سؤالنا الكبير.. لماذا الطالب يستجير من الإنشاء والتعبير؟

كثيرة هي المواقف التي تعترضني والإحراجات التي أتلقاها والطلبات التي تأتي إليّ من جانب مجموعة من طلابنا ممن هم في المرحلتين الثانوية والجامعية ناهيك عن طلبة المدارس والتعليم الأساسي..

كل هؤلاء يطلبون مني أن أصيغ لهم مواضيع الإنشاء او ما نسميه في مصطلحنا بـ (التعبير) ابتداء من مواضيع الإنشاء عن فلسطين وحتى سور الصين وأجد نفسي مكرهاً أمام تلك الإحراجات فلا يسعني إلا أن أقبلها على مضض بشرط ألا تكون هذه المواضيع الإنشائية للامتحانات..

فمثلا طلبة الثانوية العامة، وفي آخر سنة لهم يتوقعون بعض المواضيع التي يمكن أن تأتي في الامتحان النهائي فيطلبون مني صياغتها لهم لكنني في هذه الحالة أرفض وبشدة حيث أنني لا أفضل تغشيشهم في هذا الجانب بالذات فأجد نفسي مرغماً على الموافقة بعد أن أنتزع منهم وعداً بأنهم لن ينسخوها بل سيقرؤونها ويأخذون بأفكارها ثم يفرغون ذلك في ورقة الامتحان..

هذا من جانب طلبة الثانوية والصف التاسع أما من هم دون ذلك فيخجلون أن يأتوا إلي في كل مرة يطلب فيها منهم موضوع انشائي، فيلجأون لكتابة الموضوع بكلمات ركيكة محدودة وأمام شرط المعلم الذي يلزمهم أن يكون التعبير من (5-10) أسطر، فيعمدون إلى (مط) الكلمات زيادة عن اللزوم حتى تستوعب جزء من السطر ويتم الوفاء بشرط المعلم فإذا انتهت صياغة الموضوع لا يسعك عند قراءته إلا أن تنطلق من داخلك الضحكات..

وأظن أن هذا هو حال كل مدرس عند تصحيحه للكراسات الخاصة بالإنشاء حتى يظن من نظر إليه وهو يضحك عند التصحيح انه مجنون أو مختل مع احترامي للمدرسين، تجد في ثنايا الموضوع الكلمات العامية المضحكة والأخطاء اللغوية الفاحشة و(الغلطات) الإملائية المنكرة وهذا ما يلاحظه كل مدرس للغة العربية وكما يقول المثل (أسأل مجرب ولا تسال خبير) بعد تلك المواقف الرهيبة تقافزت إلى ذهني الكثير والكثير من التساؤلات عن هذه الظاهرة ـ إن صح التعبير ـ لماذا هذا العجز وعدم القدرة من طلابنا ممن هم في المرحلة الجامعية والثانوية والأساسية عن كتابة موضوع إنشائي، ولو بسيط وبأسطر معدودة ومحدودة؟

لماذا هذا الاستسلام العنيف والرضا بالواقع خاصة عندما تطلب من أحدهم أن يحاول ولو لمرة واحدة أن يكتب فيجيبك بكل خضوع وخنوع بأنه لا ولن يستطيع ذلك ولو حتى بكتابة سطر واحد بكل ما تعنيه الكلمات من عجز قاتل؟ كيف سيكونون في المستقبل ؛ والأمة والوطن تعول عليهم الكثير والكثير ؛ تجد الواحد منهم عاجزا عن أن يعبر عن حبه لوطنه بأسطر قليلة؟ ما سبب هذا الخواء الفكري وسطحية الثقافة والتفكير حتى وصلت إلى العجز الإنشائي؟

أين ذهبت خصوبة الفكر وانسيابه التي اشتهر بها العرب عن بقية الأمم بما تحفل به أشعارهم ودواوينهم وتراثهم الفكري الإسلامي بعد مجيء الإسلام ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم؟ ما هذه الفجوة التي تتسع يوما بعد يوم بين شبابنا والثقافة النافعة المثمرة؟ كل تلك الأسئلة نرجو من يجيب عنها وما هذه إلا محاولة بسيطة مني للإجابة عليها حتى يمكننا معرفة الداء ومن المعالجة السريعة لأن الحالة طارئة لا تتحمل التأخير، وإلا سوف يحصل ما لا تحمد عقباه والعياذ بالله.

بالبحث عن أسباب التدني الملحوظ للمستوى الثقافي لدى طلابنا حاولت أن ألخصها في النقاط التالية دون شرح لها خشية التطويل وهي كالتالي :

1) قلة القراءة والمطالعة: فالقراءة كما نعلم هي وقود التفكير، والسماد الذي يخصب ارض العقل، وللأسف صار الكتاب آخر شيء يفكر فيه الطالب حتى لو كان في إجازة فإنه يصرفها في اللعب واللهو.

2) الإقبال بمشاهدة القنوات الفضائية وما تحتويه من مسلسلات وأفلام ومباريات التي أخذت معظم الوقت ولم يعد للطالب ما ينمي به عقليته وتفكيره.

3) الاهتمام بالكماليات والانصراف إليها كالإنترنت وكثرة المقاهي والملاهي ومتابعة آخر تقليعة في الموضة والجوال…. إلخ.

4) عدم وجود إستراتيجية واضحة في استغلال الإجازة الصيفية بما يقوي الجانب الثقافي.

5) قلة المكتبات العامة وخلوها في بعض المناطق حتى في المدارس ماعدا مدارس المدن أما الأرياف فلا نصيب لها في ذلك.

6) غياب القدوة في الأسرة وانعدام التربية الفكرية، فالأب يأتي بالمتطلبات الغذائية التي تغذي الجسم فحسب أما ما يغذي الثقافة والفكر كالكتب والكتيبات أو حتى الصحف فمعدوم، وربما نجد أن ذاك الأب لا يقرأ أبدا فيحذو الأبناء حذوه في كره القراءة والمطالعة منذ الصغر، وما يزيد الطين بلّة وجود الجميع في مجتمع لا يقرأ.

7) انعدام أو شبه انعدام الدور الحكومي، خاصة وزارة التعليم العالي ووزارة التربية والتعليم في الدفع بعجلة الثقافة، والارتقاء بالجانب الثقافي وتهيئة الجو المناسب من خلال الرفد المتزايد للكتاب في المكتبات والجهد منوط بمؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص.

8) تولد نوع من العقدة النفسية تجاه الكتاب من حيث أن الطالب خلال عام دراسي كامل يكون منهمكا في المقرر الدراسي الممل في نظره وتنطبع في ذهنه أن الكتب الأخرى شأنها كذلك بالإضافة إلى أن انهماكه وعدم تجاوزه للمقرر الدراسي إلى غيره يحول دون حصوله على المعلومات ويشكل عائقا عن الاستزادة بالأفكار الأخرى. حيث أصبحت الثقافة محصورة فقط على ما هو موجود في المقررات الدراسية.

من خلال معرفة الأسباب نكون في غنى عن شرح العلاج حيث نستطيع وصف الدواء بمعرفة الداء، هذا ما حاولت أن أوضحه بما يخص هذه القضية راجيا سرعة التآزر في حل هذه الإشكالية والخروج بكل ما يعمل على تنمية الزاد الثقافي والجانب الفكري للشباب خاصة ولكافة طبقات المجتمع وفئاته.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية