“الجعاشن” تريد إسقاط النظام!

إذا كانت ميادين اليمن تشهد نوعين من المظاهرات والاعتصامات، فإنها ستشهد قريباً نوعاً واحداً، هو الذي يصنع المستقبل، ويخرجه من رحم المعاناة في حاضر يحكي عن نفسه، عن انتمائه لماضٍ تولى، لم يبقَ منه غير أسماء فقط، توشك أن تلملم حروفها لتغادر نحو الماضي الذي أتت منه!

ما يعزز الثقة في التغيير هو حجم المظالم، مضافاً إليها إنجازات البلطجة الوطنية المسلحة بالجنابي والمسدسات والرشاشات وبالحجارة والعصي والألسن البذيئة وشاشات التطبيل وخطابات التضليل، كلها تحضر في الحلقة الأخيرة لتطالب هي أيضاً بالتغيير من حيث لا تشعر، هي الدليل القاطع على أن هذا أوان التغيير، ومن لم يشاهدها فلا يتردد في زيارة أقرب عيادة لطب العيون.

من أبرز و أقسى تلك المظالم ما دفع بعشرات المواطنين من أبناء الجعاشن للسفر إلى العاصمة، قبل أكثر من عام، بحثاً عن عدالة مفقودة، صرخوا مناشدين ولا مجيب، طلبوا الإنصاف ولا مستجيب.

في مهجتي جشعني يفترش الأرض و يلتحف السماء بالعاصمة صنعاء باحثاً عن من ينصفه ممن ظلمه، في دمي جعشنية تتوارى داخل خيمة وسط العاصمة لترضع ابنها حليب الاعتصام، في ضميري جعشني قضى قهراً لما سمع صدى شكواه تعود إليه: يا قادماً إلى العاصمة تريد إنصافاً، أخطأتَ الطريق، فظالمك قد سبقك إلى هنا منذ 33 عاماً، يبني من الشعر سياجاً لحمايته، وأسلاكاً شائكة أمامك إن حاولت التقدم خطوة لإيصال صوتك.

إن كان القهر قد تمكن من لجم مضطهدي الجعاشن، فإنه يعجز اليوم عن كبح جماح الشعب الذي تنتمي إليه الجعاشن، شعب يطلّق الماضي بالثلاث: إرادةٌ وعزمٌ وعمل، لبناء المستقبل، غير مكترث بمن لم يفهم معادلة التغيير التي تقول “لكل زمن دولة ورجال”، للبعض الذي يتعامى عن الحاضر ممسكاً بالماضي بشخوصه وأدواته، هذا البعض بحسب الراحل الرائع حميد شحرة “يمثل الماضي الذي مضى وانقضى فيما تطلعاتنا للمستقبل تتعرض لقرصنة واغتيال بشع من قبل البرامكة الجدد الذين يحيطون بالرئيس ويصورون له تحذيرات العالم بأنها مجرد ضغوط وتدخلات في الشؤون الداخلية لليمن”، وأضيف إلى ما قاله فقيدنا أن الرئيس فشل في أن يلعب دور هارون الرشيد في مواجهة البرامكة، فلا أحد يمكنه تحطيم المرآة التي يقف أمامها.

كان حميد شحرة- يرحمه الله- في تلك الفقرة يشير إلى شيخ الجعاشن محمد أحمد منصور وهو يلقي قصيدته العصماء في المؤتمر العام السابع للمؤتمر الشعبي العام الذي انعقد في عدن أواخر العام 2005م، وهو آخر مؤتمر عقده ما يوصف مجاملة بأنه “حزب” حاكم، لم يستطع النهوض بعد ذلك إلا لعقد دورة استثائية لاستجداء الرئيس في 2006م ليتراجع عن قراره بعدم الترشح.

ما ذكرني بمقالة حميد المعنونة ب “خيبة أمل تاريخية: إلى أين يمضون بنا” هو ظهور شيخ الجعاشن مؤخراً على إحدى الصفحات الملونة لجريدة الثورة ببذلة أنيقة و ربطة عُنق- ربما للتمويه- وبدهياً بقصيدة جديدة ترمم القديم، يصف فيها “هدير الشعب”… في الشط معلناً أحكامه.. واضعاً كفه بكف علي.. رافعاً في السماء هناك مقامه!.

الكلمات الحية لفقيدنا حميد كأنها كُتبت البارحة، وهو يقول “الشيخ الجعشني كان يقف أمام المجتمع الدولي كله الذي يعبر عن قلقه لتدهور الأوضاع وتفشي الفساد وفشل الدولة في اليمن ليتكرم على الرئيس بقريضه ليقيم حوله زحف شعب هادر.. يخرج الشاعر الجعشني من غياهب التاريخ ليرنح التاريخ أيضا ويعصر القوافي، لكي يقول للرئيس المحاصر بالهموم والضغوط والمستقبل الغامض لبلد كحافلة مهرولة بلا فرامل على متنها عشرون مليون مواطن بائس لا يعرفون إلى أين تمضي بهم؟ يخرج هذا الشاعر لكي يقول: أعليَّ حسبك ما صنعت لأمة.. كانت رفاتاً في الزمان الغابر”!

شيخ الجعاشن الذي كاد أن يكون رفاتاً قبل يوليو 1978م بفعل توجيهات رئاسية كانت قد صدرت بطلبه “وإلزامه بالتعهد بعدم التدخل في شئون المواطنين” كما نصت المذكرة رقم 1563 الصادرة بتاريخ 3/4-/1977م، لكنه بُعث بعد ذلك ليحكي في مدائحه الهادرة حياة جديدة كتبت له، ويريدها أن تطول اليوم، بعد أن انضم إلى معتصمي الجعاشن بالعاصمة آلاف اليمنيين ممن يبحثون عن عهد جديد، ومثلهم في بقية محافظات اليمن، وتحولت الجعاشن إلى وطن يريد إسقاط النظام.

شيخ الجعاشن هنا لم يعد شخصاً بعينه، بل هو رمز للمستفيدين من عهد الرئيس صالح، إذا لم يكن المتحدث الرسمي باسمهم، في وقت انشغل أغلب أولائك بإدارة شبكات البلطجة والتضليل، وصمت البعض الآخر منهم كأنما انشقت الأرض وبلعتهم!.

وآخر ليس بين الجعاشن وبين قريته إلا مرمى حصاة، يسابق العلماء إلى كراسي الصف الأول في أي لقاء يجمعهم بالرئيس، كان قبل نصف شهر- وحتى الآن- يتحدث عن ضرورة اتقاء الفتنة وسفك الدماء، دون أن يخبرنا عن دوره الإيجابي في فتنة الجعاشن، وفي أعمال البلطجة التي سفكت دماء الأبرياء في العاصمة وفي المحافظة التي ينتمي إليها، وغيرها من المحافظات التي شهدت أعمال عنف كان أبطالها مصفقون مثله، قبضوا الثمن ورفعوا أعلام اليمن وقالوا وهم يشهرون أسلحتهم النارية والبيضاء “لا للفوضى والتخريب” في وجه معتصمين عُزل، ينادون بوضوح “سلمية سلمية”، ويمارسون حقهم الدستوري في التعبير.

لسنا إذن ببعيدين عن الجعاشن، إن لم نكن في قلبها، عندما أصبحت الجعاشن في قلب اليمن تردد بحماسة وتفاؤل: الشعب يريد إسقاط النظام!.

رسائل قصيرة:

– مجندو التضليل يقولون إن قناة الجزيرة وفضائية سهيل وطارق السويدان يشوهون اليمن، وكأن هؤلاء المتغابين لا يعرفون شيئاً عن سياسات التسول الرسمي، وتقارير المنظمات المحلية والعربية والأجنبية، بل وتقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وهي تصف الوضع في اليمن بمختلف مجالاته بالكارثي، قبل التغطية العابرة في الجزيرة وقبل إنشاء “سهيل”، الأشقاء والأصدقاء حاولوا الترقيع بلا جدوى، وهم يفكرون بترك قارب الأمل يغرق في بحر الفشل، بعد أن فقدوا الثقة في حكومتنا، ولا لوم عليهم، فملايين الريالات تُنفق اليوم على المظاهرات الرسمية وأعمال البلطجة!.

– سألت الكثير من الإخوة الممتعضين والمعارضين للزخم الشعبي التواق للتغيير بعد أن عرفت سبب امتعاضهم الذي يتلخص في “ما بعد رحيل الرئيس” وهم يتساءلون عن البديل، مشيرين إلى قضايا الانفصال، صعدة، القاعدة، وبنفس الوقت لم يجيبوا على سؤالي المشروع، الممزوج بامتعاضي من بقاء الوضع على ما هو عليه: هل نجح الأخ الرئيس في حل هذه المشكلات؟!، إن كانت الإجابة بنعم فلا خوف من التغيير، وإن كانت الإجابة بلا فالتغيير ضروري!.