إعلام مزيف جداً

لم يسبق أن بلغت اللامبالاة العربية تجاه الحرائق المشتعلة في الوطن العربي ما بلغته الآن. وللتأكد من ذلك ما عليك سوى تحليل الإعلام العربي، بما فيه الفضائيات والصحف والمجلات “العابرة للحدود”(PanArab) لتتأكد أن معظم هذا الإعلام يتعاطى بالتجزئة والمفرق مع هذه القضايا وكأن لا رابط بينها أو بين نتائجها وآثارها على المصالح العربية على الأقل.

أما إذا حللت اتجاهات الرأي فسوف تجد كثيراً من هذا الإعلام يغطي مستجدات الأزمات العربية وكأنها تحدث ما وراء المحيطات أو في عالم آخر. وإذا ما حصل العكس فيكون مرده غالباً إلى اهتمام خاص أو مصلحة ذاتية أو علاقة ثنائية مع هذه الأزمة أو تلك وليس إلى غيرة عربية أو مخافة مزيد من الضعف العربي.

وتعتبر القضية الفلسطينية، التي لم تعد فعليا قضية مركزية منذ سبعينيات القرن الماضي، أبرز مثال على أن القضايا العربية لم تعد تحرك شعرة من العاطفة العربية “المشتركة” في الوقت الذي لا تزال تحرك فيه طوابير ومواكب وسفن ومناصرين لحقوق الإنسان من جميع أنحاء العالم، بمن فيهم بعض اليهود والإسرائيليين. وإذا وضعنا جانباً حقوق الشعب الفلسطيني التي جاهر البعض بسحب تأييده لها استسلاماً أو يأسا أو شماتة ب”حكومة غزة” أو “حكومة رام الله”، فإن من المفارقات المخجلة أن اللامبالاة العربية العامة انسحبت على قضية القدس ورمزيتها العربية والإسلامية وهي في مراحل تهويدها الأخيرة على الرغم من المد الديني الهائل في العالم العربي. بل أخذت اللامبالاة تنسحب شيئاً فشيئاً على المسجد الأقصى وقدسيته الإسلامية رغم التحذيرات اليومية من انهياره التي لم تعد تلقى صدى في الشارع العربي. ليس لأن الأخير أصبح “أكثر رشدا وعقلانية”، بل لأنه أصبح موجهاً نحو أنواع أخرى من الهيجان. منها القطري والرياضي والاستهلاكي وغير ذلك.

لقد أظهر بعض الإعلام العربي قدرة فائقة فيما سمي “شد العصب” المذهبي لزج الساحات الداخلية في حفلات جنون، وبلغ من البراعة في تأدية هذا الدور أنه نجح في الوقت نفسه بتحييد هذا الهيجان العصبي عن قضايا واستحقاقات كبرى عازلاً الشارع عنها أياً بلغ الانتهاك اليومي لمقدسات إسلامية ولكرامات وأعراض تتقل صوراً وأفلاماً عبر الشبكة العالمية.

والحال هذه، لا يعود مستغربا هذا الشلل العربي تجاه “بشائر” تقسيم السودان وزوبعة العراق ومتاهة لبنان واستنزاف اليمن وسيمفونية الموت المزمنة في الصومال، وانفجارات البحرين ومخاوف الكويت وخلافات الصحراء والانشغال بالتوريث في “جمهوريتين” على الأقل. ولا يعود مستغرباً أيضاً أن تتعايش هذه الأزمات جنباً إلى جنب مع مشاغل وهموم “الدول الأعضاء” الأخرى مثل مسلسل حروب الرياضة ومعارك التشويش المتنقلة على البث الفضائي وملاحقة المدونين حتى لو كانوا مراهقين.

ووسط كل ذلك تقول الجامعة العربية إن العرب يدرسون “خيارات أخرى” إذا لم تمدد إسرائيل فترة توقيف الاستيطان “شهرين” وفشلت المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وينقل الإعلام العربي ذلك “بأمانة” شديدة ، قد يتأسف ويتمنى ويشتم لكنه يمتنع عن الربط (بين الوقائع والأسباب والمخرجات) الذي من شأنه وحده أن يكشف شهادات الزور على واقع “عربي غير مشترك “ ويكون مقدمة لوعي آخر، فهذا النوع من التحليل بحاجة لعلماء اجتماع ونفس ورياضيات لتفسير ما لا يفسر وليس إلى “كتّاب” يجترون ما تكرر أو يبررون ما تقرر.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية