حلول شهر رمضان هل يحقق حلم وأد الثورات العربية

حتى لا يكون شهر رمضان كما أرادوه شهراً لوأد الثورات العربية ، كما حدث في انتخابات الرئاسة اليمنية عام 2006م ،

حين تواطأت الكثير مع حاكم اليمن فأثبتوا رؤية الهلال بشكل غريب ونصوا على أنه ثبت شرعاً رؤية الهلال من غير بيان من رآه لإنهاء الجدل بين الرئيس اليمني الذي تدعمه بعض دول الجوار ومنافسيه ، وأعلن الرئيس عن إكرامية رمضان لسائر موظفي الدولة من هبة خليجية لتحقيق ذلك ، وفعلاً تحقق له ما أراد .

نتمنى أن يكون شهر رمضان كما أراده ربنا شهر التقوى ، وشهر الخيرات والمسرات ، وشهر الانتصارات والتمكين ، فنذكر بما يلي :

يجمع الفلكيون على أن أول يوم من رمضان هذا العام 1432ه سيوافق يوم الاثنين الأول من أغسطس 2011م حيث سيتولد هلال شهر رمضان مساء يوم السبت 30 يوليو 2011م في حوالي الساعة العاشرة مساءً بعد غروب الشمس بتوقيت مكة المكرمة ، وبذلك تتعذر رؤية الهلال ليلة الأحد فلا بد من إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما ، وسيكون الهلال تلك الليلة على ارتفاع 5 درجات فوق الأفق الغربي لحظة غروب الشمس ، على بعد 11 درجة إلى جنوب الشمس مساء يوم الأحد 31 يوليو ليلة الاثنين ، وعليه فأول يوم في رمضان بإذن الله تع إلى سيكون يوم الاثنين الموافق 1 أغسطس 2011م عند كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إن شاء الله .

وأما هلال عيد الفطر فسيكون بإكمال عدة رمضان 30 يوما وذلك لأنه سيكون في سماء المنطقة إلى حوالي سبع دقائق بعد غروب الشمس فتتعذر رؤية الهلال بصريا رغم وجوده فلكيا وسيكون عيد الفطر يوم الأربعاء 31 أغسطس لمن يشترط الرؤية البصرية للهلال ، أما الذين يعتبرون وجوده فلكيا فسيكون العيد عندهم يوم الثلاثاء أي أن المسلمين سينقسمون على أنفسهم في إثبات هلال شوال . إن شاء الله ، وسيكون شهرين قمريين هذا العام في شهر شمسي واحد ؟

أمانينا أن يكون رمضان هذا العام 1432ه :

* شهراً لتحقيق زاد القلب والروح . ووعاءً للسكينة والعبادة والوقار لا للغضب والانفعال والخصومات والشجار وميداناً للعمل الصالح والإنتاج والإبداع والإتقان ، لا للنوم والكسل ومضماراً لصفاء الذهن ، وسلامة العقيدة وصحيح العبادة ، ومتانة الأخلاق ، والكسب الحلال .. قال الحسن البصري غفر الله له : إن الله جعل رمضان مضماراً لخلقه ، يتسابقون فيه بطاعته إلى مرضاته ، فسبق قومٌ ففازوا ، وتخلف آخرون فخابوا .. اللهم اجعلنا فيه من الفائزين المقبولين .

* والصوم فريضةٌ في كل الديانات السماوية تهدف إلى تنمية التقوى في القول والفعل والاعتقاد أو بلغة عصرنا : تنمية التقوى في : الفكر والروح والحركة قال تع إلى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة :183] فيكون الصائم تقيٌ يخاف الله رب العالمين .

* الصوم مدرسة لتخريج المتقين ، الملتزمين بالاستقامة ، قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وكرم وجهه : التقوى : أن يجدك الله (عز وجل) حيث أمرك ، ويفقدك حيث نهاك .. وحين يترك المؤمن الصائم محبوبين إلى نفسه : الطعام والنساء : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [آل عمران :14] من أجل محبوبٍ أعظم هو الله سبحانه وتع إلى ، فبذلك تسمو نفسه ويتميز شخصه وتتفجر طاقاته وإبداعاته فيحقق ذاته .. فأعلى مراتب الصوم : الإمساك عما سوى الله ، يترك ما سوى الله ولا يتعلق به . فرمضان شهر تنمية الذات ، ويتحقق ذلك من خلال التنافس في :

أداء الصلوات في خشوعٍ مع سكون جوارح ، وحضور قلب ، في جماعة المسجد وفي الصف الأول وعن يمين الإمام ، مع شهود تكبيرة الإحرام .

أداء صلاة الترويح والتهجد والقيام والوتر ومن أول ليلة في رمضان .

تلاوة القرءان الكريم والاستزادة منه ما وسعه ذلك فإن كل حرف من القرءان بعشر حسنات ، المحافظة على الأذكار والأوراد والدعاء والإكثار من الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فلنتميز بالتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار وطلب الجنة والفوز بها والاستعاذة من النار وما يقرب منها .

فلنقل عند رؤية الهلال : اللهم أهله علينا بالأمن والأمان والسلامة والإسلام . وفي كل ليلة : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا . وعند الإفطار خاصة نكثر الدعاء لا الهرج والكلام اللغو كما يفعل المفَطَّرون في الكثير من البيوت . فإذا تناولنا التمرة لنأكلها بعد أن نتحقق الغروب : اللهم إني أسألك برحمة التي وسعت كل شيء أن تغفر لي . وبعد الإفطار : الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطر ..

الصدقة بأن يجعل الواحد منا لنفسه كل يوم وليلة صدقة كلٌ حسب طاقته وقدرته ، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان ، وهذا سلوك فردي رشيد ما أحوجنا إليه في ظل ما تعانيه بعض الأسر من عوز وقلة ذات اليد بسبب ما تمر به البلد من ضائقة .

