كلمة في الأحداث الراهنة في اليمن

كلمة في الأحداث الراهنة في اليمن

لم يعد بمقدور أحد من الناس شعوباً كانوا أو حكاماً السيطرة على مجرى الأحداث أو جعلها تسير حسب مراده وإن كان من صناعها ومشعلي فتيلها ، وهكذا هي الفتن والأزمات ، عندما تصبح أزمات حقيقية ، والوضع في اليمن ليس حالة استثنائية مما يحصل في عالم اليوم ، بل العالم أجمع والكون كله يحكم قانون واحد ومشيئة إلهية نافذة (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ) ، ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً).

وبعيداً عن توصيف ما يدور في الواقع ومعرفة حكمه وقربه من الصواب أو الخطأ، أوّد لفت الأنظار في هذه الكلمات الموجزة الآتية:

أولاً : إن إرادة الله ماضية في خلقه، ومشيئته غالبة والعالم كله محكوم بتلك المشيئة التي لا غالب لها وما يشاؤه الله سوف يكون لا محالة، وخلف هذه المشيئة الكونية حكم بالغة وأسرار حكيمة، (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ).

فقد عاشت الأمة الإسلامية عقوداً من الضيم والاستجداء والانبطاح أمام عدوها وساعد على ذلك جل الحكام الذين صنعوا على عين أعدائهم وصاروا سياطاً في أيديهم تجلد بهم ظهور الأمة وتنتهك بهم كرامتها، ولم يعد بمقدور الأمة وهي في هذه الحالة من الفرقة والضعة والضياع أن تسترد ضائعاً أو تعيد فائتاً فضلاً عن أن تصنع مجداً جديداً ، ومن هنا كان لابد من فترة تأهيل وتمحيص وصياغة جديدة لفكرها وتصحيح مسارها ومعرفة أوليائها من أعدائها ، وأعتقد أن البداية هي ما يجري اليوم من انتفاضة عارمة نحو توحيد الهدف نحو إعادة اللحمة نحو إنشاد التغيير والخروج من قيود الظلم والاستبداد والارتهان لوصاية الأعداء في الداخل والخارج ، وهذه الخطوة يمكن من خلالها استشراف المستقبل وأن الأمة قادرة على إسقاط هيمنة الأعداء بعد إسقاطها لهيمنة الأنظمة الجاثمة على صدورها منذ عقود من الزمن ، وإعادة إصلاح بيتها الداخلي وبنيتها الأولية حتى تنعتق من ربقة سيطرة الأعداء ، وتملك ذاتها وتبني شخصيتها.

ثانياً : نلمح من خلال ما يجري اليوم بأن هناك تأريخاً جديداً يصنع ومخاضاً وشيكاً لجيل يولد، ولن يكون هذا الجيل قطعاً صورة مكررة للثورات القومية أو النعرات والمذاهب الطائفية أو الأحزاب التقليدية ، بل لهذا الجيل خصوصياته وله آماله وطموحاته إنه بلا شك جيل الإسلام القادم وجيل وحدة الأمة المختارة وجيل القيم الراقية الذي يعيد الأمة إلى سابق عهدها وعظيم مجدها.

وليس هذا الكلام محض وهم أو ضرباً من خيال، أو تفاؤلية مفرطة عند كاتب هذه الأسطر، بل هو حقيقة حتمية لجملة من الاعتبارات الواقعية ، ومنها أولاً : أن كل الشعارات التي رفعت عبر تاريخ الثورات العربية والإسلامية قد سقطت وفشلت ولم تزد الأمة إلا وهناً وضعفاً وتفرقاً ، وثانياً : أن كل رهانات الأعداء المستعمرين وخياراتها وشعاراتها قد تكشفت أقنعتها وسقطت قيمها وبانت للأمة حقيقتها ، وملاذ الأمة الوحيد لبقاء وجودها وإعادة سؤددها لا يمكن أن يكون في غير الإسلام والعودة إليه ، وثالثاً : لم يعد خافياً لا على الأعداء ولا الأصدقاء مدى تأثير الصوت الإسلامي في الشارع وتزايد أتباعه واعتزاز الجماهير واستجابتهم له ، وبالتالي فالقادم أفضل ولاشك والمغلب هو الأمل والتفاؤل وانتظار الفرج بعد الشدة والنور بعد الظلمة والعافية بعد المرض.

ولا يعكر أو يهون أو يقلل من اعتبار ما قلته ، وجود الغوغائية والغثائية والدخن أو ما يتعلل به البعض من عدم وضوح الغاية وتميز الشعار أو تخلف بعض معالم التغيير ، فكل هذه الأمور حقيقية لا تنكر ولكن المرحلة القادمة كفيلة بصهر هذه الموروثات وواعدة بحصول التمحيص والتأهيل والتصحيح فقد ولت مرحلة التخوف على الإسلام وعلى الأمة وأصبحت هي الرهان على تحقيق هذا الأمل ، وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه وها هي الأسباب تتآزر وتتلاحم وتعتضد لصالح الأمة ومستقبلها إن شاء الله تعالى.

وأقول : ليس من حق أحد أن يحتكر نصرة الحق والعدل والدين لوحده وبالوسائل التي يراها هو ، فإن الله ينصر دينه ومراده بمن يشاء من خلقه ولو كانوا فجاراً أو كفاراً كما قال عليه السلام : ( إن الله ينصر هذا الدين أو يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم ) فكيف إذا كان الجميع مسلمين ومرادهم نصرة هذا الدين؟!!

وأخيراً أذكر بهذا الحديث الشريف وهو قوله عليه السلام: (إني أرى نفس الرحمن يأتي من قبل اليمن) رواه أحمد وغيره بسند صحيح وهو ما يعني أن ثورة هذا الشعب إن شاء الله لن تكون مصدر أزمة أو عامل فرقة أو فتنة جديدة على الأمة ، بل مصدر تنفيس وبارقة أمل لحياة أفضل ومستقبل أحسن وانفراج أزمات على الشعب نفسه وعلى بقية شعوب المنطقة (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).

داعية إسلامي – عضو هيئة علماء اليمن