المرحلة الانتقالية في اليمن وأخطارها

كانت الثورات والانقلابات السابقة في اليمن يقوم بها العسكر منفردين أو متحالفين مع فئات مدنية تتفق معهم في الأهداف أو الأيديولوجيات لتغيير الأوضاع والاستيلاء على السلطة، إلا أن المشاركة الشعبية في انطلاقها كانت محدودة ومدفوعة من القائمين عليها .

وتختلف عنها الثورة الشبابية الشعبية الحالية بعفويتها وتصدر الشباب لها، وإن لم يكن لها قيادة أو أيديولوجية موحدة . وسرعان ما التحقت بثورة الشباب اليمنية قوى وشخصيات سياسية تقليدية، وأخرى قبلية، وثالثة عسكرية بطروحات متعددة ما بين تبني أو تأييد مطالب الشباب المعتصمين في ساحات التغيير أو حمايتهم .

ولسنا في هذا المقال بصدد شرح أو تحليل أحداث العشرة أشهر منذ بداية الثورة الشبابية الشعبية في فبراير/ شباط ،2011 حتى استكمال التوقيعات على وثيقتي المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية في نوفمبر/ تشرين الثاني ،2011 وأدوار المشاركين في الأحداث سلباً أو إيجاباً، ولكن نقتصر في الطرح على الإشارة إلى مصادر الأخطار التي قد تواجهها اليمن خلال المرحلة الانتقالية، سواء العائدة إلى طبيعة وأهداف الأطراف الفاعلة خلال المرحلة، أو تلك العائدة إلى تأثر المجتمع اليمني بنتائج التناحر السياسي والنفعي خلال العقود الماضية التي عمّقتها وألهبتها وكرّست آثارها الأشهر الأخيرة . ويقيني أن طرح هذه الأخطار بعد أن وصلت اليمن إلى ما وصلت إليه من انقسامات وتناحر ووقوفها على باب مرحلة جديدة من تاريخها إنما يساعد على تحديد العيوب والتباينات الموروثة والمكتسبة وتلافي الهفوات والسقطات ومعالجتها لاجتياز المرحلة الانتقالية المحددة في المبادرة الخليجية بعامين وثلاثة أشهر بسلام، وإعداد دستور يحقق طموحات وآمال شباب الثورة في العدالة والمواطنة المتساوية في دولة مدنية حديثة .

ويأتي أول الأخطار على اليمن وعلى حسن تنفيذ المبادرة الخليجية من بعض قوى الفساد المتنفذة، سواء العسكرية منها أو القبلية أو المدنية، فقد تكونت خلال العقود الماضية شبكة واسعة من المستفيدين من النظام تم فيها تقاسم وتوزيع النفوذ والمصالح والامتيازات، واختلط فيها الخاص والعام بصورة غير مسبوقة تمثلت في احتكار بعض الأنشطة الاقتصادية مثل خدمات النفط والصيد البحري، وتقاسم المناقصات الحكومية بخلاف القانون، وتملك أراضي وعقارات الدولة مجاناً أو بأسعار زهيدة، وتخصيص ميزانيات من أموال الدولة لبعض مراكز القوى العسكرية والقبلية بحجة حفظ الأمن وشراء الولاءات، وإلى غير ذلك من صور الفساد . ولذا فلم يكن مستغرباً رؤية مئات المنازل السكنية الشخصية في صنعاء خلال أشهر الأزمة محاطة بالمتاريس والتحصينات المقامة في الشارع العام أمام أسوارها العالية، ويقف خلف التحصينات عشرات المسلحين المدنيين أوالعسكريين بكامل عتادهم على مدار الساعة، وهو ما لم يتوافر حتى للمنشآت والمباني الحكومية والعامة . وحالتا التقاسم والتمترس ليستا مقصورتين على جانب النظام فقط، بل شملتا كذلك بعض قادة المعارضة وبعض الملتحقين بالثورة .

