إذا سقط الجمل كثرت عليه السكاكين

عندما سقطت أو أوشكت على السقوط النظم العربية المهترئة المعاصرة ظهرت كتابات جادة تناقش أوضاعنا وتضع الحلول العملية لمآسي عهد الانهيار العربي الذي مرت به الأمة، وإن شاء الله نقول بأن هذا العهد ولى وانقضى.

هذا ما حدث بعد وفاة عبد الناصر غفر الله له فكل أعضاء مجلس قيادة الثورة تقريبا كتبوا مذكرات يشمتون بعده بعهده، ولعل هذا ما دفع بالأسد إلى سن سنة التوريث في النظم الجمهورية، وجعل الحكم من بعده لابنه بشار، فاهتبلها كل الزعماء العرب وبدأوا من يومها يؤهلون أبناءهم ليرثوا الحكم من بعدهم، لكن أبناءهم لم تكن قدراتهم ترشحهم لهذا بسبب الدلال الذي عاشوا فيه فكانت الثورة..

وقد قرأتُ مؤخراً خلاصة على موقع : (الجزيرة نت) كتاب : ( مصر ومصريون في عهد مبارك (1981م 2008م ) لمؤلفه : د. جلال العالم. وقبلها قرأت موضوعا بعنوان : معايير اختيار الوزراء في العالم العربي تقود لكارثة بقلم أحمد عبد الرحمن ( مجلة الفرقان الكويتية العدد : 469 / 30 33 ) وقد قال الشاعر :
الناسُ مثلَ زمانهم قدَّ الحذاء على مثاله
ورجال دهرك مثل ده رك في تقلبه وحاله
وكذا إذا فسد الزمانُ يُرى الفسادُ على رجاله

د. جلال العالم تحدث في كتابه حول : الدولة الرخوة : فبعد شهر عسلٍ حرص مبارك عليه في بداية عهده عام 1981م حيث هدأ الأوضاع السياسية بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين الكبار واستقبلهم في القصر الجمهوري بالترحاب والتكريم، وتجاوز ما كان يستفز به سلفه مشاعر المصريين مثل الظهور المستمر لزوجته جيهان سيدة مصر الأولى كما يحلو للبعض تسميتها ونشر صورها على الصحف وغيره مما كان يؤذي مشاعر المصريين.

ودعا في عام 1982م إلى مؤتمر اقتصادي لمناقشة الوضع المتردي للاقتصاد المصري. وسُمح بحرية عالية للصحف، بل وعادت صحف المعارضة إلى الظهور..

لكن ذاك لم يدم طويلا ! فإذا بنظرية الدولة الرخوة التي أرساها عالم الاقتصاد السويدي (جنار ميردال) والتي أسماه سر البلاء الأعظم والتي من أبرز معالمها : أن تصدر قوانين ولا تطبقها، ولا يحترم فيها القانون إذ الكبار لا يبالون به بما لديهم من مالٍ وسلطة، والصغار يفتحون أفواههم للرشوة فيغضون أبصارهم عن القانون فتباع الرخص والتصاريح فيعم الفساد ويزداد فيزداد رخاوة الدولة.

ساق المؤلف حشداً من الأمثلة على ذلك من مصر : فبعد عامٍ واحدٍ من حكم مبارك عام 1982م لمصر اجتاح الكيان الصهيوني مخيم صبرا وشاتيلا فوقفت الدولة منها موقف المتفرج.

وجاء حادث خطف الطائرة المصرية عام 1986م فلم يصدر من دولته أي رد فعل ملائم، وغرقت الباخرة سالم إكسبرس فأبدت الدولة تراخياً مدهشاً في إنقاذ ركابها، وانتشرت فضائح مذهلة في بعض الوزارات مثل وزارة البترول وانتهت بخروج الوزير دون أي محاكمة.

والأخطر من هذا كله كان يوم تعرضت مصر لهزة أرضية عام 1992م لم تستمر أكثر من أربعين ثانية فكادت الدولة أن تسقط متهالكة : انكشفت نسبة الأبنية المخالفة للقانون، والأدوار المحكوم بإزالتها ولم يزلها أحد، والآثار التي كان ينبغي أن ترمم فلم ترمم، والمدارس التي تجاوزت العمر الافتراضي ومع ذلك سُمح لتلاميذها بدخولها، ولم يعاقب أحد..

أما معايير اختيار الوزراء وهو الموضوع الثاني الذي قرأته مؤخرا : فليس لشغل المناصب الوزارية معياراً منضبطاً أو أساساً موضوعيا، فوزير الإعلام المصري السابق نقل إلى وزارة الشباب والرياضة ( وفي اليمن حدِّث ولا حرج ).

أما معايير اختيار الوزراء فيتم على أساس :
1) الولاء للوالي : فلا تهمه مصلحة العامة ولا معدلات الإنجاز أو محاربة الفساد، وليس له اهتمام سوى الترويج الإعلامي لإنجازات الزعيم التي تحدث في وزارته، والمغالطة في معدلات التنمية لإرضاء الحاكم ضارباً بمصلحة العامة عرض الحائط.
2) القرب من زمرة صانعي القرار أو الحاشية : فليس مهماً سوى أن يكون ضمن هذه الشلة أو تلك، ومعرفة قواعد لعبتها لا غير.
3) الولاء للأجهزة التي تمكنه من الاستمرار في منصبه : فهي وحدها التي تقرب من تشاء، وهذا ما أشار إليه الدكتور/ يحيى الجمل السياسي الأردني المخضرم.
4) الصداقة : حتى أنه كانت جماعة اسمها جماعة باريس في إحدى الحكومات المصرية، تعمل في وظائف مختلفة في السفارات المصرية، استمرت لمدة عشر سنوات تدير مصر بمعيار الصداقة !
5) دعم أمريكا : وهو معيار خطير فلا وزير إلاّ وهو وثيق الصلة بكلٍ من واشنطن وتل أبيب، مما يؤدي إلى سيطرتهما على الأداء الوزاري وهيمنتهما وتنفيذ أجندتهما.
6) الصلة بالكيان الصهيوني : فلا يمكن اختيار وزير مناوي لمسيرة التطبيع أو داعياً لمواجهة المشروع الصهيوني.
7) المد النسوي : أو النفوذ المتنامي للوبي إشراك النساء في كل تشكيل وزاري ومعيار ذلك ليس الكفاءة ولكن سعياً نحو الظهور بمظهر الدول المتقدمة المتحضرة أمام المجتمع الدولي والاستجابة لاملاءات واشنطن..
طبق هذه المعايير السبعة على اليمن وقارن النتيجة ترى العجب وأنت الحكم !

غير مصنف