ديموقراطية يحيى محمد عبدالله صالح

الجنرال يحيى محمد عبدالله صالح رئيس أركان قوات الأمن المركزي اليمنية وابن شقيق الرئيس علي عبدالله صالح يقول في تصريح تناقلته وكالات الأنباء قبل أيام إن الغرب يتآمر على الديموقراطية اليمنية! وإن خفض المنحة الأميركية لمحاربة الإرهاب الممنوحة للحكومة اليمنية من 150 مليون دولار سنوياً إلى 35 مليون دولار، سيسهم في إضعاف الحرب على «القاعدة» وبالتالي يزيد من خطرها «مجدداً» على العالم!

الجنرال يحيى الذي أوصلته ديموقراطية عمّه إلى منصب حساس جداً في المنظومة العسكرية اليمنية، يظن (إذا ما أعملنا نوايانا الحسنة جداً) ويصرح كاذباً متعمداً (إذا ما انحزنا إلى أسوأها) أن اليمن يعيش في بحبوحة من الديموقراطية التي تتعرض لفرط تفردها وتميزها إلى هجمة مؤامراتية من العالم شرقه وغربه! أما إذا استبعدنا من الأساس وجود النوايا في هذا التصريح، وتعاملنا معه بمنطق محايد جداً، فإننا لن نجد له تخريجاً مناسباً أفضل من: الابن سر عمّه!

يظن يحيى أن رئاسته أركان قوى الأمن المركزية إنما جاءت عبر استحقاق نزيه وشفافية قائمة على مبدأ تكافؤ الفرص.

ويظن أيضاً أن احتفاظ عمّه بكرسي الرئاسة في اليمن لأكثر من 33 عاماً هو من قبيل الحفاظ على مكتسبات الديموقراطية التي قد تطير إلى المجهول بمجرد تسلم يمني آخر مقاليد الحكم.

ويظن كذلك أن تحالف حزب المؤتمر الشعبي الحاكم على مدى سنوات مع قوى قبلية رجعية مرة، ومرة مع تنظيمات إسلاموية متطرفة، لتخدير الشعب وإشغاله بلعبة الانتماءات والغيبيات والأخرويات، هو أمر تستدعيه الديموقراطية الحقيقية في مجتمع متعدد الزعامات ومتشابك الولاءات.

ويظن الجنرال يحيى (مع احتفاظنا بنوايانا الحسنة) أن الاستيلاء على المال العام الذي يدخل اليمن بغموض ويخرج منه بغموض أكثر هو مقوم رئيسي للديموقراطية، ولا يمكن الحديث عنه بشفافية وكشفه لقنوات المراقبة المالية، لأن ذلك قد يعرض أسرار الدولة العظمى للخطر!

ويظن أن إقصاء المعارضين والمخالفين للنظام الحاكم والقضاء عليهم سياسياً بشتى الطرق وإن استدعى الأمر اغتيالهم، هو واجب مقدس تفرضه الديموقراطية لحماية التنوع والتمايز من «الاختلاف» غير المرغوب فيه!

يظن يحيى كل هذه الظنون إن كان صادقاً «ولا نزكي على الله أحداً!»، فيما المشهد اليمني يغلي من حوله جراء تنامي الحاجة الملحة والجائعة والمتعطشة للعدل والمساواة والحكم الرشيد. هي ظنون خارج نطاق الإحاطة العقلية، لكننا مجبرون على قبولها واحترام رأي قائلها عملاً بمبادئ الديموقراطية التي نؤمن بها نحن مواطني العالم العربي من غير أن نتشرف برؤيتها، وهذا لعمري أعظم أنواع الإيمان وأكثرها بركة وأشدها متانة!

ما لا نؤمن به ولا نستطيع هضمه بسهولة انحيازاً إلى نوايانا السيئة، هو ادعاء الجنرال يحيى كذباً وجود الديموقراطية في اليمن، وهو أول من يعرف أن ذلك ضرب من إلقاء الكلام على عواهنه، كون الحديث عن الديموقراطية واجباً في كل الدول العربية، بينما ممارستها فعلاً تدخل ضمن المحرمات التي يثاب تاركها ويعاقب فاعلها! ادعاء من هذا النوع في هذا الزمن تحديداً أمر بالغ الغرابة، إذ إن المتابع وغير المتابع لا يحتاج إلى «عقل استثنائي» ليكشف زيفه وهشاشته وعدم قدرته على الصمود في وجه الحقائق على أرض الواقع. كيف يكون يحيى بهذه السذاجة السياسية إن كان كاذباً؟!

ومن غير نوايا حسنة أو سيئة، فإن يحيى حاله كحال بقية المسؤولين والزعماء العرب الآخرين، ينظّر للديموقراطية الكلامية التي هي في حقيقتها تحمي النظام من الشعب، وتدعو إلى تجريم الخروج على الحاكم تحت مبررات عدة يأتي دائماً على رأسها الموقف الديني وتتسلسل خلفه منظومة طويلة تضم «الانفلات الأمني» و «التهديد الخارجي» وغيرها من أدوات حماية الديموقراطية «العلوية الأبوية»! والديموقراطيات من هذا النوع كما نعرف تسهل حمايتها، فهي لا تحتاج في العادة لأكثر من مسدس محشو وإعلام موجه، بعكس الديموقراطيات الشعبية التي تحتاج إلى مدونات ضخمة من التعاليم البالغة التعقيد لحمايتها وضمان ديمومتها وفاعلية حركتها الدورانية.

يكذب جنرالنا ويعرف أنه يكذب عملاً بعقيدته العسكرية التي ترفض إعلان الهزيمة حتى اللحظات الأخيرة من المعركة، لكنه لا يعرف في المقابل أن هذا النوع من الكذب غير قادر في ظروف المنطقة الراهنة على إبعاد الربيع العربي عن ربيع صنعاء الذي يدعيه ويدعو اليمنيين إلى الإيمان بوجوده.

ابن أخ الرئيس الذي هو سره، يستخدم كل الطرق التي يمكن استخدامها لإبعاد شبح «الديموقراطية الحقيقية» عن اليمن، لأنه يعلم أن وصول الحكم الرشيد إلى البلاد، سيجرده من كل مكتسباته المالية والوظيفية التي تحصّل عليها بفضل ديموقراطية عمّه، ومن بين هذه الطرق استخدام «حيلة الإيهام الديموقراطي» كما فعل في تصريحه قبل أيام.

إلى هنا لا يبدو الأمر خطيراً لأنه إن كان صادقاً فهو تحت مظلة المغرر بهم، وإن كان كاذباً فلنقص خبرته السياسية، وإن كان لا هذا ولا ذاك فهو مناور وجدلي مثل عمّه.

الأمر الخطير الذي تطرق له هو إعلانه المباشر أن «القاعدة» في كفة وحزب المؤتمر الشعبي في كفة، فإما أن نكون نحن كحزب حاكم وإما أن تكون «القاعدة»، وما رأس العولقي الذي حصلت عليه أميركا قبل أيام كهدية ثمينة إلا تذكير بأهمية هذا الوجود الصالحي.

وأظن أنا «صادقاً وغير كاذب وفي شكل محايد جداً» أن خلو الساحة اليمنية من رمز سياسي معارض (من غير تكتل اللقاء المشترك) يتعهد بمواصلة الحرب على «القاعدة»، سيؤجل الحماسة الأميركية على وجه الخصوص والغربية عموماً في العمل على تنحية صالح ونظامه وابن أخيه واستبدالهم بأيقونات مجهولة لا يُعرف مدى تعاونها المستقبلي!

* كاتب وصحافي سعودي.

anl@alhayat.com

غير مصنف