ومع الأخذ في الاعتبار أن الحلول التي قدمتها المبادرة الخليجية مبنية على حفظ الدماء والأرواح ورفع المعاناة عن الناس، والحفاظ على وحدة اليمن واستقراره، وتحقيق مطالب الشباب بالتغيير وإنشاء دولة جديدة تلبي طموحاتهم وآمالهم . وطالما أن المبادرة الخليجية قد وضعت الشراكة أساساً للحل بين الفرقاء السياسيين، والتوافق طابعاً للعمل خلال الفترة الانتقالية الممتدة حتى العام ،2014 وهي الفترة المحكومة ببنود الاتفاقية وآليتها التنفيذية حتى استكمال إعداد الدستور الجديد وإجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية، فإنه يستحيل إنجاز مهام المرحلة الانتقالية من دون تعاون طرفي النظام والمعارضة، ولذلك فلابد من خطة للتصالح الوطني تقوم على مبادئ العدالة والتسامح، وإزالة جميع أشكال الاستحواذ والاستئثار، تنفذ بحرص وتأنٍ لتجنب الصراعات الأهلية والممارسات الانتقامية أو الدخول في دوامة القدح والمدح والنبذ والضم التي تعيق قوى المجتمع وتستنزف مقدراته .

أما ثاني الأخطار، فيأتي من الأحزاب التقليدية التي يتصف بعض تياراتها سواء القومية المنبت منها أو الدينية، بتوجهات ماضوية ونزعات نقلية جامدة لا تأخذ في الاعتبار التغيرات الزمانية والمكانية للمجتمعات الإنسانية، فنراها تغوص في الماضي وتستغرق في قشوره وتبحث عن حلول جاهزة للمستقبل في طياته فتروج على سبيل المثال لنموذج شورى النخبة غير الملزمة للحاكم، أو تنادي بالدولة الرشيدة القائمة على شخصية الحاكم العادل الورع، أو تبحث عن القائد الكاريزمي المُلهَم، وهذه الأمور كلها لا تتفق مطلقاً مع حقائق العصر واحتياجاته ولا مع الظروف الموضوعية للمجتمعات البشرية في وقتنا هذا، ولا مع تعقيدات الحضارة وتعدد مناحيها وتنوع مناشطها وتفاصيلها، ويضاف إلى ذلك ميل هذه التيارات إلى أحادية الرؤى وإقصائية المخالف . ولابد لنا أن نقر أن الاستبداد وقمع المعارضين وتكميم الأفواه، وإن كانت من سمات الأنظمة العسكرية التي شهدناها في العقود الأخيرة، إلا أن جذورها ممتدة مئات السنين قبل ذلك، ومن المهم أن نعي هذا وندركه للخروج من شراك الماضي القريب ووهم الماضي البعيد . ويقيني أننا بشيء من الإبداع وقدر من إعمال العقل نستطيع الوصول إلى أنظمة مستقاة من تراثنا العربي والإسلامي تتفق مع مبادئ التمثيل الشعبي وإلزامية الشورى للحاكم، ومبادئ المساءلة والمحاسبة للحاكم وقيم التعايش والمشاركة والقبول بالآخر .

وثالث مصادر الخطر، هو اندفاع شباب الثورة في ساحات التغيير وارتفاع سقف توقعاتهم واستعجالهم النتائج مع ضعف في خبراتهم قد يؤدي ذلك كله إلى تشتت قوى الثورة وتضاربها وتناقضها ووقوعها في نهاية المطاف لقمة سائغة لهذا الطرف أو ذاك، فتعجز عن تحقيق التطلعات والآمال، وبالتالي الدخول في دوامة الإحباطات والاتهامات المتبادلة فيما بينها من ناحية، ومع القوى السياسية التقليدية من ناحية أخرى، ولذا فإن شباب الثورة بحاجة إلى جانب التيقظ والوعي، إلى الانخراط في العمل السياسي المنظم وإنشاء أحزاب سياسية جديدة تتبنى رؤاهم وتوجهاتهم، ويعملون من خلالها مع ذوي الخبرة والكفاءة لتحقيق تطلعاتهم بالعمل من خلال مكونات وقنوات العمل السياسي المعروفة من أحزاب ونقابات ومنظمات مجتمع مدني، والمشاركة في أنشطة التوعية والتأثير في الرأي العام والانتخابات للوصول إلى مواقع التشريع ومراكز صنع القرار والتأثير فيها .

والخطر الرابع يأتي من القلاقل والتمردات الجهوية وتحديداً الحراك الجنوبي وحركة الحوثيين وما يمكن أن يحذو حذوهما . وكلا الحركتين ابتدأتا بمطالب حقوقية وتصحيح أوضاع جائرة، فقد كان الحراك الجنوبي نتاجاً لحرب 1994 وما تبعها من إجراءات وممارسات اختلط فيها الرسمي بالقبلي وهيمنت عليها نشوة الانتصار والغلبة وقادتها غرائز الطمع والتملك، فكان إقصاء العديد من أعمالهم دون حق، واستيلاء المتنفذين على أراضي وعقارات الدولة في المحافظات الجنوبية، خاصة في عدن وحضرموت دون المستحقين لها، واحتكار الأنشطة الاقتصادية بصورة غير قانونية . وكذا ابتدأت الحركة الحوثية -قبل تدخل أطراف خارجية- كرد فعل زيدي على التوسع السلفي، ومحاولة لأعادة نشر المذهب الذي خفت صيته في العقود الأخيرة، ثم تفاقمت الأمور نتيجة سوء المعالجة واستعصى على النظام حلها . ومن المفارقات أن حزب المؤتمر الحاكم وحزب الإصلاح أكبر أحزاب المعارضة قد اشتركا في خطأ التعامل مع الحراك الجنوبي وحركة الحوثيين، فقد كان حزب الإصلاح متحالفاً مع النظام في حرب 1994 ومشتركاً معه في تقاسم السلطة والثروة بعدها، كما اتسق موقفه مع موقف النظام من حركة الحوثيين لأسباب عقائدية، وإن كان قد نأى بنفسه عن المشاركة المباشرة في الحرب ضد الحوثيين .

وصحيح أن المبادرة الخليجية قد وضعت معالجة قضيتي الحراك الجنوبي والحوثيين ضمن أجندة المرحلة الانتقالية، إلا أن من المهم الإشارة إلى اتجاهين متوازيين للمعالجة، الأول نحو إعادة الحقوق وإصلاح الاختلالات وإزالة المظالم التي سبق بحثها في عدة تقارير ولجان حكومية لم تنفذ، والثاني نحو الترتيبات الدستورية لصيانة الحقوق وتحصين المجتمع من حدوث مثل هذه الاختلالات بمبدأ الإقرار بالحريات وضرورة القبول بالآخر .

وإذا أضفنا إلى ذلك كله الحالة الاقتصادية المتردية والتعقيدات القبلية والاجتماعية فإن الوضع يبدو شديد الخطورة، وهو كذلك فعلاً، إلا أن عدم الدخول السريع والملتزم والصادق في إجراءات الحل والوفاق والتغيير، كما حددتها المبادرة الخليجية، أو إعاقتها، أو محاولة الالتفاف عليها، أكثر خطورة وأشد ضرراً على اليمن وجيرانها من أي خيارات أخرى، علماً أن متطلبات نجاحها في متناول أيدي الأطراف المعنية إن هي أرادت لها النجاح وأهمها التزام الواقعية، وتجاوز الأطماع الشخصية، والسمو فوق الأنانيات القبلية والحزبية والنفعية، والرغبة الصادقة في الحفاظ على وحدة وسلامة اليمن واستقراره، واحترام حقوق وكرامة مواطنيه .

* وزير السياحة والبيئة اليمني السابق

غير مصنف