توكل كرمان رَفَعتْ رأسنا!

أثناء متابعتي لتطورات الثورة اليمنية على الفضائيات، كنت معجباً بالتحركات النسائية والتصريحات التي يدلين بها، والتي كانت تنم عن حركية سياسية، وحزمٍ وعزمٍ. وكان السؤال دائماً يراودني: من أين لهن تلك القوة وذلك الاندفاع، خاصةً وأنهنّ مُنقباّت يعشن في بيئة محافظة، كالبيئة اليمنية؟ّ!

صحيح، أن المرأة شاركت في ثورتي مصر وتونس، وبدرجة أقل في ليبيا وسورية، لكنّ الأمر لم يكن مستبعداً في ظل التطور المجتمعي للبلدان الأربعة، مقارنةً باليمن. ويبدو، أن تفاقم الأوضاع في اليمن إلى درجةٍ مزرية، وممارسات النظام الحالي القمعية، لم تترك حتى الأطفال في بيوتها، فكيف بالنساء؟!

الثابت ان الثورة اليمنية كشقيقاتها من الثورات العربية الأخرى هي ثورة سلمية ذات طابع مدني لا إسلامي، ولن تؤدي إلى تفتيت الشرق الأوسط، ولن تُشكل خطراً على الأقليات، كما ظن غبطة البطريرك الماروني بشارة الراعي. ويبدو أن غبطته قد عدل عن رأيه أخيراً أثناء تصريحاته في أميركا، ووجه اللوم إلى الإعلام بتحريف تصريحاته وطلب الرجوع إلى الخارجية الفرنسية وتقارير السفير اللبناني في باريس. والغريب أن يطلب البطريرك الاستشهاد بالآخرين لتأكيد كلامه. فالأصول أن يُستشهد بكلام البطريرك لا العكس، أوَ ليسَ كلامُ البطريرك، بطريرك الكلام؟!

جاء فوز الناشطة والمناضلة السياسية اليمنية بجائزة نوبل للسلام مشاركة مع ليبريتين، ليزيد الاعجاب، إعجاباً! خاصةً وأنها تعمل في بيئة تقليدية، ذكوريّة، سلطويّة، قبلية. أثبتت توكل كرماّن، أنّ للمرأة دوراً محورياً فاعلاً، لا يقل عن دور الرجل في قيادة التغيير المرتقب، وفي حمل شعلة الحرية للوصول إلى مواطنة صحيحة. ما يُلفت في توكل أنها خلعت النقاب والذي لا يمت إلى الإسلام بصلة.
وحين سُئلت عن السبب، فأجابت، كي أكون قريبة من الناشطين. واللافت، أيضاً أنها متزوجة وأم لثلاثة أبناء، الأمر الذي يعني، أنّ وضعّها العائلي لم يكن عائقاً نحو انخراطها بالعمل السياسي. إنّ فوز توكل كرماّن بجائزة نوبل للسلام، يأتي تتويجاً لدورها، ويؤشر إلى أن تفكيك المجتمع الذكوري، السلطوي، ولو تدريجياً، ليس بالامر المستحيل، وأنّ التغيير في وضع المرأة، لابد، وأنّه آتٍ. لكن الأهم من ذلك، فقد أثبتت توكل كرماّن أحد أعضاء مجلس شورى حزب التجمع اليمن للإصلاح الإسلامي، وهو على صلة ب «الاخوان المسلمين»، انّ الإسلام الحقيقي لا يتعارض إطلاقاً مع دور المرأة، السياسي والنضالي، كما ثَبُتَ في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، بل انّ ولاية المرأة لرئاسة الدولة هو أمرٌ جائز، كما يؤكد العلامة الراحل المستنير الشيخ محمد حسين فضل الله («الشرق الأوسط» 19 /7/ 1999).

ذكرتّنا المناضلة الشجاعة توكل كرماّن بجميلة بوحريد (زمن الثورة الجزائرية) وقبلها هدى شعراوي (والتي رافقت ثورة سعد زغلول في مصر) ولو عاد قاسم أمين الذي كتب «تحرير المرأة» في آوائل القرن الماضي، إلى الحياة، لما صدقّت عيناه، ما ستراه.

شكراً لتوكل كرماّن، التي لم تجعلنا فقط سعداء، بل أضفت أيضاً السعادة على بلدها، وهو البلد الذي طالما لُقب باليمن السعيد، لكن مع الأسف لم يعرف السعادة!
يا سيدتي: هنيئاً لنا بكِ. لقد رفضتِ أن تحني رأسكِ… فرفعتِ رأسنا! شكراً لك.

كاتب لبناني

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية