المأزق الدستوري والمبادرة الخليجية

المأزق الدستوري والمبادرة الخليجية

أكد الرئيس علي عبد الله صالح في ما سمي جمعة التصالح على قبول المبادرة الخليجية ولكن بما يتوافق مع دستور الجمهورية اليمنية ، وهو طرح عقلاني ومنطقي ، إلاَّ أنه وفي ظل الخصوصية اليمنية يدخل الحزب الحاكم في مأزق حقيقي ، كون الاحتكام إلى الدستور يعني القبول بكل مواده الدستورية دون تجزئة ، وفي حال قبول ذلك المبدأ فإن بعض رموز الحزب الحاكم ستخضع للمساءلة القانونية لممارسة انتهاكات دستورية يمكن إجمالها فيما يلي:

1. تشير المادة (1) من دستور الجمهورية اليمنية إلى أن اليمن دولة ذات سيادة ، وإذا تأكد قانوناً وجود اتفاقات تعطي لدول أخرى كالولايات المتحدة مثلاً الإذن في مهاجمة يمنيين داخل حدود الجمهورية ، فإن تلك مخالفة دستورية كبرى ، ومن ثم إذا تم الاحتكام إلى هذه المادة الدستورية فإن عدد من المتورطين فيها هم أول المتضررين من الدستور.

2. مما لا يختلف عليه اثنان أن التعيينات والترقيات الوظيفية ، وإمكانات الدولة سخرت بشكل كبير لمصلحة المؤتمر الشعبي العام ، وأصبح الانتماء للمؤتمر شرط للحصول على منافع الدولة التي هي أصلاً ملك للشعب ، ولازال المؤتمر حتى الآن يسخر مقدرات الدولة المالية والإدارية لصالح الحزب بحيث أصبح الحزب هو الدولة والدولة هي الحزب ، وذلك يخالف بشكل صريح المادة (5) من دستور الجمهورية اليمنية التي لا تجيز تسخير المال العام أو الوظيفة العامة لحزب سياسي معين.

3. إذا ثبت وقوف الدولة وراء انتهاكات حقوق الإنسان بشكل فردي أو جماعي ، بما في ذلك الأحداث المتلاحقة في ساحات الاعتصامات أو التضييق على الصحافة وحرية الرأي ، فإن ذلك يخالف المواد(42،48،49، 57،58) من دستور الجمهورية اليمنية.

4. إذا ثبت أن مسئولي الدرجة العليا في الدولة يملكون ما يزيد عن رواتبهم الرسمية ويشتركون في مشروعات اقتصادية خاصة، فإن ذلك يعد كسب غير مشروع يخالف المواد(136،135،118،117) من دستور الجمهورية اليمنية.

5. تشير المواد(19،18،17) على الالتزام بالضوابط القانونية في التصرف بعقارات وأموال الدولة وفي حال ثبت أن التصرف في أراضي الدولة وممتلكاتها وخاصة في محافظات عدن وأبين وحضرموت والحديدة وغيرها من محافظات الجمهورية تم خارج إطار القانون ، فإن تلك مخالفة دستورية.

6. تشير المواد(120،41،25،24)إلى تبني الدولة لتكافؤ الفرص وتحقيق العدالة بين أبناء الشعب ، وللأسف ما شهدته اليمن خاصة في السنوات الأخيرة من تفشي للفساد والمحسوبية وتحت سمع وبصر السلطة الرسمية ، مما افقد الكثير من السكان فرصهم المشروعة في العديد من المجالات وخاصة الوظيفة العامة ، وتلك من المخالفات الدستورية الهامة التي دفعت بالكثير من السكان للمشاركة في الثورة الشبابية.

7. تشير المادة(28) إن الوظيفة العامة تكليف لا تشريف وأن الوظيفة الحكومية هي مصلحة عامة وخدمة للشعب ، ويحدد قانون الخدمة المدنية عقوبات من يخالف متطلبات الوظيفة العامة ، وللأسف عطلت الحكومة هذه المادة الدستورية ومواد قانون الخدمة المدنية من خلال تسترها على المئات من حالات الفساد الوظيفي الكبرى المرصودة من قبل الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وهيئة مكافحة الفساد والتي كلفت الدولة مليارات الريالات.

8. المادتان(40،36) وفيهما (لا يجوز لأي هيئة أو فرد أو جماعة أو تنظيم أو حزب سياسي إنشاء قوات أو تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية لأي غرض وتحت أي مسمى ، كما يحضر تسخير القوات المسلحة والأمن أو الشرطة وأية قوات أخرى لصالح حزب أو فرد أو جماعة ، وحضر الانتماء والنشاط الحزبي فيها وفقاً للقانون)وهذه المادتان للأسف انتهكت من مختلف الأطرف مما نشر الخوف والرعب وسط أبناء المجتمع وخاصة في المدن ، والعجيب أن تنتقل العدوى إلى الحزب الحاكم الذي يدير العديد من الأجهزة الأمنية ، يؤكد ذلك قيام بعض قيادات المؤتمر في الفترة الأخيرة بتشكيل ما يسمى لجان حماية الأحياء وتزويدهم بأسلحة شخصية ، إن تلك الممارسات تعد مخالفة دستورية.

9. تشير المواد(151،150،149)إلى نزاهة واستقلالية القضاء وعدم السماح بإنشاء محاكم خاصة ، وللأسف لا يُعمل غالباً بتلك المواد الدستورية.

10. تشير المادة(159) إلى أن تتولى الإشراف على الانتخابات العامة لجنة عليا مستقلة ومحايدة ، وللأسف لم نرى خلال كل الانتخابات السابقة إي لجنة محايدة ، حيث تشكل اللجان الانتخابية بناء على توافق سياسي ، ويعد ذلك مخالفة دستورية صريحة.

11. بالعودة إلى الفترة الانتخابية في المواد(112،65) من الدستور فإن المدة الرئاسية ومدة مجلس النواب الحالي انتهت وذلك يتيح القبول بالمبادرة الخليجية والخروج بتسوية سياسية ، على أن لا ينظر إلى تعديل المادتين (162،161) والخاصة بتمديد فترة رئيس الجمهورية وأعضاء مجلس النواب ، وهاتان المادتان للأسف مثلت انتكاسة للتجربة الديمقراطية في اليمن وكرست مصالح شخصية للرئيس وأعضاء مجلس النواب، كما أن هذا التعديل أربك الحياة السياسية في اليمن ، ولا يعكس المصالح الحقيقة للشعب اليمني.

إن العرض السابق للمخالفات الدستورية والتي تصل إلى حوالي(25) مادة دستورية وهناك مواد أخرى لا يتسع المجال لذكرها تضع الحزب الحاكم في مأزق حرج ، فهو إن استند إلى المرجعية الدستورية وقع في فخ المساءلة القانونية حول مجمل المخالفات الدستورية خلال فترة حكمه ، وإن تجاهل الدستور فلم يعد أمامه سوى الرحيل خاصة في ظل تنامي تيار المعارضين وبالذات من داخل الحزب الحاكم نفسه .

إذن فالقبول بالمبادرة الخليجية بصيغتها الراهنة ودون ربطها بالدستور تمثل مخرجاً لصالح ونظام حكمه ، بينما التشبث بالمرجعية الدستورية يبدو أنها نصيحة قدمت للرئيس علي عبد الله صالح من بطانة لا تحب له الخير ولا تسعى لحل الأزمة وفق معطياتها السياسية والشعبية الراهنة والتي شملت مختلف محافظات الجمهورية اليمنية.

– أستاذ السكان والتنمية المساعد بجامعة صنعاء

[email protected]