وصلة الأرحام ، وأهلنا في حضرموت قد أسسوا لنا (المشاهرة) في رمضان وهي زيارة خاصة لا تَكَلُفَ فيها ، للتهنئة بحلول رمضان فلا ينبغي تركها .

وإصلاح ذات البين في رمضان لها أثر طيب حيث النفوس مع الصيام تطيب فتستجيب .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود الأدب ومراعاة الظروف والأشخاص .

والتقليل من النوم ، والإحسان في العمل الديني والدنيوي بالإخلاص والجد فيه ، والإتقان له ، والعزم والتصميم على إنجاز كل ما يُثقِّل الله تع إلى به الموازين ، ويرتقي بالمسلم في سلم الكمال .

فلنتزود من رمضان بزاد روحي ونفسي ، وعزم أكبر على التوبة ورد المظالم وترك الاحتكار والغش (فالمحتكر ملعون ) (ومن غشنا فليس منا) .

ولنرفع وتيرة إصرارنا على التغيير الأساسي في الأنفس والضمائر والعلاقات الاجتماعية بين الأرحام والأقارب والجيران وزملاء العمل ومن بالشارع والمسجد والمعمل أو المصنع أو المرفق أو المدرسة .. ف : (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) [الرعد :11]

ولنصحح ما طرأ على أخلاقنا وعلاقاتنا الاجتماعية من رواسب الدنيا المهلكة والهوى والشيطان .

ولنحرص على تفطير ما وسعنا من الصائمين فإن : ( من فطَّر صائما كان له من الأجر مثل أجورهم ) ولنعلم أن الحد الأدنى لذلك شربة ماء تقدمها له ، فشارك في توزيع الماء في المساجد والتفاطير تنل الأجر إن شاء الله .

فإذا دخلت العشر الأواخر أحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليله وأيقظ أهله وشدَّ مئزره ، هذا حال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما حال بعضنا إذا دخلت العشر توجه إلى السوق إما متسولاً وإما باحثاً عن ثوبٍ أو حلاقة أو لهوٍ ولا حول ولا قوة إلا بالله .

* والصيام منهج سلوكي قويم فهو إمساكٌ عن الطعام والشراب والجماع ، هذه مقدمة سلوكية ثمرتها الصوم عن المحرمات في الأقوال والأفعال والمعتقدات أو في الحركة والفكر والروح أبد الدهر ففي الحديث : ( رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش) وفي الحديث : ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) وفي الحديث : ( وإن سابه أحدٌ أو خاصمه فليقل إني صائم ، إني صائم ، إني صائم ) .

إنه منهج سلوكي يحصل به الصائم على جواز دخول إلى الجنة من باب الريان ، ففي الحديث : ( إن في الجنة بابا يقال له : الريان ، يدخل منه الصائمون لا يدخل منه أحد غيرهم ) وفي الحديث : ( من كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ) .

* ورمضان شهر التجديد الإيماني للأنفس والحياة والتعامل والابتكار فإن : ( من صام رمضان إيمانًا واحتساباً غفر له من تقدم من ذنبه ) ( ومن قام رمضان إيمانًا واحتساباً غفر له من تقدم من ذنبه ) ( ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتساباً غفر له من تقدم من ذنبه ) ( ورمضان إلى رمضان مكفر لما بينهما ما ارتكبت الكبائر ) .

* أنه شهر البركة والبر التوبة والطهارة والإنابة ، شهر القبول ، شهر السعي والكسب الحلال ، شهر الله ففي الحديث القدسي : ( الصوم لي وأنا أجزيء به ) .

* وشهر رمضان مع ذلك كله شهر للتغيير الإيجابي في حياة الفرد والأسرة والمجتمع ، فكيف يراهن المستبدون على وأد ثوراتنا فيه إلا إذا كان على حين غفلة منا وعدم قدرتنا على ترتيب أولويتنا وتنظيم أنفسنا ، فهو عند سلفنا شهر البشائر بالنجاح والتمكين لأصحاب الأهداف النبيلة ، والغايات السامية الرفيعة ، والسبب أن رمضان يجعلهم أكثر إيجابية ، أكثر إقبالٍ على الله ، وأكثر اتصالٍ به ، أكثر انقياد إلى طاعته ورغبة في القرب منه لذلك ما كانت التغييرات الكبرى التي عرفتها الأمة إلا في شهر رمضان :
1) فغزوة بدر كانت في 17 رمضان .
2) وفتح مكة في 20 رمضان .
3) وعين جالوت في 25 رمضان . هذا على سبيل المثال لا الحصر فهل نسينا كل ذلك وغيره ؟

إن أمتنا بحاجة إلى إعادة قراءة ما يتعلق برمضان حتى لا يستغفلها الطغاة المستبدين الذين صاروا متربصين بها بشكل يساوي تربص عدونا بنا … فهل نستطيع أن نفوت الفرصة عليهم هذه المرة خاصة وأن الزخم الثوري لا زال على أشده في الكثير من بلداننا ..؟

هل سنظل نفترش الساحات خلال شهر رمضان ليلا ونهارا فنفوت الفرصة على المراهنين على شهر رمضان لفك الاعتصامات ، نقيم بها حلقات تدارس القرءان ونكثر من الدعاء بأن يولي ربنا علينا خيارنا ويصرف عنا أشرارنا فقد قامت الأسباب ، وأن يفرج ربنا هم المهمومين ، وكرب المكروبين ، ويكشف غم المغمومين وحزن المحزونين ، وليلا بإقامة صلوات التراويح والقيام والتهجد لعل الله ينظر إلينا فيرى صدقنا فيكشف ما بنا إنه ولي ذلك والقادر عليه .

غير مصنف