصر الثلاثة تتوالف في:

عظمة الهدف المتوخى الوصول إليه والمرجو تحقيقه
بساطة أو ندرة الوسائل والوسائط والأدوات المتاحة، وعزة المطايا التي يؤمل بها الإنجاز، إذ أن من عزة المطايا تتأتى عزة الوصول..
فوائد النتائج التي تحصلت، وتوصل إليها عند تمام الإنجاز عند عظمة الهدف، وعزة المطايا.

و بغض النظر عما لو أكدت أن اعتقادي أن أي فعل إذا لم يتجاوز الهدف المحدد له، إلى الزيادة؛ أي إلى الإبداع والابتكار لينم عن عقل عبقري خلاق فإنه يظل فعلا عاديا، وأنه قد يخفق في تحقيق الهدف المرسوم له؛ لأنه قد افتقد إرهاصات التحدي الإنساني..

و بغض النظر لو قلت: إذن فلا بدأن يكون لكل فعل إنساني وهو تكريس عملي لفكرة من عقل خلاق هدف وزيادة.! وهذه الزيادة كما أزعم هي الإبداع والابتكار، فمن البديهي أن تكون النتائج عقيمة ما دامت المقدمات عقيمة، بل خاطئة مهما تراءت لنا براقة وأخاذة. فعند الغروب يذوب قرص الشمس عسجدا ودما على شواطئ بها المحبون تتماهى أحداقهم عشقا وشوقا للالتحام. ولكن الغروب إشراف ساهم عن نهاية يوم من أعمارنا.. والحرير مداميك قصور العنكبوت!..

وبغض الطرف فيما لو زعمت أن التفكير الذي يتلمس الناس والحياة وينهج نماءهما وأشواقهما للبقاء الأخضر ويمنح زغاريد أناشيد الديمومة يرثها ابن بر عن أب محسن ذلك هو التفكير الذي تتألمس خلاله الحياة، ويتهندس الناس منه نفوسا مستقيمة لا اعوجاج فيها ولا التواء وتتجوهر فيه العقول؛ وحري بالإنسان أن يؤدب إنسانه بذلك التفكير ليجد إنسانه فيه! و لكن يبدو أن ما قلته قد يكون زلقا!.. بل ويحتاج مزيدا من التوضيح، وتفسيرا أكثر وضوحا وانفراجا.

كيف نتعرف على الفكر الخلاق؟

فبغض النظر عما قلت سابقا أن التفكير الخلاق عمل إنساني، وأساسي لوجوده، وتبرير منطقي لاستمراره في حياته. ونحن كلما نؤدي شيئا، أو عملا لغرض معين، فإننا في الحقيقة قد فكرنا فيه، ونفكر فيه وبه عند القيام بتحقيقه، ومن ثم ترحيله من مجرد فكرة ما، إلى عمل. وهذا يعني أن جل إن لم يكن كل ما نقوم به من أعمال كانت في البدء نوعا من التفكير؛ مثل تنسيق الحديقة أو ترتيب الزهور؛ أو حفظ الكتب وتوزيعها في رفوف مكتبة المنزل؛ أو القيام بالتقاط صور لأطفالنا يوم عيد أو مناسبة عزيزة وغالية!

وبغض العين لو أحاول أن أؤكد إن الفارق هو ما يساوي الفرق بين من يلعب الشطرنج ومن يلعب بأحجار الدمنو! وتأسيسا على هذا، يجب أن نفهم الفوارق حتى نتبين الحقيقة واضحة جلية، وإلا نكون نرمي الحقائق بجهلنا وغباءنا، ونقول كلاما جزافا بعيدا عن الحق، ونكون كمن يقيم الأشياء ببداهة بدائية بدوية صرفة لا معنى لها البتة، ولا مبرر حتى للاستماع أو الإصغاء إليها!

و بغض البصرعما زعمت وأعيده أن التفكير الخلاق أو العمل المبتكر يجب أن يحتوي ليس فقط على هدفه المتوخى والمرجو من تحقيقه عند ممارسته، بل يجب أن يضيف زيادة، وهذه الزيادة لا بد وأن تكون شيئا جديدا أو مبتكرا أو عبقريا. وبغض النظر عما إذا قلت لكم أن هذا هو الجزء السطحي من الإجابة!

وبغض النظر لو قلت إن عملية الإبداع عند تحقيق الممارسة للفكرة أو للتفكير كعمل فإنه يتوخى فوق هدفه الأساسي عملا إبداعيا وابتكارا. وهذا في الحقيقة لا يتأتى ولا يتولد من فراغ أو يوجد طفرة، أو مصادفة، بقدر ما هو إلا جزء من السلوك الإنساني المتواصل مع عمق الحقيقي في وجدانه وتاريخه؛ فردا أو جماعة أو شعوبا أو أمما أو دولا أو حكومات.

التفسيرات والإجابات كثيرة!..
والحقيقة البسيطة التي تغيب عنا ولا نراها لقربها من أعيننا، هي أنه بقدر حاجتنا لشيء نصنعه، أو نقوم به، أو نمارسه كفعل، تولد عن تفكير، فإننا لا نقوم به على الأقل إلا إذا كنا مبدعين ومبتكرين. وذاك هو الانتقاء العاقل وخيارنا المتاح أمامنا في البقاء، وهو على أشد اعتقادي الاختيار الوحيد لنا في الحياة.

و بغض النظر أنه عند تأصيلنا للأشياء وتأسيس الأمور، بحثا عن خيارتنا المتاحة لنا في الحياة، فإنه من إحسان القول وحسن التذكرة، أن نحتاج إلى أسس من الحق والعدل تتوافق وتتساوق مع حقيقة اختياراتنا لأحكام معقولة، بل ومنطقية، حتى نبرر بها أعمالنا في وقت الضرورة، ناهيك في أوقات معتادة. وإننا نحتاج أيضا إلى القدرة والاستطاعة كي نتحصل على تلك الأسس بطريقة تكون صادقة نقية، حتى يظهر عملنا حقيقة عملا مبتكرا وخلاقا، ومبدعا وعبقريا حقا لا غبار عليه ولا طحين.

إننا نصل الآن إلى مفترق كبير وخطير، وتقاطع مصيري ضخم!
وعند هذا المفترق تتشكل نهاية لأزمة، وعنده أيضا تتجمع ملامح أزمة النهاية. فإما أن نضغط احتياجاتنا، ورغباتنا، ومراداتنا، ضغطا قويا قاسيا حتى تتناسب ومقتضيات الرورة وحجم التضحيات، وما تقدمه لنا الظروف، وإما أن نضغط ضغطا قويا لاستخدام عقولنا، وما تمتلكه من إبداعات وطاقات وما تختزنه من خبرة ومعرفة ومهارة ودهاء لاستظهار ما يحقق لنا سد هذه الاحتياجات…

و في أي من الخيارين يأتي السؤال لإجابة طامحة أو جارحة!
هل أدركنا الوقت؟ أم أدركنا الوقت؟

فبغض النظر عن كل ما ذكرت سابقا فالخلاصة الفلسفية، والأخلاقية، والتاريخية والنفسية التي أستخلصها من الحراك في المحافظات الجنوبية هو تعلم الرفض للسوء والفساد والظلم بغض النظر عما يمكن أن أصنف به من أني أختلف معهم في قضية الفكفكة والانفصال!

ويا علي قربت النهاية وسينشق القمر! وسترى كيف تعلم الناس رفضك.. وسيشفى الجسد المريض ما دام المريض لم يعد يخاف المرض المزمن، ومتى عرف الرئيس أن الشعب لم يعد يخافه فسيخاف هو من الشعب الذي نضى ثياب الخوف والضعف والإستكانة والمسكنة ولم يعد يفتجع من خساسة الحنشان وإلا حكاية طاهش الحوبان. وشب نشوان عن الطوق يا هذا (ولما ذهب الخوف.. ) تفجر الفجر عن فلق صبوح أنيق ألق ووريف! وقد ذهب الخوف صدقني وحالنا يقول.. إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان! وستكون الناس أكرم منك، وستقبل تسريحك بإحسان، رغم إمساكك لهم هذه السنوات منذ توليك بغير معروف!

شكرا لك أيها الحراك لأنك قد قدت وسقت الحمار إلى السوق، فعرف الناس في السوق ما بداخل الخرج من الحنشان!

وما شر الثلاثة أم عمرو .. بصاحبك الذي لا تصبحينا
وسامحونا!

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية