ما بعد الرحيل.. خمس رسائل عاجلة

سأستهل مقالي هذا بالترحم على أرواح شهداء الثورة اليمنية المباركة والدعاء بالشفاء العاجل للجرحى الذين أصيبوا خلال هذه الثورة منذ انطلاقتها وحتى اليوم ومن كل الأطراف بما في ذلك جرحى الاعتداء الذي وقع على دار الرئاسة وفي مقدمة هؤلاء الجرحى الأخ الرئيس، كما أتمنى وادعوا المولى عز وجل أن يمن علينا بعطفه وأن يتداركنا بلطفه.

في اعتقادي أن خروج الأخ الرئيس للعلاج في الشقيقة السعودية وتولي نائب الرئيس الفريق الركن/ عبدربه منصور هادي زمام الحكم في اليمن هو التطبيق العملي للمبادرة الخليجية ولكن بسيناريو لم يكن أحد يتوقعه ولا يتمناه على الأقل بالنسبة لي شخصيا فقد كنت أتمنى أن يتحقق سيناريو الرحيل في يوم الثاني والعشرين من مايو ذكرى إعادة تحقيق الوحدة اليمنية المباركة وهو اليوم الذي كان مقررا لتوقيع الرئيس على المبادرة الخليجية والتي كان سيتم بموجبها قيام الرئيس بنقل صلاحياته لنائبه طواعية، غير أن تنصل الرئيس عن التوقيع دفع الأحداث إلى السير بخطى متسارعة في الاتجاه الأسوأ حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، وها هي صلاحيات الرئيس تنتقل إلى نائبه ولكن حتما لا طواعية، ولا أظن أن حالة الرئيس الصحية ستسمح له بإدارة شؤون البلاد مرة أخرى حتى بعد استقرار حالته الصحية وتماثله للشفاء، وذلك بحسب ما تسرب من معلومات عن وضعه الصحي.

على أية حال ما أود التأكيد عليه هنا هو أنه يجب علينا جميعا التعاطي الآن مع واقع جديد هو واقع ما بعد الرحيل فالرئيس في تصوري قد رحل ويجب التعامل اليوم مع هذا الواقع، وكنت أتمنى أن أتوجه بالتهنئة الخاصة والخالصة إلى شباب الثورة المباركة بنجاح ثورتهم التي أذهلت العالم وآتت أكلها في نهاية المطاف رغم ما واجهتها من صعاب وما زرعت في طريقها من عقبات، ولكنني رأيت تأجيل هذه التهنئة لحين تماثل الرئيس للشفاء حتى لا تفسر تهنئتي بأنها تشفي وأنا أربأ بنفسي أن أكون من المتشفين.

غير أنه وفي هذه الأجواء المفعمة بحب الوطن والإشفاق عليه والحرص على أن لا يعاني أكثر مما قد عاناه فإنني أستغل هذه السانحة لتوجيه بعض الرسائل العاجلة في هذه “اللحظة التاريخية التي هرمنا من أجلها” إلى كافة مكونات المشهد اليمني، مع العلم بأنني كنت قد سطرت هذا المقال في صبيحة يوم الثاني والعشرين من مايو وكان يحمل عنوان “ما بعد التوقيع.. رسائل عاجلة”، ولكن عدم التوقيع على المبادرة حال دون نشره، واليوم أعدت صياغته بما يتناسب والظرف الحالي، هذه الرسائل التي يتضمنها المقال هي عبارة عن نصائح لكافة أطياف المشهد اليمني والتي أتمنى أن يتلقفها الجميع وأن يأخذوها بعين الاعتبار أملا في الخروج بالبلاد من محنتها والنهوض بها من كبوتها، فأقول وبالله التوفيق ومنه العون والسداد:

الرسالة الأولى: أوجهها إلى أولئك الشباب أبطال ثورة التغيير المباركة الذين أخرجهم حب الوطن والحرص عليه والنضال من أجله، وقد اخترتهم في المقدمة لأنهم كانوا الرقم الأصعب في المعادلة وأصحاب القول الفصل فيها، فأقول لهم واصلوا سيركم الحثيث واستمروا في همتكم المتوقدة فالثورة الكبرى بدأت الآن فلا تتوانوا فأمامكم مهمة ثقيلة ثقل الإرث الذي خلفه النظام، والوطن ما زال ينتظر منكم الكثير للنهوض به من كبوته واللحاق بركب الأوطان المتحضرة، فامتطوا صهوات عزائمكم أيها الأحرار وأيتها الحرائر والحقوا بالركب فالأنظار ترنوا نحوكم والقمم تشتاق لكم وليكن شعاركم:

ليس يثني عزيمتي طول درب ** أو عظيما فهمتي منه أعظم

الرسالة الثانية: لعلمائنا الأفاضل أنتم يا من قرن الله خشيته بكم ويا من منحكم رسوله الكريم عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى التسليم وسام “ورثة الأنبياء”، أقول واعذروني على توجيه خطابي نحو علماء أجلاء من أمثالكم ولكنه واجب النصيحة التي أمرنا بها الصادق المصدوق بقوله: “الدين النصيحة” لقد قمتم أيها العلماء الأفاضل خلال هذه الثورة اليمنية المباركة بما افترضه الله عليكم من الاجتهاد وتباينت اجتهاداتكم فنلتم الأجر والأجران من أخطأ منكم ومن أصاب، ولكن المرحلة الآن ما عادت تحتمل التباين فتنادوا فيما بينكم لتوحيد كلمتكم حتى تتوحد الأمة من ورائكم.

الرسالة الثالثة: إلى أطراف العمل السياسي “المؤتمر وحلفاؤه والمشترك وشركاؤه” لهؤلاء أقول “شكر الله سعيكم” لقد تصارعتم بما فيه الكفاية وتمترس كل طرف وراء رأيه وفكرته، وبغض النضر عن الطرف الذي كان محقا أو غير محق فالظرف الآن لا يسمح بالخوض في هذا، غير أنني على ثقة بأن غالبيتكم كان هدفهم خدمة الوطن، ولكنكم وقعتم أثناء سعيكم السياسي الدءوب في أخطاء دفع الوطن ثمنها فلا تكرروا تلك الأخطاء فالوطن اليوم قد وصل إلى درجة من الإعياء لا يمكنه معها تحمل المزيد، فتماهوا أيها المخلصون في كيان واحد هو الوطن وانشغلوا بمهمة واحدة هي النهوض باليمن، وتعاملوا فيما بينكم على قاعدة “شركاء لا خصوم”، وتناسوا خلافاتكم واطووا صفحات ماضيكم المحشوة بالبغضاء والكراهية وافتحوا صفحة واحدة هي صفحة المحبة والود والإخاء، ولبوا نداء ربكم وهو يخاطبكم من عليائه بقوله عز من قائل: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا”، وتذكروا قول الرسول الكريم في الحديث الصحيح: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”، واجعلوا التسامح ديدنكم مستلهمين في ذلك قول الشاعر:

سامح أخاك إذا خلط ** منه الإصابة بالغلط
وتجاف عن تعنيفه ** إن زاغ يوما أو سقط
واقن الوفاء ولو أخل ** بما اشترطت وما اشترط
واعلم بأنك إن طلبت ** مهذبا رمت الشطط
من ذا الذي ما ساء قط ** ومن له الحسنى فقط؟!

الرسالة الرابعة: إلى جميع وسائل الإعلام التي انحرفت عن مسارها وخانت رسالتها فأججت القلوب وأوغرت الصدور وساعدت في زيادة الاشتعال وأسهمت عن سبق إصرار في اتساع الجرح وزيادة النزيف، لهذه الوسائل أقول اتقوا الله في وطنكم وراقبوا الله في شعبكم، فإن كان خطابكم قد تأثر بتلك الأجواء الملبدة فها هي الأزمة في طريقها إلى الانفراج وها هي الغمة على وشك الانكشاف وها هي سحابة الصيف قد بدأت بالانقشاع، فراجعوا حساباتكم واحفظوا لرسالتكم عظمتها وأعيدوا لأمتكم مجدها وكونوا مشعل خير لهذه الأمة في هذا الظرف الحرج وساهموا في تهدئة النفوس ولملمة الصفوف، وكرسوا جهودكم نحو البناء فالإرث ثقيل والشعب قد أنهكه الحال فاسعوا إلى الحث على التخفيف من معاناته وساهموا في إعادة البسمة إلى الشفاه.

الرسالة الخامسة والأخيرة: إلى الفئة الصامتة التي آثرت البقاء طوال مراحل هذه الثورة المباركة في المنطقة الرمادية ورضيت بأنصاف الحلول ورغبت عن اللحاق بأحد الفسطاطين، أقول لهؤلاء وكلي أمل وتفاؤل: انطلقوا من عزلتكم واخرجوا عن صمتكم واتركوا حياة الدعة والحقوا بركب السائرين نحو العلياء وثقوا بأن القادم أفضل والمستقبل مشرق فلا يعتريكم اليأس فقد ولى زمانه إلى غير رجعة أنشاء الله وثقوا جميعا أن أمور الوطن ستكون طيبة إذا صلحت النوايا وحسنت الظنون وشمر كل منا عن ساعده.. فشمروا أيها اليمنيون عن سواعدكم وأحسنوا الظن فيما بينكم وأصلحوا نواياكم يصلح المولى عز وجل أموركم وما ذلك عليه بعزيز… اللهم اجعل أمورنا طيبة كما جعلت بلدتنا طيبة.

– أكاديمي يمني مقيم بالجزائر

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية